العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

أمن الخليج العربي في التحولات الإقليمية

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬نحاول‭ ‬وضع‭ ‬إجابات‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬لربما‭ ‬تشغل‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المحافل‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬التي‭ ‬اختلطت‭ ‬فيها‭ ‬الأوراق،‭ ‬وبات‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬عناصرها‭. ‬ستتمحور‭ ‬هذه‭ ‬الإجابات‭ ‬حول‭ ‬سؤال‭ ‬رئيسي،‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬تضمن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أمنها‭ ‬جزءا‭ ‬أساسيا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬أمني‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وليس‭ ‬نتيجة‭ ‬له،‭ ‬وبما‭ ‬يضمن‭ ‬استقرارها،‭ ‬وإنجازاتها،‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة،‭ ‬وإمداداتها؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬المأزق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬تجد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬نفسها‭ ‬فيه‭ ‬اليوم،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تجربتها‭ ‬مع‭ ‬اتفاق‭ ‬2015،‭ ‬حول‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬توقيعه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مشاركتها‭ ‬وترك‭ ‬قدرات‭ ‬إيران‭ ‬الصاروخية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رادع،‭ ‬شكلت‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الخليج‭ ‬اليوم‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬طبق‭ ‬سياسي‮»‬‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الآخرين‭.‬

إن‭ ‬الاتفاق،‭ ‬الذي‭ ‬ركَّز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬وتجاهل‭ ‬السلوك‭ ‬الإقليمي‭ ‬الإيراني،‭ ‬غيّب‭ ‬الصوت‭ ‬الخليجي‭ ‬وترك‭ ‬المنطقة‭ ‬لتواجه‭ ‬‮«‬حصاد‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‮»‬‭.. ‬جيران‭ ‬إيران‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬تعايشوا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬يومياً،‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُقَلّص‭ ‬ذلك‭ ‬الاتفاق‭ ‬التوتر،‭ ‬مهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لجولة‭ ‬تصعيد‭ ‬جديدة‭. ‬لذلك،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المطلب‭ ‬الخليجي‭ ‬الأول‭ ‬والأساسي‭ ‬اليوم‭ ‬هو تحويل‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬‮«‬نتيجة‭ ‬ثانوية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬شرط‭ ‬مسبق‮»‬‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬نشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تسعى‭ ‬اليوم‭ ‬جاهدة‭ ‬لتحويل‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬نتيجة‭ ‬إلى‭ ‬شرط‭ ‬أساسي،‭ ‬لكن‭ ‬نجاحها‭ ‬مرهون‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬صفها‭ ‬داخليا،‭ ‬وإقناع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالتزام‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬وإيجاد‭ ‬صيغة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬تسمح‭ ‬ببناء‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الثقة‭. ‬

الطريق‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬طويلا‭ ‬وشاقا،‭ ‬لكنها‭ ‬باتت‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬أمنها‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أي‭ ‬اتفاق،‭ ‬وإما‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬اتفاق‭ ‬يمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬به‭.‬

الدور‭ ‬الخليجي‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ترتيب‭ ‬إقليمي‭ ‬مستقبلي

تعد‭ ‬حرب‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭ ‬بمثابة‭ ‬زلزال‭ ‬استراتيجي،‭ ‬دمر‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع‭ ‬أحد‭ ‬الثوابت‭ ‬التي‭ ‬أرستها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬عقودا،‭ ‬وأثبت‭ ‬أن‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكونا‭ ‬مرهونين‭ ‬بترتيبات‭ ‬إقليمية‭ ‬لا‭ ‬تقودها‭... ‬لذلك‭ ‬تعبر‭ ‬التحليلات‭ ‬والتصريحات‭ ‬الصادرة‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬إجماع‭ ‬خليجي‭ ‬قوي،‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬لن‭ ‬يُكتب‭ ‬له‭ ‬النجاح‭ ‬أو‭ ‬الاستدامة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دور‭ ‬خليجي‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬تصميمه‭ ‬وتنفيذه‭. ‬لقد‭ ‬انتقل‭ ‬المطلب‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬‮«‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬صوت‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬نكون‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬معادلة‮»‬‭.‬

إن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬تفاهم‭ ‬أو‭ ‬اتفاق‭ ‬أمريكي‭-‬إيراني‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬مرهونًا‭ ‬بمدى‭ ‬استيعابه‭ ‬للتحول‭ ‬الجذري‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬الخليجية،‭ ‬وبأن‭ ‬استقرار‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬يُعتبر‭ ‬هبة‭ ‬من‭ ‬ترتيبات‭ ‬خارجية‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم شرطا‭ ‬مسبقا‭ ‬لنجاح‭ ‬أي‭ ‬ترتيب‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد،‭ ‬وإن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يمثل‭ ‬نهاية‭ ‬مرحلة‭ ‬وبداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة،‭ ‬إذ‭ ‬ينتقل‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬يُتفاوض‭ ‬عليها‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬تتفاوض‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬نفسها‮»‬‭.‬

المقاربة‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الملفات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية

إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬العصيبة‭ ‬أسهمت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مقاربة‭ ‬خليجية‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكا‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الملفات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬الأمني‭ ‬والسياسي‭ ‬المطلوب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬شكلت‭ ‬ضغطا‭ ‬هائلا‭ ‬كشف‭ ‬حدود‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المقاربات‭ ‬الوطنية‭ ‬المنفردة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬والتفاهم‭ ‬المشترك‭.‬

على‭ ‬المستوى‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬فقد‭ ‬التزمت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بالدبلوماسية‭ ‬الموحدة،‭ ‬بصوت‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬شكّل‭ ‬التهديد‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬حافزًا‭ ‬قويًّا‭ ‬لتجاوز‭ ‬التنسيق‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬التكامل‭ ‬العملي‭.‬

كما‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬الخليجي،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬تحولا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬إذ‭ ‬انتقلت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬من‭ ‬‮«‬التعاون‭ ‬التقليدي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬‮«‬التكامل‭ ‬العملي‭ ‬والاستباقي‮»‬،‭ ‬إدراكًا‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬تنموية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭.‬

لقد‭ ‬تعاملت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الصعبة‭ ‬ككتلة‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكًا‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبلها؛‭ ‬وإن‭ ‬اعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬غير‭ ‬القابل‭ ‬للتجزئة‮»‬،‭ ‬وتوحيد‭ ‬الصوت‭ ‬دبلوماسيًّا،‭ ‬وتفعيل‭ ‬آليات‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬والتنسيق‭ ‬العسكري،‭ ‬تعد‭ ‬إنجازات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي‭ ‬المشترك،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬قد‭ ‬كشفت‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬الحالية‭ ‬تتطلب‭ ‬مقاربات‭ ‬جماعية؛‭ ‬وأن‭ ‬الاختلافات‭ ‬في‭ ‬التوجهات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تظل‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية،‭ ‬أمام‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬هيكل‭ ‬أمني‭ ‬دائم‭ ‬ومتكامل‭.‬

من‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬أمنية‭ ‬متكاملة

يمثل‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬‮«‬التنسيق‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التكامل‮»‬‭ ‬تحولا‭ ‬جوهريا،‭ ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬يتطلب‭ ‬إدراكًا‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬المشتركة‭ ‬تستدعي‭ ‬ردًّا‭ ‬مشتركًا،‭ ‬وأن‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التكامل‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التضحية‭ ‬بالسيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬السيادة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭. ‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لن‭ ‬يكتمل‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها،‭ ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬أثبتت‭ ‬أنه‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لضمان‭ ‬مستقبل‭ ‬آمن‭ ‬ومستقر‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭.‬

قوة‭ ‬مسؤولة‭ ‬تحمي‭ ‬الاستقرار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الانجرار‭ ‬للتصعيد‭.. ‬نموذج‭ ‬خليجي

إنَّ‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬المسؤولة‭ ‬لحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الانجرار‭ ‬للتصعيد‭ ‬هي‭ ‬نموذج‭ ‬خليجي‭ ‬يمكن‭ ‬تطويره،‭ ‬وصياغة‭ ‬مفهومه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬ردعية‭ ‬دفاعية‭ ‬متكاملة،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬خليجي‭ ‬موحد،‭ ‬مع‭ ‬شبكة‭ ‬تحالفات‭ ‬متنوعة،‭ ‬ومرونة‭ ‬مجتمعية‭ ‬مستدامة،‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬استباقية،‭ ‬تحمي‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وتردع‭ ‬المعتدي،‭ ‬وتجنب‭ ‬التصعيد،‭ ‬وتصمد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬السيناريوهات‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬لتحويل‭ ‬‮«‬النموذج‭ ‬الخليجي‮»‬‭ ‬المؤقت‭ ‬إلى مدرسة‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كنموذج‭ ‬يُحتذى‭ ‬به‭ ‬للدول‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمسالمة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مضطرب‭.‬

إن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الخليجية‭ ‬ليست‭ ‬‮«‬صبر‭ ‬المغلوب‭ ‬على‭ ‬أمره‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬‮«‬صبر‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‮»‬‭.‬

إنها‭ ‬معادلة‭ ‬متقدمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الردع‭ ‬التقليدي،‭ ‬وترتكز‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬ركائز،‭ ‬بحسب‭ ‬مفهومي،‭ ‬هي‭: ‬1‭- ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬متطورة‭ ‬تمنع‭ ‬التصعيد‭. ‬2‭- ‬دبلوماسية‭ ‬نشطة‭ ‬تحاصر‭ ‬الخصم‭. ‬3‭- ‬اقتصاد‭ ‬قوي‭ ‬يمتص‭ ‬الصدمات‭. ‬ويكمن‭ ‬سر‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التهديد‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وإثبات‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الحرب،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الفوز‭ ‬بها‭.‬

ترسيخ‭ ‬قاعدة‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬أساس‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة

في‭ ‬المجال‭ ‬الأكثر‭ ‬اتساعًا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترسيخ‭ ‬قاعدة‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ (‬مركز‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭) ‬هو‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لاستقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬مجرد‭ ‬طموح،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬تتشكل‭ ‬ملامحه‭ ‬بسرعة،‭ ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬حظي‭ ‬باعتراف‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬الكبرى‭ ‬والدولية،‭ ‬وتَرَسّخَ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإجراءات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الملموسة‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتجسّدَ‭ ‬في‭ ‬المبادرات‭ ‬الدولية،‭ ‬وفي‭ ‬بناء‭ ‬شراكات‭ ‬متكافئة،‭ ‬وصار‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬الرسمي‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الأمنية‭ ‬للدول‭ ‬الفاعلة،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كلاعب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬معادلة‭ ‬إقليمية‭. ‬

إنَّ‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬جذرية‭ ‬لمفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي؛‭ ‬فبعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬انتقل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬صانع‭ ‬التوازنات،‭ ‬برؤية‭ ‬قوامها التكامل‭ ‬الداخلي،‭ ‬والشراكة‭ ‬المتكافئة،‭ ‬والردع‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المنع‭.‬

هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬خلاصة‭ ‬تراكم‭ ‬الخبرات‭ ‬والاستعداد‭ ‬الاستباقي‭. ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬أمنها‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هامشيًّا،‭ ‬بل‭ ‬أصبح ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لأمن‭ ‬واستقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم،‭ ‬وهي‭ ‬تتصرف‭ ‬اليوم‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬بثقة‭ ‬واقتدار‭.‬

الخليج‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات

إنَّ‭ ‬موقع‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬موقع‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬دول‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الأحداث،‭ ‬بل‭ ‬سيكون موقع‭ ‬منظومة‭ ‬إقليمية‭ ‬فاعلة،‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬عنصرًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭... ‬أما‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬فيتوقف‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التماسك‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬هيكلي‭.. ‬وعلى‭ ‬تحويل‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬ناعمة‭ ‬وصلبة‭.. ‬وعلى‭ ‬تحويل‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬إلى‭ ‬رادع‭ ‬يمنع‭ ‬الحرب،‭ ‬لا‭ ‬يشنها‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬‮«‬الشراكة‭ ‬المتكافئة‭ ‬والردع‭ ‬الذاتي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيمثل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لدور‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬الجديد‭... ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تحويله‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تحدٍّ‭ ‬أمني‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬تعزز‭ ‬مكانة‭ ‬الخليج‭ ‬كركيزة‭ ‬للاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

إنَّ‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬تحدٍّ‭ ‬أمني‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬استراتيجية‭ ‬يتطلب قيادة‭ ‬حكيمة تنظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الأزمة،‭ ‬وإرادة‭ ‬سياسية‮ ‬لتحويل‭ ‬الدروس‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬هيكلية،‭ ‬ومجتمع‭ ‬واع‮ ‬يدعم‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭.‬

على‭ ‬المستوى‭ ‬الأمني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬دفاع‭ ‬إقليمي‭ ‬متكامل،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الوسيط‭ ‬الموثوق‭ ‬وصانع‭ ‬التوازنات؛‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الفكري‭ ‬فإن‭ ‬الخليج‭ ‬يمثل‭ ‬نموذجًا‭ ‬للدولة‭ ‬المسؤولة‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬استقرارها‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬العالم‭. ‬أما‭ ‬اقتصاديا‭ ‬فالخليج‭ ‬العربي‭ ‬يعد‭ ‬مركز‭ ‬الطاقة‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والمالية‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه‭.‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬لتحويل‭ ‬المرحلة‭ ‬العصيبة‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬خليجنا‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬‮«‬تحدٍّ‭ ‬وجودي‮»‬‭ ‬إلى‮ «‬فرصة‭ ‬تأسيسية‮» ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا