العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

فإمساك بمعروف

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

‮«‬فإمساك‭ ‬بمعروف‭ ‬أو‭ ‬تسريح‭ ‬بإحسان‮»‬‭ ‬ما‭ ‬أعظم‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬لتنظيم‭ ‬استمرارية‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية،‭ ‬بالمعروف‭ ‬والاحسان‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قرر‭ ‬الإسلام‭ ‬أن‭ ‬قوام‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬هما‭ (‬المودّة‭ ‬والرحمة‭) ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬ليكونا‭ ‬ركيزتي‭ ‬الزواج‭ ‬وقوة‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬‮«‬وَمِنْ‭ ‬آيَاتِهِ‭ ‬أَنْ‭ ‬خَلَقَ‭ ‬لَكُم‭ ‬مِّنْ‭ ‬أَنفُسِكُمْ‭ ‬أَزْوَاجًا‭ ‬لِّتَسْكُنُوا‭ ‬إِلَيْهَا‭ ‬وَجَعَلَ‭ ‬بَيْنَكُم‭ ‬مَّوَدَّةً‭ ‬وَرَحْمَةً‮»‬‭ (‬الآية‭ ‬21‭ - ‬سورة‭ ‬الروم‭)‬،‭ ‬فلم‭ ‬يحمل‭ ‬الاسلام‭ ‬للمرأة‭ ‬حينما‭ ‬نزلت‭ ‬الرسالة‭ ‬سوى‭ ‬شفاء‭ ‬لروحها‭ ‬وجراح‭ ‬جنسها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كان‭ ‬وجه‭ ‬أبيها‭ ‬يسوّد‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬بُشّر‭ ‬بمولودته‭ ‬الأنثى،‭ ‬فكان‭ ‬وأدها‭ ‬هو‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السواد‭. ‬

وعليه‭ ‬فإنه‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬غابت‭ ‬المودّة‭ ‬والرحمة‭ ‬تهاوت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬وسقطت،‭ ‬وأصبح‭ ‬استمرارها‭ ‬مجرد‭ ‬تعذيب‭ ‬للطرف‭ ‬الأضعف‭ ‬فيها،‭ ‬لذا‭ ‬كان‭ ‬الخلاص‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬الطلاق‭ ‬من‭ ‬الزوج‭ ‬الذي‭ ‬بيده‭ ‬عقدة‭ ‬النكاح‭ ‬وغالباً‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬يُقابل‭ ‬الطلب‭ ‬بالرفض‭ ‬استجابة‭ ‬لنداء‭ ‬رجولته‭ ‬وعزّته،‭ ‬فتلجأ‭ ‬المرأة‭ ‬الى‭ ‬طلب‭ ‬التطليق‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬رفض‭ ‬الطلاق‭ ‬بسبب‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬الأسرة‭ ‬بل‭ ‬يكون‭ ‬ضراراً‭ ‬بالزوجة‭ ‬وإذلالاً‭ ‬لها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬أخلاق‭ ‬البعض‭ ‬وقيمهم‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬لذا‭ ‬تعجّ‭ ‬المحاكم‭ ‬بقضايا‭ ‬طلب‭ ‬التطليق‭ ‬للضرر،‭ ‬والذي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الزوجة‭ ‬إثباته‭ ‬لاسيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ضرراً‭ ‬أدبياً‭ ‬نتيجة‭ ‬لألفاظ‭ ‬نابية،‭ ‬فمن‭ ‬سيشهد‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬إن‭ ‬كانا‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬أو‭ ‬بيت‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬سواهما‭.‬

‭ ‬لذا‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬الملاحظ‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬نجاح‭ ‬الزيجات‭ ‬الحديثة‭ ‬تكاد‭ ‬تتراجع‭ ‬وأصبحت‭ ‬المخالعة‭ ‬هي‭ ‬صيغة‭ ‬الطلاق‭ ‬العصري‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صعوبة‭ ‬اثبات‭ ‬الضرر‭ ‬أمام‭ ‬المحاكم‭ ‬التي‭ ‬يلزمها‭ ‬الدليل‭ ‬كحجة‭ ‬تستند‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬تسبيب‭ ‬أحكامها،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الخلع‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬وفقاً‭ ‬لسنة‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬قد‭ ‬وُجد‭ ‬لمواجهة‭ ‬كراهة‭ ‬الزوج‭ ‬رغم‭ ‬صلاحه‭ ‬والتزامه‭ ‬بواجباته‭ ‬الزوجية،‭ ‬ولكن‭ ‬عدم‭ ‬قبول‭ ‬الزوجة‭ ‬–وإقامة‭ ‬لحدود‭ ‬الله‭- ‬فرض‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تجبر‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬سيلحق‭ ‬بالزوج‭ ‬الصالح‭ ‬الذي‭ ‬رفضته،‭ ‬حيث‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬امرأة‭ ‬ثابت‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬التي‭ ‬أتت‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬وقالت‭: ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله،‭ ‬ثابت‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬ما‭ ‬أعيب‭ ‬عليه‭ ‬خلق‭ ‬ولا‭ ‬دين،‭ ‬ولكني‭ ‬أكره‭ ‬الكفر‭ ‬في‭ ‬الاسلام،‭ ‬فقال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬ص‭) ‬أترُدّين‭ ‬عليه‭ ‬حديقته،‭ ‬قالت‭: ‬نعم،‭ ‬فقال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬ص‭) ‬مُخاطباً‭ ‬الزوج‭: ‬اقبل‭ ‬الحديقة،‭ ‬وطلّقها‭ ‬تطليقة‭.‬

ما‭ ‬أسهل‭ ‬الإسلام‭ ‬وأيسره،‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬لم‭ ‬يلحقها‭ ‬ضرر‭ ‬من‭ ‬زوجها‭ ‬فخالعها‭ ‬منه‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬تُخالع‭ ‬زوجة‭ ‬زوج‭ ‬تمتّع‭ ‬بها‭ ‬وألحق‭ ‬بها‭ ‬الأذى‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬نوعه‭ ‬نفسياً‭ ‬أو‭ ‬جسدياً،‭ ‬مادياً،‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬أمر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬ومراجعة‭ ‬وتفكّر‭ ‬ممن‭ ‬يملك‭ ‬قراراً‭.‬

وأتساءل‭ ‬هنا‭: ‬ألا‭ ‬يكفي‭ ‬لجوء‭ ‬المرأة‭ ‬الى‭ ‬طلب‭ ‬التطليق‭ ‬إثباتاً‭ ‬لانتفاء‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة؟‭ ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ترفض‭ ‬عرض‭ ‬المحكمة‭ ‬للصلح‭ ‬والمراجعة‭! ‬ويرفض‭ ‬طرفا‭ ‬العلاقة‭ ‬التوفيق‭ ‬الأسري‭! ‬فيكون‭ ‬باب‭ ‬المحاكم‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬باب‭ ‬تحاول‭ ‬طرقه‭ ‬للخلاص‭! ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬امرأة‭ ‬سويّة‭ ‬تسعى‭ ‬لهدم‭ ‬بيتها‭ ‬وخراب‭ ‬علاقتها‭ ‬الزوجية،‭ ‬ولكن‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يُحيق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬أضرار‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدفعها‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬إذاً‭ ‬هناك‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الأسرة‭ ‬يجب‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬وإصلاحه‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬قابلاً‭ ‬للإصلاح،‭ ‬وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الكبرى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬الزوج‭ ‬وسلوكه‭ ‬وسلامة‭ ‬عقلة،‭ ‬والذي‭ ‬يعتبر‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الأول‭ ‬للجوء‭ ‬الزوجة‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬الطلاق‭. ‬

ما‭ ‬كتبته‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬دعوة‭ ‬للتفكّر‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬مهم‭ ‬جداً،‭ ‬حيث‭ ‬يهمني‭ ‬استقرار‭ ‬الأسرة‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬وحفظ‭ ‬الحقوق‭ ‬واحترام‭ ‬الآخر،‭ ‬ولاسيما‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬الاعراض‭ ‬عن‭ ‬الزواج‭ ‬بدأت‭ ‬تنتشر‭ ‬بين‭ ‬جيل‭ ‬الشباب،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬مفسدة‭ ‬للإنسانية‭ ‬جمعاء‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬هي‭ ‬نواة‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ويجب‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُحقق‭ ‬لها‭ ‬البقاء‭ ‬والاستقرار‭ ‬والاستمرار،‭ ‬ولكن‭ ‬وفق‭ ‬الأصول‭ ‬الصحيحة‭ ‬التي‭ ‬اتبعها‭ ‬آباؤنا‭ ‬وأجدادنا‭ ‬واستمرت‭ ‬الزيجات‭ ‬في‭ ‬زمنهم،‭ ‬فإن‭ ‬ترسيخ‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة‭ ‬هما‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تفتقده‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الزوجية‭ ‬المعاصرة‭ ‬والتي‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم‭.‬

hanadialjowder@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا