العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

الشركات العائلية الخليجية أمام اختبار الجيل الثالث

{ بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يكن‭ ‬تحرك‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسياحة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬مؤخراً‭ ‬لتشجيع‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬على‭ ‬التسجيل‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المنظم‭ ‬لها‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬تنظيمي‭. ‬فالوزارة‭ ‬ربطت‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بحماية‭ ‬ملكية‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬التفتت‭ ‬نتيجة‭ ‬الإرث،‭ ‬وتنظيم‭ ‬انتقال‭ ‬القيادة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬وإقرار‭ ‬الميثاق‭ ‬العائلي‭ ‬ومجالس‭ ‬العائلة‭ ‬والمكاتب‭ ‬العائلية‭. ‬وهذه‭ ‬قضايا‭ ‬تلامس‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬اليوم‭: ‬انتقال‭ ‬الشركات‭ ‬والثروات‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬جيل‭ ‬المؤسسين‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬والأحفاد‭.‬

وقد‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تطرقنا‭ ‬إلى‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬الخليجية‭ ‬وأهميتها‭ ‬وضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬حوكمتها‭ ‬وضمان‭ ‬استمراريتها‭. ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬تستحق‭ ‬العودة‭ ‬إليها‭ ‬اليوم،‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬شأناً‭ ‬عائلياً‭ ‬أو‭ ‬إدارياً،‭ ‬وإنما‭ ‬قضية‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتعلق‭ ‬باستدامة‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الوطني‭ ‬الخليجي‭.‬

فالشركات‭ ‬العائلية‭ ‬ليست‭ ‬قطاعاً‭ ‬هامشياً‭. ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬المتخصصة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬تمثل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬شركات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتسهم‭ ‬بنحو‭ ‬60‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬وتوظف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وفي‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تحديداً،‭ ‬ارتبط‭ ‬صعود‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البيوتات‭ ‬التجارية‭ ‬والصناعية‭ ‬والمصرفية‭ ‬والعقارية‭ ‬الكبرى‭ ‬وبعائلات‭ ‬أسهمت‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬قبل‭ ‬الطفرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬تدخل‭ ‬اليوم‭ ‬مرحلة‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشركة‭ ‬التي‭ ‬أسسها‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬قبل‭ ‬خمسين‭ ‬أو‭ ‬ستين‭ ‬عاماً،‭ ‬وانتقلت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الأبناء،‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬في‭ ‬الجيل‭ ‬الثالث‭ ‬موزعة‭ ‬بين‭ ‬عشرات‭ ‬الأحفاد،‭ ‬وفي‭ ‬الجيل‭ ‬الرابع‭ ‬بين‭ ‬أعداد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المساهمين‭ ‬الذين‭ ‬تختلف‭ ‬اهتماماتهم‭ ‬ومؤهلاتهم‭ ‬وعلاقتهم‭ ‬بالشركة‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬اختبار‭ ‬الجيل‭ ‬الثالث‭. ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬الثروة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬الملكية‭ ‬دون‭ ‬انتقال‭ ‬موازٍ‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الحوكمة‭. ‬فكلما‭ ‬ازداد‭ ‬عدد‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬المالكة،‭ ‬أصبحت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العائلة‭ ‬والشركة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭: ‬من‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الشركة؟‭ ‬ومن‭ ‬يختار‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي؟‭ ‬وهل‭ ‬تكون‭ ‬الأولوية‭ ‬لأفراد‭ ‬العائلة‭ ‬أم‭ ‬للكفاءة‭ ‬المهنية؟‭ ‬وكيف‭ ‬تحدد‭ ‬الأرباح‭ ‬الموزعة؟‭ ‬وماذا‭ ‬يحدث‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬أحد‭ ‬الورثة‭ ‬بيع‭ ‬حصته؟‭ ‬وكيف‭ ‬تمنع‭ ‬الخلافات‭ ‬العائلية‭ ‬من‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة؟

وتصبح‭ ‬المسألة‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬عندما‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬العالم،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬عمليات‭ ‬انتقال‭ ‬الثروة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭. ‬فالأصول‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬الشركات‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تنتقل‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬والأحفاد‭. ‬وفي‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تشمل‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬الشركات‭ ‬والعقارات‭ ‬والمحافظ‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والأسهم‭ ‬والحصص‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬انتقالها‭ ‬حدثاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬توريث‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تواجهه‭ ‬الشركة‭ ‬العائلية‭ ‬ليس‭ ‬ضعف‭ ‬أرباح‭ ‬سنة‭ ‬معينة،‭ ‬وإنما‭ ‬تفتت‭ ‬الملكية‭ ‬وانقسام‭ ‬القرار‭. ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬الشركة‭ ‬رابحة‭ ‬وقوية‭ ‬مالياً،‭ ‬لكنها‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتراجع‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬للتوازنات‭ ‬العائلية،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الانتماء‭ ‬العائلي‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الكفاءة،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تضطر‭ ‬الشركة‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬أصول‭ ‬منتجة‭ ‬لتوفير‭ ‬السيولة‭ ‬لبعض‭ ‬الورثة‭.‬

وتكشف‭ ‬نتائج‭ ‬مسح‭ ‬PwC‭ ‬العالمي‭ ‬للشركات‭ ‬العائلية‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬الذي‭ ‬شمل‭ ‬1325‭ ‬شركة‭ ‬عائلية‭ ‬في‭ ‬62‭ ‬دولة‭ ‬وإقليماً،‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة؛‭ ‬إذ‭ ‬وضع‭ ‬78‭% ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬حماية‭ ‬الشركة‭ ‬و77‭% ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬إرث‭ ‬العائلة‭ ‬ضمن‭ ‬أهم‭ ‬أهدافهم‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تتجه‭ ‬سوى‭ ‬3‭% ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ابتكار‭ ‬أعمالها‭ ‬بصورة‭ ‬جوهرية‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الإرث‭ ‬قوية،‭ ‬لكن‭ ‬الاستمرار‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالمحافظة‭ ‬على‭ ‬أساليب‭ ‬الإدارة‭ ‬نفسها‭.‬

والخليج‭ ‬العربي‭ ‬يمتلك‭ ‬بالفعل‭ ‬نماذج‭ ‬لشركات‭ ‬عائلية‭ ‬استطاعت‭ ‬تجاوز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬حضورها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفصل‭ ‬التدريجي‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬والإدارة،‭ ‬واستقطاب‭ ‬التنفيذيين‭ ‬المحترفين،‭ ‬وتشكيل‭ ‬مجالس‭ ‬إدارة‭ ‬أكثر‭ ‬مؤسسية،‭ ‬وتنويع‭ ‬الأنشطة‭ ‬والاستثمارات‭. ‬وتبرز‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬مجموعات‭ ‬عائلية‭ ‬عريقة‭ ‬مثل‭ ‬كانو‭ ‬وفخرو‭ ‬والزياني‭ ‬والمؤيد،‭ ‬كما‭ ‬توجد‭ ‬نماذج‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬والكويت‭ ‬والإمارات‭ ‬وعُمان‭ ‬وقطر‭ ‬استطاعت‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬مجموعات‭ ‬متنوعة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬متعددة‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬التطور‭ ‬التشريعي‭ ‬الذي‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬فالهدف‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الملكية‭ ‬العائلية،‭ ‬وإنما‭ ‬توفير‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭: ‬ميثاق‭ ‬عائلي‭ ‬واضح،‭ ‬قواعد‭ ‬لانتقال‭ ‬الملكية،‭ ‬مجلس‭ ‬عائلة‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة،‭ ‬سياسة‭ ‬لتوظيف‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة،‭ ‬آليات‭ ‬لتخارج‭ ‬المساهمين،‭ ‬وخطة‭ ‬مكتوبة‭ ‬لتعاقب‭ ‬القيادة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا