العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

ثقافة الادخار لدى الأسر الخليجية

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تشكل‭ ‬المدخرات‭ ‬أحد‭ ‬المكونات‭ ‬المهمة‭ ‬للثروة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية،‭ ‬وتكشف‭ ‬أرقام‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬النمو‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الأموال‭ ‬المودعة‭ ‬لدى‭ ‬الجهاز‭ ‬المصرفي‭. ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬الودائع‭ ‬لدى‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬3‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬بنهاية‭ ‬2025،‭ ‬بزيادة‭ ‬10‭.‬6‭%‬‭ ‬على‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تجاوزت‭ ‬فيه‭ ‬أصول‭ ‬البنوك‭ ‬الخليجية‭ ‬3‭.‬9‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار‭. ‬وهي‭ ‬أرقام‭ ‬تعكس‭ ‬الحجم‭ ‬الكبير‭ ‬للسيولة‭ ‬والثروة‭ ‬المالية‭ ‬الموجودة‭ ‬داخل‭ ‬اقتصادات‭ ‬المنطقة‭.‬

لكن‭ ‬مبلغ‭ ‬2.3‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مدخرات‭ ‬الأسر‭ ‬الخليجية‭ ‬وحدها؛‭ ‬فهو‭ ‬يشمل‭ ‬ودائع‭ ‬الحكومات‭ ‬والشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والأفراد،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ودائع‭ ‬الأفراد‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬جارية‭ ‬تستخدم‭ ‬للإنفاق‭ ‬اليومي‭ ‬ولا‭ ‬يمثل‭ ‬ادخاراً‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدقيق‭. ‬ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فإن‭ ‬المدخرات‭ ‬المالية‭ ‬للأسر‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬‮«‬حسابات‭ ‬التوفير‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬الودائع‭ ‬لأجل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الصناديق‭ ‬والأسهم‭ ‬والصكوك‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬فجوة‭ ‬إحصائية‭ ‬مهمة‭: ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬رقم‭ ‬خليجي‭ ‬موحد‭ ‬يحدد‭ ‬بدقة‭ ‬نسبة‭ ‬الودائع‭ ‬الادخارية‭ ‬والآجلة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأسر‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الودائع‭ ‬الخليجية‭. ‬وتختلف‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬تصنيفها؛‭ ‬فبعضها‭ ‬يفصل‭ ‬الأفراد‭ ‬عن‭ ‬الشركات‭ ‬وبعضها‭ ‬يجمعهما‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬إعطاء‭ ‬نسبة‭ ‬خليجية‭ ‬محددة‭ ‬للمدخرات‭ ‬الأسرية‭ ‬من‭ ‬رقم‭ ‬الـ2‭.‬3‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬سيكون‭ ‬تقديراً‭ ‬لا‭ ‬رقماً‭ ‬إحصائياً‭ ‬رسمياً‭. ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬مؤشر‭ ‬خليجي‭ ‬موحد‭ ‬لادخار‭ ‬الأسر‭.‬

لكن‭ ‬أهمية‭ ‬الادخار‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بحجمه‭ ‬وحده‭. ‬فالسؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بحياة‭ ‬الناس‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬الادخار‭ ‬عادة‭ ‬مالية‭ ‬مستقرة‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬الخليجية؟

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬طرح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الأعباء‭ ‬المتزايدة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الأسر‭. ‬فقد‭ ‬تغير‭ ‬هيكل‭ ‬الإنفاق‭ ‬الأسري‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وارتفعت‭ ‬الالتزامات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسكن‭ ‬وتعليم‭ ‬الأبناء‭ ‬والصحة‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أنماط‭ ‬استهلاك‭ ‬حديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬كما‭ ‬تواجه‭ ‬الأسرة‭ ‬التزامات‭ ‬تمتد‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬المسكن‭ ‬وتعليم‭ ‬الأبناء‭ ‬إلى‭ ‬الاستعداد‭ ‬للتقاعد‭ ‬ومساندة‭ ‬الأبناء‭ ‬عند‭ ‬بدء‭ ‬حياتهم‭ ‬العملية‭ ‬والأسرية‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الادخار‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬أسرة‭ ‬تمتلك‭ ‬فائضاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬دخلها‭ ‬تستطيع‭ ‬ببساطة‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭. ‬فهناك‭ ‬أسر‭ ‬تستوعب‭ ‬النفقات‭ ‬الأساسية‭ ‬معظم‭ ‬دخلها،‭ ‬وأخرى‭ ‬تتحمل‭ ‬أقساطاً‭ ‬والتزامات‭ ‬مالية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬نفسها‭ ‬تجعل‭ ‬الادخار‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬وليس‭ ‬أقل‭ ‬أهمية‭. ‬فالأسرة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬مستقبلاً‭ ‬تعليم‭ ‬الأبناء‭ ‬أو‭ ‬التقاعد‭ ‬أو‭ ‬مصروفاً‭ ‬صحياً‭ ‬مفاجئاً‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬إذا‭ ‬بنت‭ ‬احتياطياً‭ ‬مالياً‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية‭. ‬والادخار‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬أو‭ ‬تجميداً‭ ‬للأموال،‭ ‬وإنما‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التأمين‭ ‬الذاتي‭ ‬ضد‭ ‬المستقبل‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬ينبغي‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬ادخار‭ ‬ما‭ ‬يتبقى‭ ‬من‭ ‬الراتب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تخصيص‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬للادخار‭ ‬قبل‭ ‬توزيع‭ ‬بقية‭ ‬الإنفاق‭. ‬وليس‭ ‬ضرورياً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬النسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منذ‭ ‬البداية؛‭ ‬فالأهم‭ ‬هو‭ ‬الانتظام‭ ‬والاستمرارية،‭ ‬ثم‭ ‬زيادة‭ ‬المبلغ‭ ‬تدريجياً‭ ‬كلما‭ ‬تحسنت‭ ‬قدرة‭ ‬الأسرة‭ ‬المالية‭.‬

ويمكن‭ ‬للبنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الخليجية‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منتجات‭ ‬ادخارية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بأهداف‭ ‬واضحة‭: ‬حساب‭ ‬لتعليم‭ ‬الأبناء،‭ ‬وآخر‭ ‬للتقاعد،‭ ‬وثالث‭ ‬لشراء‭ ‬المسكن،‭ ‬وصندوق‭ ‬للطوارئ‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬ربط‭ ‬الراتب‭ ‬ببرنامج‭ ‬اختياري‭ ‬يحول‭ ‬تلقائياً‭ ‬مبلغاً‭ ‬أو‭ ‬نسبة‭ ‬محددة‭ ‬إلى‭ ‬حساب‭ ‬ادخاري‭ ‬فور‭ ‬استلامه‭.‬

وتبدأ‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭. ‬فتعليم‭ ‬الأبناء‭ ‬كيفية‭ ‬إعداد‭ ‬ميزانية‭ ‬بسيطة،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬والرغبة،‭ ‬وفهم‭ ‬كلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬وأهمية‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬أمنهم‭ ‬المالي‭ ‬مستقبلاً‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬يتعلمونها‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬كذلك‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭. ‬فالمرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬للأسرة‭ ‬هي‭ ‬تكوين‭ ‬احتياطي‭ ‬آمن‭ ‬لمواجهة‭ ‬الطوارئ،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬توجيه‭ ‬المدخرات‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬لسنوات‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬متنوعة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المخاطر‭. ‬وبذلك‭ ‬يصبح‭ ‬الادخار‭ ‬بداية‭ ‬لبناء‭ ‬الثروة‭ ‬وليس‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬ذاته‭.‬

إن‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الودائع‭ ‬المصرفية‭ ‬مؤشران‭ ‬مهمان،‭ ‬لكن‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعزيز‭ ‬المتانة‭ ‬المالية‭ ‬للأسرة‭. ‬فالأمن‭ ‬المالي‭ ‬الوطني‭ ‬يبدأ،‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه،‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬المالي‭ ‬للأفراد‭.‬

والأسرة‭ ‬الخليجية‭ ‬تواجه‭ ‬بالفعل‭ ‬أعباء‭ ‬متزايدة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬عند‭ ‬دعوتها‭ ‬إلى‭ ‬الادخار‭. ‬لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعباء‭ ‬نفسها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الادخار‭ ‬أكثر‭ ‬ضرورة‭: ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬اقتطاعاً‭ ‬من‭ ‬رفاه‭ ‬الأسرة‭ ‬اليوم‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مساهمة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الغد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا