العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

النهضة العقارية
الرسوم والأسعار.. معادلة تحتاج إلى توازن

{ بقلم: جاسم محمد الموسوي

الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

يُعد‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محركات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البحريني،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬الإنشاءات،‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية،‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وتوفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الرسوم‭ ‬أو‭ ‬التكاليف‭ ‬ينعكس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬السوق‭ ‬وثقة‭ ‬المستثمرين‭.‬

وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬نجحت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬التسجيل‭ ‬العقاري‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬حيث‭ ‬تبلغ‭ ‬رسوم‭ ‬تسجيل‭ ‬عقود‭ ‬البيع‭ (‬2‭%‬‭) ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬العقار،‭ ‬مع‭ ‬تخفيضها‭ ‬إلى‭ (‬1.7‭%‬‭) ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬تسجيل‭ ‬العقد‭ ‬خلال‭ (‬60‭) ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬توثيقه،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬إتمام‭ ‬المعاملات‭ ‬وتعزز‭ ‬كفاءة‭ ‬السوق‭.‬

لكن‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬هل‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الرسوم،‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الأسعار؟

في‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬المستثمر‭ ‬إلى‭ ‬الرسوم‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬عناصر‭ ‬السوق‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الرسوم‭ ‬واضحة‭ ‬ومستقرة،‭ ‬وكانت‭ ‬الإجراءات‭ ‬سريعة‭ ‬وشفافة،‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬الاستثمار‭ ‬المقبولة‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬ارتفعت‭ ‬كلفة‭ ‬التطوير‭ ‬نتيجة‭ ‬زيادة‭ ‬أسعار‭ ‬الأراضي،‭ ‬ومواد‭ ‬البناء‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المصرفية،‭ ‬ورسوم‭ ‬الخدمات،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬العقار‭ ‬الذي‭ ‬يتحمله‭ ‬المشتري‭.‬

إن‭ ‬السوق‭ ‬العقاري‭ ‬الصحي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬الرسوم‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬الأسعار‭ ‬ترتفع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضوابط،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬حقوق‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭. ‬فالمطور‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬بثقة،‭ ‬والمواطن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬سكن‭ ‬بسعر‭ ‬معقول،‭ ‬والدولة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬جاذب‭ ‬يحقق‭ ‬النمو‭ ‬ويعزز‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬جاء‭ ‬قرار‭ ‬وزير‭ ‬شؤون‭ ‬البلديات‭ ‬والزراعة‭ ‬رقم‭ (‬179‭) ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬بإضافة‭ ‬مادة‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ (‬22‭) ‬لسنة‭ ‬2005‭ ‬بشأن‭ ‬الرسوم‭ ‬البلدية،‭ ‬والذي‭ ‬يقضي‭ ‬بفرض‭ ‬رسم‭ ‬شهري‭ ‬ثابت‭ ‬مقداره‭ ‬100‭ ‬فلس‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬متر‭ ‬مربع‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الاستثمارية‭ ‬غير‭ ‬المطورة‭ ‬التي‭ ‬تتوافر‭ ‬بها‭ ‬مرافق‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬تطبيقه‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬1‭ ‬يناير‭ ‬2027‭. ‬وبرأيي،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬تنظيمية‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصحيح،‭ ‬لأنه‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬ملاك‭ ‬الأراضي‭ ‬على‭ ‬تطويرها‭ ‬واستثمارها‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إبقائها‭ ‬دون‭ ‬استغلال‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬جداً‭. ‬فالأراضي‭ ‬الاستثمارية‭ ‬لم‭ ‬تُخصص‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬انتظاراً‭ ‬لارتفاع‭ ‬أسعارها‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬رأسمالية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬خُصصت‭ ‬لتكون‭ ‬رافداً‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقامة‭ ‬المشاريع‭ ‬الصناعية‭ ‬والتجارية‭ ‬والخدمية،‭ ‬مثل‭ ‬المصانع،‭ ‬والمستودعات،‭ ‬والمحلات‭ ‬التجارية،‭ ‬والمباني‭ ‬الاستثمارية‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أن‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬المعروض‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬المطورة،‭ ‬ويُسهم‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الحركة‭ ‬العمرانية،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬المضاربات‭ ‬العقارية،‭ ‬واستقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬تنافسية‭ ‬العقار‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الرسوم‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬حزمة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬تشمل‭ ‬تسريع‭ ‬إصدار‭ ‬التراخيص‭ ‬خلال‭ ‬24‭ ‬ساعة،‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتوفير‭ ‬الأراضي‭ ‬المخططة،‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬إجراءات‭ ‬تغيير‭ ‬التصنيفات‭ ‬العقارية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬تجارية‭ ‬مختلطة‭ ‬بين‭ ‬السكني‭ ‬والتجاري‭ ‬مثل‭ ‬شارع‭ ‬سار‭ ‬رقم‭ ‬15‭ ‬وغيرها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬العقارية‭. ‬فهذه‭ ‬الخطوات‭ ‬مجتمعة‭ ‬كفيلة‭ ‬بخفض‭ ‬تكلفة‭ ‬التطوير‭ ‬وتحفيز‭ ‬الاستثمار‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تخفيض‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬الرسوم‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬البحرين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحديث‭ ‬خدمات‭ ‬التسجيل‭ ‬العقاري‭ ‬إلكترونياً،‭ ‬وإتاحة‭ ‬أدوات‭ ‬لحساب‭ ‬الرسوم‭ ‬وإنجاز‭ ‬المعاملات‭ ‬بصورة‭ ‬أسرع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬المحليين‭ ‬والأجانب‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬ويرسخ‭ ‬مكانة‭ ‬المملكة‭ ‬كوجهة‭ ‬استثمارية‭ ‬تتمتع‭ ‬ببيئة‭ ‬تشريعية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬متطورة‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬سوق‭ ‬عقاري‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بانخفاض‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬الرسوم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬معادلة‭ ‬متوازنة‭: ‬سوق‭ ‬يوفر‭ ‬فرصاً‭ ‬استثمارية‭ ‬مجدية،‭ ‬ويمنح‭ ‬المواطن‭ ‬خيارات‭ ‬سكنية‭ ‬مناسبة،‭ ‬ويواصل‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬فعندما‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬التوازن،‭ ‬تصبح‭ ‬الرسوم‭ ‬أداة‭ ‬لتنظيم‭ ‬السوق‭ ‬وتحفيز‭ ‬التنمية،‭ ‬لا‭ ‬عبئاً‭ ‬يعيق‭ ‬نموه،‭ ‬ويصبح‭ ‬العقار‭ ‬ركيزةً‭ ‬للتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وعاء‭ ‬للمضاربة‭ ‬وتجميد‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭.‬

 

الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لمجموعة‭ ‬الفاتح

Jasim@alfateh‭.‬bh‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا