«فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» ما أعظم هذه الجملة التي وردت في القرآن الكريم لتنظيم استمرارية العلاقة الزوجية، بالمعروف والاحسان بعد أن قرر الإسلام أن قوام العلاقة الزوجية هما (المودّة والرحمة) بين الزوجين ليكونا ركيزتي الزواج وقوة العلاقة في قوله تعالى «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الآية 21 - سورة الروم)، فلم يحمل الاسلام للمرأة حينما نزلت الرسالة سوى شفاء لروحها وجراح جنسها في زمن كان وجه أبيها يسوّد إذا ما بُشّر بمولودته الأنثى، فكان وأدها هو الخلاص من هذا السواد.
وعليه فإنه متى ما غابت المودّة والرحمة تهاوت هذه العلاقة وسقطت، وأصبح استمرارها مجرد تعذيب للطرف الأضعف فيها، لذا كان الخلاص للمرأة في طلب الطلاق من الزوج الذي بيده عقدة النكاح وغالباً الذي ما يُقابل الطلب بالرفض استجابة لنداء رجولته وعزّته، فتلجأ المرأة الى طلب التطليق.
ومن المعلوم أنه في الكثير من الأحوال لا يكون رفض الطلاق بسبب الحفاظ على كيان الأسرة بل يكون ضراراً بالزوجة وإذلالاً لها، في ظل ما تشهده أخلاق البعض وقيمهم من تراجع في المرحلة المعاصرة، لذا تعجّ المحاكم بقضايا طلب التطليق للضرر، والذي غالباً ما يصعب على الزوجة إثباته لاسيما إذا كان ضرراً أدبياً نتيجة لألفاظ نابية، فمن سيشهد ما يدور بين الزوجين إن كانا في غرفة أو بيت يخلو من سواهما.
لذا فإنه من الملاحظ أن نسبة نجاح الزيجات الحديثة تكاد تتراجع وأصبحت المخالعة هي صيغة الطلاق العصري في ظل صعوبة اثبات الضرر أمام المحاكم التي يلزمها الدليل كحجة تستند عليه في تسبيب أحكامها، على الرغم من أن الخلع في الإسلام وفقاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام قد وُجد لمواجهة كراهة الزوج رغم صلاحه والتزامه بواجباته الزوجية، ولكن عدم قبول الزوجة –وإقامة لحدود الله- فرض عليها أن تجبر الضرر الذي سيلحق بالزوج الصالح الذي رفضته، حيث ورد في رواية امرأة ثابت بن قيس التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الاسلام، فقال رسول الله (ص) أترُدّين عليه حديقته، قالت: نعم، فقال رسول الله (ص) مُخاطباً الزوج: اقبل الحديقة، وطلّقها تطليقة.
ما أسهل الإسلام وأيسره، تلك المرأة لم يلحقها ضرر من زوجها فخالعها منه عليه السلام، ولكن أن تُخالع زوجة زوج تمتّع بها وألحق بها الأذى مهما كان نوعه نفسياً أو جسدياً، مادياً، لا شك أن ذلك أمر يحتاج إلى دراسة ومراجعة وتفكّر ممن يملك قراراً.
وأتساءل هنا: ألا يكفي لجوء المرأة الى طلب التطليق إثباتاً لانتفاء المودة والرحمة؟ لاسيما بعد أن ترفض عرض المحكمة للصلح والمراجعة! ويرفض طرفا العلاقة التوفيق الأسري! فيكون باب المحاكم هو آخر باب تحاول طرقه للخلاص! فمن المؤكد أنه لا توجد امرأة سويّة تسعى لهدم بيتها وخراب علاقتها الزوجية، ولكن غالباً ما قد يُحيق بها من أضرار هي التي تدفعها إلى ذلك، إذاً هناك خلل في بناء الأسرة يجب الوصول إليه وإصلاحه إن كان قابلاً للإصلاح، وتكمن المشكلة الكبرى إن كان الخلل في الزوج وسلوكه وسلامة عقلة، والذي يعتبر هو السبب الأول للجوء الزوجة إلى طلب الطلاق.
ما كتبته كان مجرد دعوة للتفكّر في موضوع مهم جداً، حيث يهمني استقرار الأسرة ولكن على أسس من العدالة والمساواة وحفظ الحقوق واحترام الآخر، ولاسيما أن فكرة الاعراض عن الزواج بدأت تنتشر بين جيل الشباب، وفي هذا مفسدة للإنسانية جمعاء باعتبار أن الأسرة هي نواة المجتمعات، ويجب العمل على كل ما يُحقق لها البقاء والاستقرار والاستمرار، ولكن وفق الأصول الصحيحة التي اتبعها آباؤنا وأجدادنا واستمرت الزيجات في زمنهم، فإن ترسيخ المودة والرحمة هما الأساس الذي تفتقده الكثير من العلاقات الزوجية المعاصرة والتي تنتهي إلى أروقة المحاكم.
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك