يبقى الاعداد والتجهيز، أساسا جوهريا في مواجهة التحديات والتعامل مع الظروف الطارئة، إذ تؤكد أدبيات إدارة الأزمات أن التنبؤ بالأزمة ووضع السيناريوهات اللازمة لمواجهتها هو السبيل الأمثل للحد من خسائرها وتداعياتها السلبية. ومن هنا كان لابد أن نتوقف طويلا أمام مقولة الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، رئيس مجلس الدفاع المدني بأهمية «مواصلة تبني النهج الاستباقي لتعزيز الجاهزية والقدرات الوطنية، ووضع خطط تفصيلية تحدد الأدوار والمسؤوليات بما يضمن استجابة فعالة واستمرار عمل الخدمات الأساسية في حالات الطوارئ».
بادئ ذي بدء، فإن هذه المنهجية، تعد أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها المشاريع التجهيزية في مملكة البحرين باعتبارها أداة استراتيجية لتعزيز الجاهزية الوطنية واستدامة الأداء المؤسسي. في عالم تتسارع فيه المتغيرات الجيوسياسية، وتتنامى فيه التحديات الأمنية، ولم يعد مفهوم الأمن الوطني يقتصر على سرعة الاستجابة عند وقوع الأزمات، بل أصبح يقاس بقدرة الدولة على استشراف المخاطر، وبناء منظومة متكاملة من الجاهزية والاستدامة والمرونة المؤسسية. ومن هذا المنطلق، رسخت البحرين نموذجاً وطنياً متقدماً جعل من المشاريع التجهيزية، ركيزة استراتيجية لتعزيز الأمن الوطني.
ولن نذهب بعيدا بالقول إن هذه المنهجية، جاءت من وحي منطلقات ومبادئ العهد الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي أرسى دعائم الدولة الحديثة ورسخ نهج التطوير المؤسسي، وجعل من الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة ركائز رئيسية في مسيرة الوطن. وامتداداً لهذه الرؤية، تعتمد منظومة العمل الحكومي برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، على التخطيط الاستباقي، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية، وربط المشاريع الوطنية بالأهداف الاستراتيجية للدولة.
ومن يدرس التجربة البحرينية من منظور إدارة المشاريع الحكومية يدرك أن ما تحقق من نجاح خلال الظروف الاستثنائية لم يكن نتيجة استجابات آنية، بل ثمرة منظومة متكاملة من المشاريع الاستراتيجية التي خضعت للتخطيط والحوكمة وإدارة المخاطر وقياس الأثر، بهدف بناء مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة تحت مختلف السيناريوهات. ومن منظور إدارة المحافظ الحكومية، فإن قيمة المشروع لا تُقاس بعمره أو كلفته، بل بما يحققه من مواءمة مع الأولويات الوطنية وقيمة مستدامة للمجتمع.
وعند النظر إلى المشاريع التجهيزية من منظور الإدارة الحديثة، فإنها لا تمثل مجموعة من المشاريع المستقلة، بل تشكل محفظة مشاريع استراتيجية، تُدار ضمن إطار مؤسسي يضمن مواءمة كل مشروع مع الأولويات الوطنية والأهداف الاستراتيجية للدولة. ويتيح هذا النهج توجيه الموارد نحو المشاريع الأعلى قيمة، وإدارة الترابط بينها، وقياس المنافع المتحققة، وموازنة المخاطر، بما يعزز كفاءة الاستثمار الحكومي ويرفع جاهزية المؤسسات على المدى الطويل. ولا يقاس نجاح المشروع بمجرد الالتزام بالوقت أو الكلفة أو نطاق العمل، وإنما بقدرته على تحقيق قيمة وطنية مستدامة تتمثل في رفع مستوى الجاهزية، وتعزيز استمرارية الأعمال، ودعم متخذي القرار، وزيادة مرونة المؤسسات في مواجهة المتغيرات والأزمات.
وبالعودة إلى نقطة البداية، فإننا نجد أن وزارة الداخلية، وبتوجيهات ومتابعة من معالي وزير الداخلية، قدمت نموذجاً متقدماً في الإدارة الاحترافية للمشاريع الحكومية من خلال تحويل المشاريع التجهيزية من أصول رأسمالية إلى قدرات تشغيلية مستدامة توفر قيمة مؤسسية تدعم سرعة اتخاذ القرار وتعزز استمرارية الأعمال وترفع كفاءة الأداء المؤسسي، بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة المشاريع وإدارة الأزمات. ولم يكن هذا التحول نتاج مشروع واحد أو مبادرة منفردة، بل جاء ثمرة نهج مؤسسي متكامل يقوم على التخطيط بعيد المدى، وإدارة المحافظ والمشاريع وفق أولويات استراتيجية، بما يضمن تكامل المبادرات، وتوجيه الموارد نحو المشاريع الأعلى أثراً في تعزيز الجاهزية الوطنية واستدامة الأداء المؤسسي. فالجاهزية الوطنية لا يتم بناؤها عند وقوع الأزمات، بل تصنع مسبقا عبر التخطيط الاستراتيجي، والمشاريع التجهيزية، والاستثمار المستدام في القدرات الوطنية. وقد أثمرت هذه المنهجية، حزمة متكاملة من المشاريع التجهيزية الهادفة الى تعزيز البنية المؤسسية ورفع كفاءة منظومات الاستجابة للطوارئ، وتطوير البنية التحتية الداعمة للعمليات الأمنية والخدمات المساندة، ما أسهم في تعزيز جاهزية المؤسسات الحكومية، ورفع قدرتها على التعامل مع مختلف السيناريوهات بكفاءة ومرونة. كما انعكس هذا النهج في الأداء المتميز لكل قطاعات وزارة الداخلية، وأثبتت التجربة أن التكامل المؤسسي لم يكن وليد الأزمة، وإنما نتيجة تراكم مشاريع استراتيجية عززت وحدة القيادة وسرعة تبادل المعلومات وكفاءة إدارة الموارد وفاعلية التنسيق الميداني.
ورغم أهمية البنية التحتية والتقنيات الحديثة، فإن نجاح المشاريع، يبقى رهناً بالكفاءات الوطنية التي تديرها، من خلال التدريب النوعي، والتمارين المشتركة، والمحاكاة الواقعية، والتأهيل المستمر للقيادات والكوادر الوطنية. بما يعزز جاهزية العنصر البشري للتعامل مع مختلف السيناريوهات. وهذا ما أكده معالي وزير الداخلية بمناسبة إطلاق المنصة الوطنية للحماية المدنية في نوفمبر 2023، عندما أشار الى أن المحافظة على السلامة العامة تتطلب أن يكون الفرد متسلحا بالمعرفة والمهارات اللازمة للتصرف فورا.
وتستوجب المرحلة المقبلة توظيف الذكاء الاصطناعي، والتحليلات التنبؤية، وإدارة البيانات الضخمة، والتوأمة الرقمية، والأمن السيبراني، وأنظمة دعم القرار، إلى جانب تعزيز دور مكاتب إدارة المشاريع وربط المحافظ الاستثمارية الحكومية بمؤشرات الأداء الوطنية، وتفعيل إدارة المعرفة والاستفادة من الدروس المستخلصة. بما يضمن استدامة التطوير وتحويل الخبرات المتراكمة الى سياسات ومشاريع مستقبلية أكثر كفاءة ومرونة وذلك انسجاماً مع التوجه الوطني نحو تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير البنية التحتية الرقمية، ورفع مستوى التكامل في تبادل المعلومات بين الجهات المعنية. فالقيمة الحقيقية للمشاريع الحكومية لا تُقاس بحجم الاعتمادات المالية، وإنما بما تصنعه من أثر وطني مستدام، وقدرتها على حماية الأرواح وضمان استمرارية الخدمات وتعزيز ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
وفي المحصلة، لا مجال للالتباس حين تتحدث الحقائق: عندما تصبح الجاهزية، ثقافة مؤسسية، والمشاريع أداة لبناء القدرات، والتخطيط منهجا ثابتا، فإن الوطن لا يكتفي بمواجهة الأزمات، بل يمتلك القدرة على استباقها وصناعة مستقبله بثقة واقتدار.
رئيس فريق عمل برنامج الحكومة والمشاريع

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك