العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

المجتمع

لعلنا أسأنا فهم الغاية من القراءة والكتابة

الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬أصبح‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نلخص‭ ‬كتاباً‭ ‬في‭ ‬ثوان،‭ ‬ونكتب‭ ‬تقريراً‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬بضغطة‭ ‬زر،‭ ‬بل‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أن‭ ‬يقترح‭ ‬أفكاراً‭ ‬أو‭ ‬يعيد‭ ‬صياغتها‭ ‬بلغة‭ ‬أكثر‭ ‬احترافية‭.‬

ولا‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬الى‭ ‬القلق‭. ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬هذه‭ ‬أدوات‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نستفيد‭ ‬منها‭. ‬فهي‭ ‬تختصر‭ ‬الوقت،‭ ‬وتساعدنا‭ ‬على‭ ‬إنجاز‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى‭.‬

لكنها‭ ‬دفعتني‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭.‬

لعلنا،‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬كنا‭ ‬نفسر‭ ‬أهمية‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬بطريقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعكس‭ ‬قيمتهما‭ ‬الحقيقية‭.‬

اعتدنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬القراءة‭ ‬وسيلتنا‭ ‬لاكتساب‭ ‬المعرفة،‭ ‬وإن‭ ‬الكتابة‭ ‬وسيلتنا‭ ‬للتعبير‭ ‬عنها‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬منطقياً‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬المعرفة‭ ‬نفسها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهد‭ ‬للوصول‭ ‬إليها‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المعلومة‭ ‬هي‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭. ‬فالمعلومة‭ ‬أصبحت‭ ‬متاحة‭ ‬للجميع‭ ‬تقريباً،‭ ‬وأصبحت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬وتلخيصها،‭ ‬وحتى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغتها‭.‬

ولهذا‭ ‬بدأت‭ ‬أتساءل‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قيمة‭ ‬أعمق‭ ‬للقراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬لم‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭.‬

وكلما‭ ‬تأملت‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أراها‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

فالقراءة،‭ ‬في‭ ‬رأيي،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬فرصة‭ ‬للبقاء‭ ‬مع‭ ‬الفكرة‭.‬

عندما‭ ‬نقرأ‭ ‬نصاً‭ ‬عميقاً‭ ‬أو‭ ‬كتاباً‭ ‬جيداً،‭ ‬لا‭ ‬نخرج‭ ‬منه‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬فحسب‭. ‬نحن‭ ‬نتوقف،‭ ‬ونتساءل،‭ ‬ونربط‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نقرأه‭ ‬وما‭ ‬نعرفه،‭ ‬ونراجع‭ ‬قناعاتنا،‭ ‬وأحياناً‭ ‬نغيّرها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭.‬

ليست‭ ‬القيمة‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬حصلنا‭ ‬على‭ ‬معلومة‭ ‬جديدة،‭ ‬فذلك‭ ‬أصبح‭ ‬متاحاً‭ ‬للجميع‭.‬

القيمة‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬منحنا‭ ‬عقولنا‭ ‬وقتاً‭ ‬للتفكير‭.‬

ولعل‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات،‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬اعتادوا‭ ‬القراءة‭ ‬بعمق‭ ‬لا‭ ‬يتميزون‭ ‬فقط‭ ‬لأنهم‭ ‬يعرفون‭ ‬أكثر،‭ ‬بل‭ ‬لأنهم‭ ‬يفكرون‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭.‬

يطرحون‭ ‬أسئلة‭ ‬لم‭ ‬يطلبها‭ ‬منهم‭ ‬أحد‭. ‬يربطون‭ ‬بين‭ ‬أفكار‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭ ‬بصورة‭ ‬تلقائية‭. ‬يستحضرون‭ ‬أمثلة‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬بسهولة‭. ‬ويتقبلون‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬قد‭ ‬تحتمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إجابة،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬واحد‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يستخرجه‭ ‬منهم‭. ‬فهو‭ ‬حاضر‭ ‬بطبيعته‭. ‬أما‭ ‬الكتابة،‭ ‬فأظن‭ ‬أننا‭ ‬نظلمها‭ ‬حين‭ ‬نحصرها‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬وسيلة‭ ‬لنقل‭ ‬المعلومات‭ ‬فقط‭.‬

فكم‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬جلسنا‭ ‬لنكتب‭ ‬فكرة‭ ‬ظننا‭ ‬أنها‭ ‬مكتملة،‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أثناء‭ ‬الكتابة‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نفكر‭ ‬بها‭ ‬كما‭ ‬تصورنا‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬لم‭ ‬تولد‭ ‬إلا‭ ‬لأننا‭ ‬منحنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬الوقت‭ ‬لنكتب‭ ‬عنها،‭ ‬لا‭ ‬لننشرها،‭ ‬بل‭ ‬لنفهمها‭.‬

فالكتابة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتوثيق‭ ‬أفكارنا،‭ ‬بل‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬اكتشافها‭.‬

ولهذا‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭. ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬السبب‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتمسك‭ ‬بهما‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الآلات‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تبحث،‭ ‬وتلخص،‭ ‬وتكتب‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوقنا،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬لنا‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأمل،‭ ‬وطرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وبناء‭ ‬أفكار‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الإجابة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬نقضيه‭ ‬معها‭.‬

وربما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القراءة‭ ‬الطريق‭ ‬الأسرع‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الكتابة‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬للتعبير‭. ‬لكنني‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬قيمتهما‭ ‬الحقيقية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أصلاً‭.‬

كانت،‭ ‬ومازالت،‭ ‬في‭ ‬أنهما‭ ‬تمنحاننا‭ ‬شيئاً‭ ‬يصعب‭ ‬اختصاره‭ ‬أو‭ ‬توليده‭ ‬بضغطة‭ ‬زر‭. ‬وهو‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يحتاجه‭ ‬العقل‭ ‬ليطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬أفضل،‭ ‬أو‭ ‬يرى‭ ‬فكرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يراها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬أو‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليصل‭ ‬إليه‭ ‬لولا‭ ‬أنه‭ ‬قرأ‭... ‬ثم‭ ‬كتب‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا