العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

عيسى الكبير.. غرس أورق وطنا وعهد أورث مجدا وأثمر عزا

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي.

الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

ليست‭ ‬عظمةُ‭ ‬الرجال‭ ‬فيما‭ ‬يأخذونه‭ ‬من‭ ‬زمانهم،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬يتركونه‭ ‬لزمانٍ‭ ‬يأتي‭ ‬بعدهم؛‭ ‬ولا‭ ‬فيما‭ ‬يبلغونه‭ ‬من‭ ‬المجد‭ ‬في‭ ‬حياتهم،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المجد‭ ‬بعد‭ ‬رحيلهم‭. ‬فمن‭ ‬الرجال‭ ‬من‭ ‬تنقضي‭ ‬أيامه‭ ‬فينقضي‭ ‬معها‭ ‬أثره،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬تنقضي‭ ‬أيامه‭ ‬فتبتدئ‭ ‬بها‭ ‬أعمارٌ‭ ‬من‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬تنقضي؛‭ ‬يغيب‭ ‬شخصه‭ ‬ويبقى‭ ‬نهجه،‭ ‬ويسكن‭ ‬صوته‭ ‬ويبقى‭ ‬صداه‭. ‬ومن‭ ‬هؤلاء‭ ‬كان‭ ‬صاحبُ‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حاكمُ‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها،‭ ‬طيّب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير؛‭ ‬رجلًا‭ ‬غرس‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬غرسًا،‭ ‬وأرسى‭ ‬في‭ ‬بنيانها‭ ‬أُسسًا،‭ ‬وأوقد‭ ‬في‭ ‬مسيرتها‭ ‬قبسًا،‭ ‬ثم‭ ‬مضى‭ ‬وبقي‭ ‬الغرس‭ ‬يُورق،‭ ‬والأساس‭ ‬يَرسخ،‭ ‬والقبس‭ ‬يُشرق‭.‬

وما‭ ‬كان‭ ‬غرسُ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬غرسًا‭ ‬في‭ ‬تربة،‭ ‬بل‭ ‬غرسَ‭ ‬قائدٍ‭ ‬في‭ ‬وطن؛‭ ‬سقاه‭ ‬بالحكمة‭ ‬حتى‭ ‬اشتدّ‭ ‬عوده،‭ ‬وحاطه‭ ‬بالبصيرة‭ ‬حتى‭ ‬استقام‭ ‬أمره،‭ ‬وتعاهده‭ ‬بالحزم‭ ‬حتى‭ ‬ثبت‭ ‬أصله،‭ ‬ثم‭ ‬تركه‭ ‬لمن‭ ‬بعده‭ ‬ميراثَ‭ ‬مجدٍ‭ ‬يُصان؛‭ ‬أمانةً‭ ‬ورسالةً‭ ‬يحملها‭ ‬الوجدان،‭ ‬وعهدًا‭ ‬يسلّمه‭ ‬الأب‭ ‬للابن،‭ ‬ويحمله‭ ‬الحفيد‭ ‬عن‭ ‬الجد؛‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الوفاء‭ ‬فيه‭ ‬نهجًا‭ ‬ونسبًا،‭ ‬وصارت‭ ‬خدمة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ذريته‭ ‬عهدًا‭ ‬باقيًا‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬عظمةُ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير؛‭ ‬فما‭ ‬كلُّ‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬أسّس،‭ ‬ولا‭ ‬كلُّ‭ ‬من‭ ‬أسّس‭ ‬امتدّ‭ ‬أثره،‭ ‬ولا‭ ‬كلُّ‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬أبناءً‭ ‬ترك‭ ‬فيهم‭ ‬امتداده‭. ‬أما‭ ‬هو،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬حضورهم‭ ‬حين‭ ‬تنقضي‭ ‬أعمارهم؛‭ ‬لأنهم‭ ‬يضعون‭ ‬في‭ ‬أعناق‭ ‬من‭ ‬بعدهم‭ ‬عهدًا‭ ‬عظيمَ‭ ‬المقدار،‭ ‬ويتركون‭ ‬في‭ ‬ضمائرهم‭ ‬أمانةً‭ ‬أبقى‭ ‬من‭ ‬الأعمار‭. ‬فما‭ ‬أورث‭ ‬ذريته‭ ‬اسمًا‭ ‬وحسبًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أمانةً‭ ‬ينهضون‭ ‬بها؛‭ ‬ولا‭ ‬مجدًا‭ ‬يستريحون‭ ‬إليه،‭ ‬بل‭ ‬مجدًا‭ ‬يزيدون‭ ‬عليه؛‭ ‬ولا‭ ‬تاريخًا‭ ‬يروونه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تاريخًا‭ ‬يواصلون‭ ‬كتابته‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬العهد،‭ ‬تعاقبت‭ ‬السنون‭ ‬ولم‭ ‬ينقطع‭ ‬الغرس،‭ ‬وتعاقبت‭ ‬العهود‭ ‬ولم‭ ‬ينقطع‭ ‬العهد،‭ ‬وتعاقب‭ ‬الرجال‭ ‬ولم‭ ‬تنقطع‭ ‬الرسالة‭. ‬جاء‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬رجالٌ‭ ‬من‭ ‬صلبه،‭ ‬يحملون‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬نسبًا،‭ ‬ومن‭ ‬نهجه‭ ‬سببًا،‭ ‬ومن‭ ‬أمانته‭ ‬واجبًا؛‭ ‬كلُّ‭ ‬واحدٍ‭ ‬يتسلّم‭ ‬البحرين‭ ‬ممن‭ ‬سبقه‭ ‬فلا‭ ‬يبدأ‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وإنما‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬انتهى‭ ‬السابق،‭ ‬فيزيد‭ ‬في‭ ‬البنيان‭ ‬بنيانًا،‭ ‬وفي‭ ‬العمران‭ ‬عمرانًا،‭ ‬وفي‭ ‬المكانة‭ ‬مكانةً،‭ ‬وفي‭ ‬المجد‭ ‬مجدًا؛‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬تاريخُ‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مسيرةً‭ ‬يشدُّ‭ ‬آخرها‭ ‬أولها،‭ ‬ويشهد‭ ‬حاضرها‭ ‬لماضيها،‭ ‬ويُبشّر‭ ‬ماضيها‭ ‬بحاضرها‭.‬

وهكذا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬التاريخ‭ ‬أسماءً‭ ‬تتعاقب،‭ ‬بل‭ ‬أماناتٍ‭ ‬تتعانق؛‭ ‬ولا‭ ‬يصبح‭ ‬المُلك‭ ‬عهودًا‭ ‬تنفصل،‭ ‬بل‭ ‬مسيرةً‭ ‬تتصل‭. ‬أبٌ‭ ‬يسلّم‭ ‬ابنًا،‭ ‬وجدٌّ‭ ‬يأتمن‭ ‬حفيدًا،‭ ‬وسلفٌ‭ ‬يستودع‭ ‬خلفًا،‭ ‬والبحرين‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأيدي‭ ‬الأمينة‭ ‬تكبر‭ ‬ولا‭ ‬تشيخ،‭ ‬وتتجدّد‭ ‬ولا‭ ‬تنقطع،‭ ‬وتمضي‭ ‬إلى‭ ‬غدها‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬من‭ ‬أمسها‭ ‬ما‭ ‬يُقوّي‭ ‬خطاها‭ ‬ولا‭ ‬يُقيّد‭ ‬مداها‭. ‬كأن‭ ‬كلَّ‭ ‬جيلٍ‭ ‬من‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام‭ ‬كان‭ ‬يسمع‭ ‬في‭ ‬ضميره‭ ‬وصيةَ‭ ‬من‭ ‬سبقه‭: ‬زِدْ‭ ‬في‭ ‬الغرس‭ ‬ولا‭ ‬تقتلع،‭ ‬وارفع‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬ولا‭ ‬تهدم،‭ ‬وسلّم‭ ‬من‭ ‬يأتي‭ ‬بعدك‭ ‬وطنًا‭ ‬أعزَّ‭ ‬مما‭ ‬تسلّمت،‭ ‬ومجدًا‭ ‬أرسخَ‭ ‬مما‭ ‬ورثت‭.‬

ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬أبًا‭ ‬لذريةٍ‭ ‬حملت‭ ‬اسمه‭ ‬ونسبه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أبًا‭ ‬لمسيرةٍ‭ ‬حملت‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬حكمته‭ ‬وبصيرته؛‭ ‬فمن‭ ‬غرسه‭ ‬امتدّت‭ ‬الأغصان،‭ ‬ومن‭ ‬أصله‭ ‬علت‭ ‬الأفنان،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬الجذر‭ ‬الراسخ‭ ‬أينعت‭ ‬الثمار‭. ‬وكلما‭ ‬امتدّ‭ ‬غصنٌ‭ ‬لم‭ ‬يستغنِ‭ ‬عن‭ ‬أصله،‭ ‬وكلما‭ ‬أينعت‭ ‬ثمرةٌ‭ ‬ردّت‭ ‬فضلها‭ ‬إلى‭ ‬غرسها،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬البحرين‭ ‬دوحةً‭ ‬من‭ ‬التاريخ،‭ ‬تعاقبت‭ ‬عليها‭ ‬الفصول‭ ‬فما‭ ‬أسقطت‭ ‬أصلها،‭ ‬وهبّت‭ ‬عليها‭ ‬الرياح‭ ‬فما‭ ‬اقتلعت‭ ‬جذرها،‭ ‬ومرّت‭ ‬بها‭ ‬السنون‭ ‬فما‭ ‬زادتها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬رسوخًا،‭ ‬وفي‭ ‬السماء‭ ‬ارتفاعًا‭.‬

ثم‭ ‬دارت‭ ‬دورةُ‭ ‬الزمن،‭ ‬وتناقلت‭ ‬الأجيال‭ ‬الأمانة،‭ ‬حتى‭ ‬حملها‭ ‬سيدي‭ ‬حضرةُ‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملكُ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه؛‭ ‬فإذا‭ ‬بالعهد‭ ‬يتجدّد‭ ‬في‭ ‬مشروعٍ‭ ‬وطنيٍّ‭ ‬يُزاوج‭ ‬بين‭ ‬أصالة‭ ‬الدولة‭ ‬وتطلّعها،‭ ‬وبين‭ ‬رسوخ‭ ‬الهوية‭ ‬واتساع‭ ‬الرؤية‭. ‬وكأن‭ ‬التاريخ،‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬مسيرته،‭ ‬أراد‭ ‬للاسم‭ ‬أن‭ ‬يردّ‭ ‬السلام‭ ‬على‭ ‬الاسم؛‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الغرس،‭ ‬وحمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬في‭ ‬امتداد‭ ‬الغرس،‭ ‬وبينهما‭ ‬رجالٌ‭ ‬حملوا‭ ‬الأمانة،‭ ‬وصانوا‭ ‬المكانة،‭ ‬وأوصلوا‭ ‬الراية‭ ‬من‭ ‬يدٍ‭ ‬إلى‭ ‬يد،‭ ‬ومن‭ ‬عهدٍ‭ ‬إلى‭ ‬عهد،‭ ‬فما‭ ‬سقطت‭ ‬الراية،‭ ‬ولا‭ ‬ضاعت‭ ‬الوصية،‭ ‬ولا‭ ‬خبت‭ ‬جذوةُ‭ ‬المسيرة‭.‬

وفي‭ ‬عهد‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوفاء‭ ‬للماضي‭ ‬وقوفًا‭ ‬عنده،‭ ‬وإنما‭ ‬مُضيًّا‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل؛‭ ‬فالوفاء‭ ‬للمؤسسين‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬نحفظ‭ ‬أسماءهم‭ ‬في‭ ‬السجلات،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نحفظ‭ ‬غرسهم‭ ‬بالمُنجزات،‭ ‬وليس‭ ‬أن‭ ‬نستعيد‭ ‬أيامهم‭ ‬بالحكايات،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نمدّ‭ ‬أعمارهم‭ ‬بالإنجازات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يغدو‭ ‬حاضرُ‭ ‬البحرين‭ ‬شاهدًا‭ ‬لماضيها،‭ ‬ويغدو‭ ‬مستقبلها‭ ‬وفاءً‭ ‬لكليهما؛‭ ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬غُرست‭ ‬لها‭ ‬الجذور‭ ‬بالأمس،‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬لها‭ ‬الأغصان‭ ‬اليوم،‭ ‬وهي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬ستقطف‭ ‬أجيالُ‭ ‬الغد‭ ‬ثمارها‭.‬

ومن‭ ‬أبلغ‭ ‬معاني‭ ‬الوفاء‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬عامُ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬فيكون‭ ‬عامًا‭ ‬ليس‭ ‬لعدِّ‭ ‬السنين‭ ‬التي‭ ‬مضت،‭ ‬ولا‭ ‬لذكرى‭ ‬انقضت؛‭ ‬بل‭ ‬لاستحضار‭ ‬سيرةٍ‭ ‬لم‭ ‬تغب،‭ ‬وتأمّل‭ ‬أثرٍ‭ ‬بقي،‭ ‬ومسيرةٍ‭ ‬امتدّت‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬فصلٍ‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الغرس‭ ‬الأول،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مُنجزٍ‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الحلم‭ ‬الأول،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬رايةٍ‭ ‬تعلو‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬غرس،‭ ‬ثم‭ ‬اطمأنّ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وراءه‭ ‬رجالًا‭ ‬سيحرسون‭ ‬الغرس‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوله‭ ‬وطنٌ‭ ‬لمؤسسي‭ ‬مسيرته‭: ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الغارسُ‭ ‬بعد‭ ‬أجيالٍ‭ ‬غرسه‭ ‬ولم‭ ‬يذبل،‭ ‬ويرى‭ ‬بناءه‭ ‬ولم‭ ‬يُهدم،‭ ‬ويرى‭ ‬أمانته‭ ‬ولم‭ ‬تُضع،‭ ‬ويرى‭ ‬ذريته‭ ‬لم‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬مجده‭ ‬وسادةً‭ ‬تستريح‭ ‬عليها،‭ ‬بل‭ ‬سُلّمًا‭ ‬ترتقي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مجدٍ‭ ‬جديد‭. ‬فما‭ ‬أعظمَ‭ ‬أن‭ ‬يغرس‭ ‬الرجل‭ ‬شجرةً‭ ‬فيستظل‭ ‬بها‭ ‬أبناؤه،‭ ‬ولكن‭ ‬أعظمُ‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يغرس‭ ‬نهجًا‭ ‬فيستظل‭ ‬به‭ ‬وطن؛‭ ‬وما‭ ‬أجلَّ‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬الإنسان‭ ‬اسمًا‭ ‬في‭ ‬ذريته،‭ ‬ولكن‭ ‬أجلُّ‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬في‭ ‬ذريته‭ ‬وطنًا‭ ‬يحملونه،‭ ‬وعهدًا‭ ‬يصونونه،‭ ‬ومجدًا‭ ‬يزيدونه‭.‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬وجزاه‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها‭ ‬خير‭ ‬الجزاء؛‭ ‬فقد‭ ‬مضى‭ ‬الغارس‭ ‬وبقي‭ ‬الغرس،‭ ‬وغاب‭ ‬الرجل‭ ‬وبقي‭ ‬الأثر،‭ ‬وانقضى‭ ‬العمر‭ ‬وما‭ ‬انقضى‭ ‬العهد‭. ‬وسيبقى‭ ‬اسمه‭ ‬ما‭ ‬بقيت‭ ‬البحرين‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الرجال‭ ‬الكبار‭ ‬لا‭ ‬تطويهم‭ ‬الأعوام‭ ‬إذا‭ ‬أبقوا‭ ‬وراءهم‭ ‬وطنًا‭ ‬أبيًّا‭ ‬عزيزًا‭ ‬شامخًا،‭ ‬ولا‭ ‬تحجبهم‭ ‬الأيام‭ ‬إذا‭ ‬تركوا‭ ‬بعدهم‭ ‬رجالًا؛‭ ‬فمن‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬ابتدأ‭ ‬الغرس،‭ ‬وبذريته‭ ‬امتدّ‭ ‬الفرع،‭ ‬وبالوفاء‭ ‬اخضرّ‭ ‬الزرع،‭ ‬وبالبحرين‭ ‬بقي‭ ‬المجد‭ ‬أصلًا‭ ‬لا‭ ‬يُقتلع،‭ ‬وعهدًا‭ ‬لا‭ ‬ينقطع،‭ ‬ورايةً‭ ‬تسمو‭ ‬ولا‭ ‬تنخفض،‭ ‬وذِكرًا‭ ‬كلما‭ ‬تقادم‭ ‬به‭ ‬الزمان‭ ‬ازداد‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬رسوخًا،‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬شموخًا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا