تشكل المدخرات أحد المكونات المهمة للثروة المالية في الاقتصادات الخليجية، وتكشف أرقام عام 2025 عن استمرار النمو الكبير في الأموال المودعة لدى الجهاز المصرفي. فقد بلغ إجمالي الودائع لدى البنوك التجارية في دول مجلس التعاون نحو 2.3 تريليون دولار بنهاية 2025، بزيادة 10.6% على عام 2024، في الوقت الذي تجاوزت فيه أصول البنوك الخليجية 3.9 تريليونات دولار. وهي أرقام تعكس الحجم الكبير للسيولة والثروة المالية الموجودة داخل اقتصادات المنطقة.
لكن مبلغ 2.3 تريليون دولار لا يمثل مدخرات الأسر الخليجية وحدها؛ فهو يشمل ودائع الحكومات والشركات والمؤسسات والأفراد، كما أن جزءاً من ودائع الأفراد موجود في حسابات جارية تستخدم للإنفاق اليومي ولا يمثل ادخاراً بالمعنى الاقتصادي الدقيق. ومن الناحية الأخرى، فإن المدخرات المالية للأسر لا تقتصر على «حسابات التوفير»، بل تشمل جزءاً مهماً من الودائع لأجل، إضافة إلى الصناديق والأسهم والصكوك وغيرها من الأصول المالية.
وهنا تظهر فجوة إحصائية مهمة: لا يوجد حتى الآن رقم خليجي موحد يحدد بدقة نسبة الودائع الادخارية والآجلة الخاصة بالأسر من إجمالي الودائع الخليجية. وتختلف البنوك المركزية الخليجية في تصنيفها؛ فبعضها يفصل الأفراد عن الشركات وبعضها يجمعهما. ولذلك فإن إعطاء نسبة خليجية محددة للمدخرات الأسرية من رقم الـ2.3 تريليون دولار سيكون تقديراً لا رقماً إحصائياً رسمياً. وهذا في حد ذاته يدعو إلى تطوير مؤشر خليجي موحد لادخار الأسر.
لكن أهمية الادخار لا تقاس بحجمه وحده. فالسؤال الأكثر ارتباطاً بحياة الناس هو: هل أصبح الادخار عادة مالية مستقرة داخل الأسرة الخليجية؟
ولا يمكن طرح هذا السؤال بمعزل عن الأعباء المتزايدة التي تواجهها الأسر. فقد تغير هيكل الإنفاق الأسري خلال العقود الأخيرة، وارتفعت الالتزامات المرتبطة بالسكن وتعليم الأبناء والصحة والنقل والخدمات، إلى جانب أنماط استهلاك حديثة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. كما تواجه الأسرة التزامات تمتد لسنوات طويلة، من شراء المسكن وتعليم الأبناء إلى الاستعداد للتقاعد ومساندة الأبناء عند بدء حياتهم العملية والأسرية.
ولذلك فإن الدعوة إلى الادخار لا ينبغي أن تنطلق من افتراض أن كل أسرة تمتلك فائضاً كبيراً من دخلها تستطيع ببساطة الاحتفاظ به. فهناك أسر تستوعب النفقات الأساسية معظم دخلها، وأخرى تتحمل أقساطاً والتزامات مالية طويلة الأجل.
لكن هذه الضغوط نفسها تجعل الادخار أكثر أهمية وليس أقل أهمية. فالأسرة التي تواجه مستقبلاً تعليم الأبناء أو التقاعد أو مصروفاً صحياً مفاجئاً تكون أكثر قدرة على التعامل معه إذا بنت احتياطياً مالياً بصورة تدريجية. والادخار هنا ليس ترفاً أو تجميداً للأموال، وإنما شكل من أشكال التأمين الذاتي ضد المستقبل.
ومن هنا ينبغي الانتقال من فكرة «ادخار ما يتبقى من الراتب» إلى تخصيص نسبة من الدخل للادخار قبل توزيع بقية الإنفاق. وليس ضرورياً أن تكون النسبة كبيرة منذ البداية؛ فالأهم هو الانتظام والاستمرارية، ثم زيادة المبلغ تدريجياً كلما تحسنت قدرة الأسرة المالية.
ويمكن للبنوك والمؤسسات المالية الخليجية أن تؤدي دوراً أكبر في هذا التحول من خلال منتجات ادخارية مرتبطة بأهداف واضحة: حساب لتعليم الأبناء، وآخر للتقاعد، وثالث لشراء المسكن، وصندوق للطوارئ. كما يمكن ربط الراتب ببرنامج اختياري يحول تلقائياً مبلغاً أو نسبة محددة إلى حساب ادخاري فور استلامه.
وتبدأ ثقافة الادخار قبل ذلك من المدرسة. فتعليم الأبناء كيفية إعداد ميزانية بسيطة، والتمييز بين الحاجة والرغبة، وفهم كلفة الاقتراض وأهمية الادخار والاستثمار، قد يكون أكثر تأثيراً في أمنهم المالي مستقبلاً من كثير من المعلومات النظرية التي يتعلمونها.
ولا ينبغي كذلك الخلط بين الادخار والاستثمار. فالمرحلة الأولى للأسرة هي تكوين احتياطي آمن لمواجهة الطوارئ، بينما يمكن توجيه المدخرات التي لن تحتاج إليها لسنوات إلى استثمارات متنوعة تتناسب مع قدرتها على تحمل المخاطر. وبذلك يصبح الادخار بداية لبناء الثروة وليس غاية في ذاته.
إن قوة الاقتصادات الخليجية وارتفاع الودائع المصرفية مؤشران مهمان، لكن قوة الاقتصاد لا تكتمل من دون تعزيز المتانة المالية للأسرة. فالأمن المالي الوطني يبدأ، في جانب منه، من الأمن المالي للأفراد.
والأسرة الخليجية تواجه بالفعل أعباء متزايدة، ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة عند دعوتها إلى الادخار. لكن المفارقة أن هذه الأعباء نفسها هي التي تجعل الادخار أكثر ضرورة: فهو ليس اقتطاعاً من رفاه الأسرة اليوم بقدر ما هو مساهمة في حماية قدرتها على مواجهة الغد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك