العدد : ١٧٦٨٤ - الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٤ - الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

حين يُختطف الدين باسم السلطة

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

سبحانَ‭ ‬ربِّي،‭ ‬وجلَّ‭ ‬في‭ ‬علاه،‭ ‬جعلَ‭ ‬الدينَ‭ ‬هدايةً‭ ‬لا‭ ‬أداة،‭ ‬وميزانًا‭ ‬لا‭ ‬رايةً‭ ‬لفئة؛‭ ‬فلا‭ ‬المقدَّسُ‭ ‬مطيّةُ‭ ‬حزب،‭ ‬ولا‭ ‬العقيدةُ‭ ‬ملكُ‭ ‬زمرة،‭ ‬ولا‭ ‬المذهبُ‭ ‬جسرُ‭ ‬مشروع‭.‬

والخطرُ‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يهديَ‭ ‬الدينُ‭ ‬السياسة،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تستوليَ‭ ‬السياسةُ‭ ‬على‭ ‬الدين؛‭ ‬فتنتقي‭ ‬من‭ ‬نصوصه‭ ‬ما‭ ‬يخدمُ‭ ‬سلطانَها،‭ ‬ومن‭ ‬رموزه‭ ‬ما‭ ‬يرفعُ‭ ‬رايتَها،‭ ‬ومن‭ ‬عواطفِ‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬يحشدُ‭ ‬جماعتَها‭. ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بطائفيةٍ‭ ‬تفصلُ‭ ‬مذهبًا‭ ‬عن‭ ‬مذهب،‭ ‬بل‭ ‬تلدُ‭ ‬من‭ ‬رحمِ‭ ‬الطائفيةِ‭ ‬فئويةً‭ ‬تفرزُ‭ ‬أهلَ‭ ‬المذهبِ‭ ‬الواحد؛‭ ‬فلا‭ ‬يعودُ‭ ‬السؤالُ‭: ‬ماذا‭ ‬تعتقد؟‭ ‬بل‭: ‬لمن‭ ‬تطيع؟‭ ‬ولا‭: ‬إلى‭ ‬أيِّ‭ ‬مذهبٍ‭ ‬تنتمي؟‭ ‬بل‭: ‬إلى‭ ‬أيِّ‭ ‬فئةٍ‭ ‬تنحاز؟‭ ‬فإن‭  ‬خالفتَها‭ ‬في‭ ‬المشروع،‭ ‬جعلتْ‭ ‬من‭ ‬اختلافِك‭ ‬خصومة،‭ ‬ومن‭ ‬استقلالِك‭ ‬تهمة،‭ ‬ومن‭ ‬رفضِ‭ ‬الطاعةِ‭ ‬العمياء‭ ‬عداوة‭.‬

وهكذا‭ ‬تضيقُ‭ ‬الطائفةُ‭ ‬حتى‭ ‬تصيرَ‭ ‬فئة،‭ ‬وتضيقُ‭ ‬الفئةُ‭ ‬حتى‭ ‬تصيرَ‭ ‬زمرة،‭ ‬ثم‭ ‬تزعمُ‭ ‬الزمرةُ‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬المذهبُ‭ ‬كلُّه؛‭ ‬فتحتكرُ‭ ‬تفسيرَه،‭ ‬وتُقصي‭ ‬مخالفَه،‭ ‬وتتكلَّمُ‭ ‬باسمِه،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬الدينُ‭ ‬حاكمًا‭ ‬على‭ ‬المشروع،‭ ‬بل‭ ‬يصبحُ‭ ‬المشروعُ‭ ‬متكلِّمًا‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭.‬

ولعلَّ‭ ‬فيما‭ ‬فرَّق‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬شريعتي‭ ‬بين‭ ‬التشيع‭ ‬العلوي‭ ‬والتشيع‭ ‬الصفوي‭ ‬ما‭ ‬يستحقُّ‭ ‬الاسترجاع؛‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬مقامِ‭ ‬الهداية،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬تُسخِّره‭ ‬السياسة؛‭ ‬بين‭ ‬منهجٍ‭ ‬يحفظُ‭ ‬معناه،‭ ‬ومنهجٍ‭ ‬يُستعملُ‭ ‬مطيّةً‭ ‬لمن‭ ‬يسترُ‭ ‬السلطانَ‭ ‬بثوبِ‭ ‬الإيمان‭. ‬حذَّر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الإيمانُ‭ ‬من‭ ‬معنىً‭ ‬يُصلحُ‭ ‬الإنسان،‭ ‬إلى‭ ‬أداةٍ‭ ‬تستميلُ‭ ‬النفوسَ‭ ‬وتستولي‭ ‬على‭ ‬الوجدان؛‭ ‬فإذا‭ ‬بالمحذور‭ ‬يعودُ‭ ‬في‭ ‬ثوبٍ‭ ‬آخر‭: ‬لا‭ ‬باسمِ‭ ‬الصفوية،‭ ‬بل‭ ‬باسمِ‭ ‬الولاية‭.‬

وليس‭ ‬توظيفُ‭ ‬المقدَّس‭ ‬وليدَ‭ ‬اليوم،‭ ‬ولا‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬مذهبٍ‭ ‬دون‭ ‬مذهب؛‭ ‬فقد‭ ‬عرف‭ ‬التاريخُ‭ ‬نماذجَ‭ ‬استثمرت‭ ‬العقيدةَ‭ ‬في‭ ‬صناعةِ‭ ‬الطاعة،‭ ‬والوعدَ‭ ‬في‭ ‬طلبِ‭ ‬الانقياد،‭ ‬والغيبَ‭ ‬في‭ ‬دفعِ‭ ‬الأتباع‭ ‬إلى‭ ‬الفناء‭. ‬ويُستدعى‭ ‬هنا‭ ‬حسنُ‭ ‬الصبّاح‭ ‬والحشّاشون،‭ ‬لا‭ ‬أصلًا‭ ‬للتشيع‭ ‬الاثني‭ ‬عشري،‭ ‬فهو‭ ‬إسماعيليٌّ‭ ‬نزاريٌّ‭ ‬لا‭ ‬اثنا‭ ‬عشري،‭ ‬ولا‭ ‬نسبًا‭ ‬فكريًّا‭ ‬مباشرًا؛‭ ‬وإنما‭ ‬مثالًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬على‭ ‬خطرِ‭ ‬أن‭ ‬يستوليَ‭ ‬التنظيمُ‭ ‬على‭ ‬العقل،‭ ‬وأن‭ ‬يعلوَ‭ ‬أمرُ‭ ‬الجماعة‭ ‬على‭ ‬الفرد،‭ ‬وأن‭ ‬تُستعملَ‭ ‬العقيدةُ‭ ‬في‭ ‬صناعةِ‭ ‬الانقياد‭.‬

وليس‭ ‬ذلك‭ ‬وقفًا‭ ‬على‭ ‬جماعةٍ‭ ‬أو‭ ‬مذهب؛‭ ‬فقد‭ ‬رأينا‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬داعشَ‭ ‬ترفعُ‭ ‬رايةَ‭ ‬الدين‭ ‬لتقيمَ‭ ‬بها‭ ‬سلطانًا،‭ ‬وطالبانَ‭ ‬تجعلُ‭ ‬من‭ ‬تأويلها‭ ‬للشريعة‭ ‬نظامًا‭ ‬للحكم،‭ ‬ورأينا‭ ‬غيرَهما‭ ‬ممن‭ ‬اتخذَ‭ ‬المقدَّسَ‭ ‬سُلَّمًا‭ ‬إلى‭ ‬الدولة،‭ ‬والدينَ‭ ‬جسرًا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة؛‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬اقتربَ‭ ‬ثم‭ ‬سقط،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬بلغَ‭ ‬ثم‭ ‬تعثَّر،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬حكمَ‭ ‬ثم‭ ‬ضاقَ‭ ‬بالحكم‭ ‬وضاقَ‭ ‬به‭ ‬الناس‭. ‬تتبدلُ‭ ‬الأسماءُ‭ ‬ويبقى‭ ‬الداء،‭    ‬وتختلفُ‭ ‬الراياتُ‭ ‬ويبقى‭ ‬الابتلاء‭: ‬دينٌ‭ ‬يُستعملُ‭ ‬للوصول،‭ ‬ومقدَّسٌ‭ ‬يُستدعى‭ ‬للاستحواذ،‭ ‬وسلطةٌ‭ ‬تتزيَّا‭ ‬بثوبِ‭ ‬الإيمان‭ ‬لتستأثرَ‭ ‬بالإنسان‭. ‬فكلُّ‭ ‬من‭ ‬جعلَ‭ ‬الدينَ‭ ‬وسيلةً‭ ‬لامتلاكِ‭ ‬الدولة،‭ ‬وجعلَ‭ ‬نفسَه‭ ‬وصيًّا‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬معًا،‭ ‬إنما‭ ‬يسلكُ‭ ‬مسلكًا‭ ‬ثيوقراطيًّا‭ ‬مرفوضًا؛‭ ‬فالإسلامُ‭ ‬أكبرُ‭ ‬من‭ ‬تنظيم،‭ ‬وأطهرُ‭ ‬من‭ ‬مطمع،‭ ‬وأسمى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬سُلَّمًا‭ ‬لمتسلِّق،‭ ‬أو‭ ‬مطيّةً‭ ‬لمتمصِّلح،‭ ‬أو‭ ‬ستارًا‭ ‬لمآربِ‭ ‬الدنيا‭.‬

ولا‭ ‬حاجةَ‭ ‬إلى‭ ‬الجزمِ‭ ‬بما‭ ‬نُسج‭ ‬حول‭ ‬الحشّاشين‭ ‬من‭ ‬رواياتٍ‭ ‬وأساطير؛‭ ‬فالعبرةُ‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الحشيشِ‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الحكاية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المريدِ‭ ‬حين‭ ‬يُسلِّم‭ ‬عقلَه‭ ‬قبل‭ ‬جسدِه،‭ ‬وإرادتَه‭ ‬قبل‭ ‬حياتِه،‭ ‬حتى‭ ‬يصبحَ‭ ‬الموتُ‭ ‬طاعةً،‭ ‬والطاعةُ‭ ‬عقيدةً،‭ ‬والعقيدةُ‭ ‬أداةً‭ ‬في‭ ‬يدِ‭ ‬من‭ ‬يُديرُها‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬آليةُ‭ ‬توظيفِ‭ ‬المقدَّس‭ ‬غريبةً‭ ‬عن‭ ‬الخميني؛‭ ‬فقد‭ ‬أعادَ‭ ‬صياغتَها‭ ‬بلغةِ‭ ‬عصره،‭ ‬فحشدَ‭ ‬لما‭ ‬سمّاه‭ ‬ثورةً‭ ‬باسمِ‭ ‬العقيدة،‭ ‬واستثارَ‭ ‬الوجدانَ‭ ‬بوعدِ‭ ‬الشهادة،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬الموتُ‭ ‬في‭ ‬خطابِ‭ ‬الثورة‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬الجنة،‭ ‬والتضحيةُ‭ ‬برهانًا‭ ‬على‭ ‬الطاعة،‭ ‬والفناءُ‭ ‬في‭ ‬سبيلِ‭ ‬المشروع‭ ‬عنوانًا‭ ‬للولاء‭. ‬وهنا‭ ‬تبلغُ‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أخطرَ‭ ‬مراتبها‭: ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بأن‭ ‬تملكَ‭ ‬رأيَ‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬تطلبُ‭ ‬روحَه؛‭ ‬ولا‭ ‬بأن‭ ‬تُديرَ‭ ‬حياتَه،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تُحدِّدَ‭ ‬له‭ ‬كيف‭ ‬يموت،‭ ‬ولماذا‭ ‬يموت،‭ ‬ولمن‭ ‬يموت‭.‬

ثم‭ ‬أخرجَ‭ ‬من‭ ‬رحمِ‭ ‬ذلك‭ ‬المشروع‭ ‬مسخَ‭ ‬جمهوريةٍ‭ ‬ثيوقراطية؛‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيةِ‭ ‬اسمُها،‭ ‬ومن‭ ‬الانتخاباتِ‭ ‬رسمُها،‭ ‬أمّا‭ ‬جوهرُها‭ ‬فولائيٌّ‭ ‬مطلق،‭ ‬وسلطانُها‭ ‬له‭ ‬ولزمرتِه‭. ‬فأنزلَ‭ ‬الفكرةَ‭ ‬من‭ ‬المنبرِ‭ ‬إلى‭ ‬الدولة،‭ ‬ومن‭ ‬الشعارِ‭ ‬إلى‭ ‬النظام،‭ ‬ومن‭ ‬تعبئةِ‭ ‬الجماهير‭ ‬إلى‭ ‬صناعةِ‭ ‬المؤسسات؛‭ ‬فلم‭ ‬يعدِ‭ ‬المطلوبُ‭ ‬مريدًا‭ ‬يطيعُ‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬دولةً‭ ‬تُطيع،‭ ‬ومؤسساتٍ‭ ‬تنصاع،‭ ‬ومجتمعًا‭ ‬يُصاغُ‭ ‬على‭ ‬مقاسِ‭ ‬الولاية‭. ‬وهنا‭ ‬لم‭ ‬يعدِ‭ ‬المقدَّسُ‭ ‬وقودًا‭ ‬للثورة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬غطاءً‭ ‬للسلطة؛‭ ‬تُحكِمُ‭ ‬به‭ ‬قبضتَها،‭ ‬وتُقصي‭ ‬به‭ ‬مخالفيها،‭ ‬وتفرزُ‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬أبناءَ‭ ‬المذهب‭ ‬الواحد‭: ‬من‭ ‬كان‭ ‬للولاية‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬الفئة،‭ ‬ومن‭ ‬خالفَها‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬دائرتها،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬مذهبه‭.‬

ثم‭ ‬قُتل‭ ‬علي‭ ‬خامنئي،‭ ‬فانكسر‭ ‬رأسُ‭ ‬الطور‭ ‬الأول،‭ ‬وأعادَ‭ ‬المشروعُ‭ ‬إنتاجَ‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬جمهوريةٍ‭ ‬ولائيةٍ‭ ‬ثانية،‭ ‬أشدَّ‭ ‬تشددًا،‭ ‬وأوسعَ‭ ‬عسكرةً،‭ ‬وأغلظَ‭ ‬قبضةً‭. ‬ومنذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬غدا‭ ‬الحرسُ‭ ‬الثوريُّ‭ ‬عمودَ‭ ‬الدولة،‭ ‬وغدا‭ ‬التشددُ‭ ‬سياسةً،‭ ‬والسياسةُ‭ ‬أمنًا،‭ ‬والأمنُ‭ ‬عقيدةً‭. ‬ففي‭ ‬الجمهوريةِ‭ ‬الأولى‭ ‬كان‭ ‬للحكومةِ‭ ‬ظلٌّ،‭ ‬وللبرلمانِ‭ ‬هامشٌ،‭ ‬وللمدنيِّ‭ ‬موضعٌ؛‭ ‬أمّا‭ ‬الثانيةُ‭ ‬فقد‭ ‬ضاقت‭ ‬حتى‭ ‬بالظل،‭ ‬واستثقلت‭ ‬حتى‭ ‬الهامش،‭ ‬وأقصت‭ ‬حتى‭ ‬الموضع؛‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬تعدِ‭ ‬الدولةُ‭ ‬تملكُ‭ ‬حرسًا،‭ ‬بل‭ ‬غدا‭ ‬الحرسُ‭ ‬يملكُ‭ ‬الدولة،‭ ‬ولم‭ ‬تعدِ‭ ‬الولايةُ‭ ‬فوقَ‭ ‬النظام،‭ ‬بل‭ ‬أخذ‭ ‬النظامُ‭ ‬كلُّه‭ ‬يتشكَّلُ‭ ‬على‭ ‬مقاسِ‭ ‬الولاية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الطورِ‭ ‬الثاني،‭ ‬لم‭ ‬يَعُد‭ ‬التشددُ‭ ‬يكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يحكمَ‭ ‬من‭ ‬وراءِ‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬تقدَّم‭ ‬ليعيدَ‭ ‬تشكيلَ‭ ‬الدولة؛‭ ‬فصار‭ ‬رجالُ‭ ‬الدينِ‭ ‬المتشددون‭ ‬رأسَ‭ ‬المشروع،‭ ‬والحرسُ‭ ‬الثوريُّ‭ ‬يدَه،‭ ‬والمؤسساتُ‭ ‬المدنيةُ‭ ‬واجهتَه‭. ‬تُبقي‭ ‬الجمهوريةُ‭ ‬للرئاسةِ‭ ‬كرسيَّها،‭ ‬وللبرلمانِ‭ ‬مقاعدَه،‭ ‬وللانتخاباتِ‭ ‬صناديقَها؛‭ ‬ثم‭ ‬تُفرغُ‭ ‬الكرسيَّ‭ ‬من‭ ‬سلطانِه،‭ ‬والمقاعدَ‭ ‬من‭ ‬قرارِها،‭ ‬والصناديقَ‭ ‬من‭ ‬أثرِها‭. ‬وهكذا‭ ‬لا‭ ‬تُهدمُ‭ ‬الدولةُ‭ ‬حتى‭ ‬يُقال‭ ‬إنها‭ ‬هُدمت،‭ ‬بل‭ ‬تبقى‭ ‬قائمةً‭ ‬في‭ ‬رسمِها،‭ ‬غائبةً‭ ‬في‭ ‬حكمِها؛‭ ‬لها‭ ‬اسمُ‭ ‬الجمهورية،‭ ‬وصورةُ‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ولكن‭ ‬القرارَ‭ ‬لمن‭ ‬يملكُ‭ ‬القبضة،‭ ‬والقبضةَ‭ ‬لمن‭ ‬يحتكرُ‭ ‬الولاية‭.‬

سيرحلُ‭ ‬نظامُ‭ ‬ولايةِ‭ ‬الفقيه؛‭ ‬فما‭ ‬طالَ‭ ‬باطلٌ‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬أفول،‭ ‬ولا‭ ‬استقامَ‭ ‬طغيانٌ‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬زوال‭. ‬وسيبقى‭ ‬المذهبُ‭ ‬الشيعيُّ‭ ‬الاثنا‭ ‬عشريُّ‭ ‬مذهبًا‭ ‬إسلاميًّا‭ ‬ثابتًا،‭ ‬له‭ ‬تاريخُه‭ ‬واحترامُه‭ ‬وخصوصيتُه؛‭ ‬أكبرَ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تختصرَه‭ ‬زمرة،‭ ‬وأبقى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يحتكرَه‭ ‬نظام،‭ ‬وأوسعَ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحبسَه‭ ‬ولاية‭. ‬كان‭ ‬أكبرَ‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الصبّاح‭ ‬وخزعبلاتِه،‭ ‬مع‭ ‬اختلافِ‭ ‬المذهبِ‭ ‬والزمان،‭ ‬وسيبقى‭ ‬أكبرَ‭ ‬من‭ ‬الخميني‭ ‬وأتباعِه؛‭ ‬لأن‭ ‬المذاهبَ‭ ‬الراسخةَ‭ ‬لا‭ ‬تختصرُها‭ ‬جماعة،‭ ‬والعقائدَ‭ ‬لا‭ ‬تملكُها‭ ‬دولة،‭ ‬والدينَ‭ ‬لا‭ ‬يرثُه‭ ‬نظام‭. ‬سيرحلون‭ ‬ويبقى‭ ‬المذهب؛‭ ‬له‭ ‬مكانُه‭ ‬بين‭ ‬مذاهبِ‭ ‬الإسلام،‭ ‬لا‭ ‬صكًّا‭ ‬لسلطان،‭ ‬ولا‭ ‬مطيّةً‭ ‬لمشروع،‭ ‬ولا‭ ‬إرثًا‭ ‬لزمرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا