العدد : ١٧٦٨٧ - الأربعاء ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٧ - الأربعاء ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

البلازما.. التقنية الخفية التي تصنع رقائق هواتفنا الذكية

بقلم: د. محمود ناصر

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬تختبئ‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬شاشة‭ ‬هاتف‭ ‬ذكي‭ ‬وكل‭ ‬رقاقة‭ ‬إلكترونية‭ ‬تقنية‭ ‬علمية‭ ‬دقيقة‭ ‬قلّما‭ ‬يسمع‭ ‬عنها‭ ‬عامة‭ ‬الناس،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬تطور‭ ‬صناعة‭ ‬الإلكترونيات‭ ‬بأكملها‭. ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الترسيب‭ ‬الفيزيائي‭ ‬بالبخار‭ ‬المؤيَّن‮»‬،‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬طرق‭ ‬تشكيل‭ ‬الأغشية‭ ‬الرقيقة‭ ‬باستخدام‭ ‬حالة‭ ‬رابعة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬المادة‭ ‬تُعرف‭ ‬بالبلازما‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬البلازما‭ ‬ولماذا‭ ‬نحتاجها؟

حين‭ ‬نسخّن‭ ‬الغاز‭ ‬إلى‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬عالية‭ ‬جداً‭ ‬أو‭ ‬نعرّضه‭ ‬لمجال‭ ‬كهربائي‭ ‬قوي،‭ ‬تتفكك‭ ‬ذراته‭ ‬إلى‭ ‬إلكترونات‭ ‬وأيونات‭ ‬مشحونة،‭ ‬لتتكوّن‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬تُعرف‭ ‬بالبلازما،‭ ‬وهي‭ ‬ذاتها‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تتكون‭ ‬منها‭ ‬الشمس‭ ‬والنجوم‭. ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬الصناعية،‭ ‬يمكن‭ ‬توليد‭ ‬بلازما‭ ‬مشابهة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أبرد‭ ‬بكثير،‭ ‬لاستخدامها‭ ‬في‭ ‬ترسيب‭ ‬طبقات‭ ‬معدنية‭ ‬فائقة‭ ‬الدقة‭ ‬على‭ ‬أسطح‭ ‬مختلفة‭.‬

تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ»القذف‭ ‬الممغنط‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تُقذف‭ ‬ذرات‭ ‬معدنية‭ ‬من‭ ‬قطب‭ ‬سالب‭ (‬يُسمى‭ ‬الهدف‭) ‬بفعل‭ ‬قصف‭ ‬أيونات‭ ‬البلازما‭ ‬لها،‭ ‬لتنتقل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬وتترسب‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬آخر‭ (‬يُسمى‭ ‬الركيزة‭) ‬مكوّنة‭ ‬طبقة‭ ‬رقيقة‭ ‬بالغة‭ ‬الدقة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬سمكها‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬النانومتر‭.‬

من‭ ‬الترسيب‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬الترسيب‭ ‬‮«‬المؤيَّن‮»‬

في‭ ‬الطريقة‭ ‬التقليدية،‭ ‬لا‭ ‬تتأيّن‭ ‬سوى‭ ‬نسبة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الذرات‭ ‬المتطايرة‭ ‬عن‭ ‬الهدف،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬حركتها‭ ‬وطاقتها‭ ‬محدوداً‭. ‬لكن‭ ‬الصناعة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬الدوائر‭ ‬المتكاملة‭ ‬الدقيقة،‭ ‬احتاجت‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬أكثر‭ ‬تحكماً‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ترسيب‭ ‬المعادن‭ ‬داخل‭ ‬قنوات‭ ‬وثقوب‭ ‬متناهية‭ ‬الصغر‭ ‬بنسب‭ ‬أبعاد‭ ‬شديدة‭ ‬الضيق‭.‬

هنا‭ ‬جاء‭ ‬الحل‭ ‬عبر‭ ‬رفع‭ ‬نسبة‭ ‬تأيّن‭ ‬البخار‭ ‬المعدني‭ ‬المتطاير،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬أغلب‭ ‬الذرات‭ ‬المقذوفة‭ ‬إلى‭ ‬أيونات‭ ‬موجبة‭ ‬الشحنة‭. ‬وبتطبيق‭ ‬جهد‭ ‬كهربائي‭ ‬مناسب‭ ‬على‭ ‬الركيزة،‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬بدقة‭ ‬في‭ ‬طاقة‭ ‬الأيونات‭ ‬القادمة،‭ ‬ما‭ ‬يحسّن‭ ‬كثافة‭ ‬الطبقة‭ ‬المترسبة‭ ‬والتصاقها‭ ‬بالسطح،‭ ‬ويتيح‭ ‬توجيهها‭ ‬بدقة‭ ‬نحو‭ ‬المناطق‭ ‬المطلوبة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأسطح‭ ‬ذات‭ ‬الأشكال‭ ‬المعقدة‭.‬

تقنيات‭ ‬متعددة‭ ‬لهدف‭ ‬واحد

طوّر‭ ‬الباحثون‭ ‬عدة‭ ‬أساليب‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التأيّن‭ ‬العالي،‭ ‬منها‭:‬

إضافة‭ ‬ملف‭ ‬حثّي‭ ‬بجانب‭ ‬قطب‭ ‬الترسيب‭ ‬لتوليد‭ ‬بلازما‭ ‬كثيفة‭ ‬إضافية‭ ‬تعبرها‭ ‬الذرات‭ ‬المتطايرة‭ ‬فتتأيّن‭.‬

استخدام‭ ‬الرنين‭ ‬الإلكتروني‭ ‬السيكلوتروني‭ ‬بموجات‭ ‬دقيقة‭ ‬وحقل‭ ‬مغناطيسي‭ ‬قوي،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬كثافة‭ ‬البلازما‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭.‬

القذف‭ ‬الممغنط‭ ‬النبضي‭ ‬عالي‭ ‬القدرة،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أحدث‭ ‬الأساليب‭ ‬وأكثرها‭ ‬فاعلية،‭ ‬حيث‭ ‬تُطبَّق‭ ‬نبضات‭ ‬كهربائية‭ ‬قصيرة‭ ‬جداً‭ ‬لكنها‭ ‬فائقة‭ ‬القوة،‭ ‬فترتفع‭ ‬كثافة‭ ‬البلازما‭ ‬لحظياً‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬نسبة‭ ‬تأيّن‭ ‬الذرات‭ ‬المعدنية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يتجاوز‭ ‬90‭ ‬بالمئة‭ ‬خلال‭ ‬النبضة‭ ‬الواحدة‭.‬

أساليب‭ ‬أخرى‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تصميم‭ ‬هندسي‭ ‬خاص‭ ‬للقطب‭ ‬لحبس‭ ‬الإلكترونات‭ ‬وزيادة‭ ‬كفاءة‭ ‬التأيّن،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬غاز‭ ‬الحشو‭ ‬تماماً‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬أيونات‭ ‬المادة‭ ‬المترسبة‭ ‬نفسها‭ ‬لإدامة‭ ‬البلازما‭.‬

لماذا‭ ‬يهمّنا‭ ‬هذا؟

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬على‭ ‬تصنيع‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تصنيع‭ ‬الطلاءات‭ ‬الواقية‭ ‬الصلبة،‭ ‬والخلايا‭ ‬الشمسية،‭ ‬والأغشية‭ ‬العازلة،‭ ‬وحتى‭ ‬بعض‭ ‬التطبيقات‭ ‬الطبية‭ ‬الحيوية‭. ‬فكل‭ ‬تحسين‭ ‬في‭ ‬دقة‭ ‬التحكم‭ ‬بالبلازما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬المنتجات‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬نستخدمها‭ ‬يومياً،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬بالجهد‭ ‬العلمي‭ ‬الهائل‭ ‬الكامن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬شريحة‭ ‬صغيرة‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭.‬

يبقى‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مجالات‭ ‬علوم‭ ‬المواد‭ ‬والفيزياء‭ ‬التطبيقية‭ ‬نشاطاً،‭ ‬إذ‭ ‬يواصل‭ ‬الباحثون‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تطوير‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬لرفع‭ ‬كفاءة‭ ‬التأيّن‭ ‬وخفض‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة،‭ ‬سعياً‭ ‬لمواكبة‭ ‬التصغير‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الإلكترونيات‭.‬

بحث‭ ‬بحريني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬نُشرت‭ ‬مؤخراً‭ ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬Vacuum‮»‬‭ ‬العلمية‭ ‬المحكّمة،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬المجلات‭ ‬المصنّفة‭ ‬ضمن‭ ‬الفئة‭ ‬الأولى‭ (‬Q1‭) ‬في‭ ‬مجالها‭ ‬البحثي،‭ ‬تناولت‭ ‬تصميماً‭ ‬مبسّطاً‭ ‬لمفاعل‭ ‬ترسيب‭ ‬مؤيَّن‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬هوائي‭ ‬نحاسي‭ ‬واحد‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كمصدر‭ ‬للبلازما‭ ‬وكهدف‭ ‬للقذف‭. ‬أظهرت‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬إضافة‭ ‬حقل‭ ‬مغناطيسي‭ ‬محوري‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬كثافة‭ ‬البلازما‭ ‬بمقدار‭ ‬ثلاث‭ ‬مراتب‭ ‬عشرية،‭ ‬وأن‭ ‬ذلك‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تحسّن‭ ‬انتظام‭ ‬الترسيب‭ ‬وجودة‭ ‬الأغشية‭ ‬النحاسية‭ ‬المتكوّنة،‭ ‬بأداء‭ ‬يضاهي‭ ‬تقنيات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وباستهلاك‭ ‬طاقة‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭.‬

 

‭ ‬أستاذ‭ ‬مساعد‭ ‬بقسم‭ ‬الفيزياء‭ - ‬جامعة‭ ‬البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا