مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى. نستطيع أن نلخص كتاباً في ثوان، ونكتب تقريراً أو رسالة بضغطة زر، بل يمكننا أن نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يقترح أفكاراً أو يعيد صياغتها بلغة أكثر احترافية.
ولا أرى في ذلك ما يدعو الى القلق. على العكس، هذه أدوات ينبغي أن نستفيد منها. فهي تختصر الوقت، وتساعدنا على إنجاز كثير من المهام بكفاءة أعلى.
لكنها دفعتني للتفكير في أمر آخر.
لعلنا، لسنوات طويلة، كنا نفسر أهمية القراءة والكتابة بطريقة لم تعد تعكس قيمتهما الحقيقية.
اعتدنا أن نقول إن القراءة وسيلتنا لاكتساب المعرفة، وإن الكتابة وسيلتنا للتعبير عنها. وكان هذا منطقياً في زمن كانت فيه المعرفة نفسها تحتاج إلى جهد للوصول إليها. أما اليوم، فلم تعد المعلومة هي التحدي الحقيقي. فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع تقريباً، وأصبحت التكنولوجيا قادرة على الوصول إليها، وتلخيصها، وحتى إعادة صياغتها.
ولهذا بدأت أتساءل إن كانت هناك قيمة أعمق للقراءة والكتابة، لم نتحدث عنها بما يكفي.
وكلما تأملت في الأمر، وجدت نفسي أميل إلى فكرة ربما لم أكن أراها بهذه الصورة من قبل.
فالقراءة، في رأيي، ليست مجرد وسيلة للوصول إلى المعلومة، بل هي فرصة للبقاء مع الفكرة.
عندما نقرأ نصاً عميقاً أو كتاباً جيداً، لا نخرج منه بمجموعة من الحقائق فحسب. نحن نتوقف، ونتساءل، ونربط بين ما نقرأه وما نعرفه، ونراجع قناعاتنا، وأحياناً نغيّرها من دون أن نشعر.
ليست القيمة في أننا حصلنا على معلومة جديدة، فذلك أصبح متاحاً للجميع.
القيمة في أننا منحنا عقولنا وقتاً للتفكير.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي خلال السنوات، أن من اعتادوا القراءة بعمق لا يتميزون فقط لأنهم يعرفون أكثر، بل لأنهم يفكرون بطريقة مختلفة.
يطرحون أسئلة لم يطلبها منهم أحد. يربطون بين أفكار من مجالات مختلفة بصورة تلقائية. يستحضرون أمثلة من الحياة بسهولة. ويتقبلون أن بعض الأسئلة قد تحتمل أكثر من إجابة، وأن بعض القضايا لا يمكن اختزالها في رأي واحد.
والأهم من ذلك كله، أن هذا النوع من التفكير لا يحتاج إلى من يستخرجه منهم. فهو حاضر بطبيعته. أما الكتابة، فأظن أننا نظلمها حين نحصرها في كونها وسيلة لنقل المعلومات فقط.
فكم من مرة جلسنا لنكتب فكرة ظننا أنها مكتملة، ثم اكتشفنا أثناء الكتابة أننا لم نكن نفكر بها كما تصورنا. وكم من فكرة لم تولد إلا لأننا منحنا أنفسنا الوقت لنكتب عنها، لا لننشرها، بل لنفهمها.
فالكتابة لا تكتفي بتوثيق أفكارنا، بل تساعدنا على اكتشافها.
ولهذا لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يقلل من قيمة القراءة والكتابة. بل ربما يدفعنا إلى إعادة اكتشاف السبب الحقيقي الذي يجعلنا نتمسك بهما.
فإذا كانت الآلات تستطيع أن تبحث، وتلخص، وتكتب بسرعة تفوقنا، فإن ما يبقى لنا هو القدرة على التأمل، وطرح الأسئلة، وبناء أفكار لا تولد من سرعة الوصول إلى الإجابة، بل من الوقت الذي نقضيه معها.
وربما لم تعد القراءة الطريق الأسرع إلى المعرفة، ولم تعد الكتابة الوسيلة الوحيدة للتعبير. لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن قيمتهما الحقيقية لم تكن في ذلك أصلاً.
كانت، ومازالت، في أنهما تمنحاننا شيئاً يصعب اختصاره أو توليده بضغطة زر. وهو الوقت الذي يحتاجه العقل ليطرح سؤالاً أفضل، أو يرى فكرة لم يكن يراها من قبل، أو يصل إلى معنى لم يكن ليصل إليه لولا أنه قرأ... ثم كتب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك