يُعد القطاع العقاري أحد أهم محركات الاقتصاد البحريني، فهو لا يقتصر على عمليات البيع والشراء، بل يمتد أثره إلى قطاع الإنشاءات، والخدمات المالية، والاستثمار، وتوفير فرص العمل. ولذلك فإن أي تغيير في الرسوم أو التكاليف ينعكس بصورة مباشرة على حركة السوق وثقة المستثمرين.
وخلال السنوات الماضية، نجحت البحرين في تطوير منظومة التسجيل العقاري وتبسيط الإجراءات، حيث تبلغ رسوم تسجيل عقود البيع (2%) من قيمة العقار، مع تخفيضها إلى (1.7%) إذا تم تسجيل العقد خلال (60) يوماً من توثيقه، في خطوة تشجع على سرعة إتمام المعاملات وتعزز كفاءة السوق.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في الرسوم، أم في الأسعار؟
في الواقع، لا ينظر المستثمر إلى الرسوم بمعزل عن بقية عناصر السوق. فإذا كانت الرسوم واضحة ومستقرة، وكانت الإجراءات سريعة وشفافة، فإنها تصبح جزءاً من كلفة الاستثمار المقبولة. أما إذا ارتفعت كلفة التطوير نتيجة زيادة أسعار الأراضي، ومواد البناء بسبب الحرب، وارتفاع أسعار الفائدة المصرفية، ورسوم الخدمات، فإن ذلك ينعكس في النهاية على سعر العقار الذي يتحمله المشتري.
إن السوق العقاري الصحي لا يقوم على خفض الرسوم فقط، ولا على ترك الأسعار ترتفع من دون ضوابط، وإنما على تحقيق توازن بين حقوق جميع الأطراف. فالمطور يحتاج إلى بيئة مستقرة تمكنه من الاستثمار بثقة، والمواطن يبحث عن سكن بسعر معقول، والدولة تسعى إلى سوق جاذب يحقق النمو ويعزز مساهمة القطاع العقاري في الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، جاء قرار وزير شؤون البلديات والزراعة رقم (179) لسنة 2025 بإضافة مادة جديدة إلى القرار رقم (22) لسنة 2005 بشأن الرسوم البلدية، والذي يقضي بفرض رسم شهري ثابت مقداره 100 فلس عن كل متر مربع من الأراضي الاستثمارية غير المطورة التي تتوافر بها مرافق البنية التحتية، على أن يبدأ تطبيقه اعتباراً من 1 يناير 2027. وبرأيي، فإن هذا القرار يمثل خطوة تنظيمية في الاتجاه الصحيح، لأنه يهدف إلى تشجيع ملاك الأراضي على تطويرها واستثمارها بدلاً من إبقائها دون استغلال لسنوات طويلة جداً. فالأراضي الاستثمارية لم تُخصص للاحتفاظ بها انتظاراً لارتفاع أسعارها أو تحقيق أرباح رأسمالية فقط، وإنما خُصصت لتكون رافداً للتنمية الاقتصادية من خلال إقامة المشاريع الصناعية والتجارية والخدمية، مثل المصانع، والمستودعات، والمحلات التجارية، والمباني الاستثمارية. ومن شأن هذا التوجه أن يزيد من المعروض من الأراضي المطورة، ويُسهم في تنشيط الحركة العمرانية، والحد من المضاربات العقارية، واستقرار الأسعار على المدى المتوسط والطويل.
ومن هنا، فإن المحافظة على تنافسية العقار في مملكة البحرين لا تعتمد على الرسوم وحدها، بل على حزمة متكاملة من الإصلاحات، تشمل تسريع إصدار التراخيص خلال 24 ساعة، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الأراضي المخططة، وإعادة النظر في إجراءات تغيير التصنيفات العقارية، ولا سيما في المناطق التي أصبحت ذات طبيعة تجارية مختلطة بين السكني والتجاري مثل شارع سار رقم 15 وغيرها، إلى جانب تعزيز التحول الرقمي في الخدمات العقارية. فهذه الخطوات مجتمعة كفيلة بخفض تكلفة التطوير وتحفيز الاستثمار بصورة أكثر استدامة من أي تخفيض مؤقت في الرسوم.
لقد أثبتت البحرين خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تحديث خدمات التسجيل العقاري إلكترونياً، وإتاحة أدوات لحساب الرسوم وإنجاز المعاملات بصورة أسرع، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في السوق، ويرسخ مكانة المملكة كوجهة استثمارية تتمتع ببيئة تشريعية وتنظيمية متطورة.
وفي النهاية، فإن نجاح أي سوق عقاري لا يُقاس بانخفاض الأسعار أو الرسوم فقط، بل بقدرته على تحقيق معادلة متوازنة: سوق يوفر فرصاً استثمارية مجدية، ويمنح المواطن خيارات سكنية مناسبة، ويواصل دعم الاقتصاد الوطني. فعندما يتحقق هذا التوازن، تصبح الرسوم أداة لتنظيم السوق وتحفيز التنمية، لا عبئاً يعيق نموه، ويصبح العقار ركيزةً للتنمية المستدامة، لا مجرد وعاء للمضاربة وتجميد رؤوس الأموال.
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح
Jasim@alfateh.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك