أعتز بكل فخر بانتمائي إلى هذا الصرح الوطني الشامخ، المجلس الأعلى للمرأة، الذي نراه اليوم شاهدًا على مسيرة حافلة بالإنجازات والمكتسبات التي تحققت للمرأة البحرينية، وعلى تجربة وطنية رائدة أصبحت محل تقدير وإشادة على المستوى الوطني والاقليمي والدولي.
ولهذا الشعور بالنسبة إلي بُعد خاص، حيث كان لي شرف الانتماء اليه، وأن أكون أول موظف ينضم إلى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للمرأة ويتولى منصبًا تنفيذيًا، وأن أكون ضمن الفريق الأول الذي شارك في مراحل التأسيس والبناء الأولى لهذا الصرح الوطني، وهي تجربة غنية أعتز بها كثيرًا، وأعتبرها واحدة من أهم محطات مسيرتي العملية .
مرحلة التأسيس والبدايات
كانت تلك البدايات تجربة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مرحلة مليئة بالحماس والشغف والرغبة في بناء مؤسسة وطنية جديدة وفريدة في أهدافها، تحمل اختصاصات نوعية ورسالة واضحة، وتتطلب بناء منظومة إدارية وفنية وتنظيمية متكاملة، وكانت المسؤولية كبيرة على الجميع، إلا أن الحماس والإيمان بأهمية المشروع والرؤية الوطنية التي قام عليها المجلس الأعلى للمرأة جعلت من تلك التحديات فرصة حقيقية للتعلم والبناء والإنجاز.
وأعتز بأنني كنت جزءًا من الفريق الإداري والفني في مرحلة التأسيس، وشاهدًا ومشاركًا في رحلة البناء ووضع اللبنات الأولى لصناعة هذه المؤسسة العريقة، ورسم ملامح عملها، وبناء آلياتها وترسيخ ثقافتها المؤسسية، وفي تأسيس بنيتها الإدارية والفنية والتنظيمية، التي انطلقت أعمالها من أسس دستورية وقانونية راسخة، مستندة إلى ثوابت وطنية واضحة، تمثلت في ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين والإرادة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، التي جعلت في إنشاء هذا الصرح الوطني أثرا بالغا في ترسيخ مكانة المرأة البحرينية وتعزيز حضورها ودورها في مسيرة التنمية الوطنية.
القيادة والرؤية: مدرسة في الإدارة وصناعة القرار
وفي قيادة هذه المسيرة، برز الدور الاستثنائي لصاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك البلاد المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، التي حملت منذ البداية رؤية واضحة وطموحة، وأدارت دفة هذه المسيرة بكل اقتدار ومسئولية وطنية، بهدف تلمس واقع المرأة البحرينية، ورصد احتياجاتها والوقوف على تحدياتها، والتفاكر المستمر في الوسائل والخيارات المتاحة لكيفية تذليل العقبات أمامها، وتوفير البيئة المناسبة لتعزيز مشاركتها وإسهامها في مختلف مجالات الحياة، واضعة تمكين المرأة البحرينية وتعزيز مكانتها في مقدمة الأولويات.
فمن خلال حضوري للعديد من اللقاءات واجتماعات العمل التي كانت تُعقد برئاسة صاحبة السمو الملكي، وذلك ضمن الفريق الفني للأمانة العامة للمجلس، كنت شاهدًا على ما تقوم به سموها وما تبذله من جهد في ادارة تلك الاجتماعات، وما تمتلكه من قدرة في تحويل الرؤية إلى عمل، كنت أراقب عن قرب ذلك المزيج المتميز من الحكمة والحنكة والصبر والدقة في إدارة الحوار، وملكة النقاش، لم تكن إدارة تلك الاجتماعات إدارة تقليدية، بل كانت بالنسبة إلي مدرسة متكاملة في القيادة والإدارة؛ مدرسة في الاستماع، والحوار، واستيعاب مختلف وجهات النظر، والتوافق والوضوح للوصول الى التوجيهات والقرارات المناسبة لصالح المرأة البحرينية، وما يميز هذه المدرسة القيادية أنها لم تكن تقوم على إصدار التوجيهات وإنما على فهم التفاصيل، والاستماع إلى المختصين، ومناقشة البدائل، ثم اتخاذ القرار الذي يخدم الهدف الوطني.
الإنجازات: مسيرة ربع قرن من العمل المؤسسي
وعلى مدى خمسة وعشرين عامًا، تحولت تلك البدايات الى مسيرة مؤسسية راسخة، وأصبحت معها أروقة ومكاتب وقاعات الأمانة العامة للمجلس الأعلى للمرأة شعلة متواصلة من النشاط والعمل الدؤوب. لم تكن هناك مساحة للجمود أو الاكتفاء بما تحقق، بل كان هناك حضور دائم وبحث مستمر، ونشاط اعلامي، ودراسة ومتابعة للخطط الوطنية ومبادراتها، ورصد للمؤشرات المتعلقة بالمرأة، والعمل على تعزيز حضورها في مختلف المجالات والمواقع والتخصصات.
ومن أبرز ما يميز هذه التجربة أن العمل من أجل المرأة البحرينية لم يكن محصورًا على الصعيد الوطني فحسب بل امتد إلى المحافل الإقليمية والدولية، حيث استطاعت مملكة البحرين أن تقدم نموذجًا متقدمًا ومتميزاً في مجال العمل المؤسسي لنهوض المرأة، حيث وصل صدى النموذج البحريني لتمكين وتقدم المرأة إلى المحافل الدولية وتبنته هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وحظيت التجربة البحرينية بإشادة وتقدير عالمي .
الخاتمة: اعتزاز مستمر
ومسيرة لا تنتهي
واليوم، واذ أستذكر خمسة وعشرين عامًا من مسيرة المجلس الأعلى للمرأة، فإنني لا أستذكر مجرد سنوات مضت، بل أستذكر مسيرة وطنية متكاملة بدأت بفكرة ورؤية، ثم تحولت إلى مؤسسة، ثم إلى سياسات واستراتيجيات ومبادرات، وصولًا إلى مكتسبات ملموسة أصبحت جزءًا من مسيرة التنمية في مملكة البحرين.
ان الإنجازات التي تحققت للمرأة البحرينية خلال هذه المسيرة الطويلة هي ثمرة تكامل بين الإرادة السياسية، والرؤية الوطنية، والعمل المؤسسي، والجهود المخلصة للكوادر الوطنية التي آمنت برسالة المجلس وعملت على تحقيق أهدافه.
وستبقى مرحلة التأسيس ذكرى عزيزة ومحطة أعتز بها طوال حياتي؛ فقد كان شرفًا لي بأن أكون ضمن الفريق الأول الذي شارك في وضع اللبنات الأولى لهذا الصرح، وأن أشهد عن قرب كيف تحولت الرؤية إلى واقع، والطموح إلى إنجاز، والعمل المؤسسي إلى مكتسبات حقيقية للمرأة البحرينية.
وإذا كان لي أن أختصر هذه التجربة في كلمة واحدة، فلن تكون سوى «الاعتزاز»؛ الاعتزاز بالانتماء إلى مؤسسة وطنية رائدة، والاعتزاز بالمشاركة في بداياتها، والاعتزاز بما وصلت إليه اليوم، والأهم من ذلك كله، الاعتزاز بالمرأة البحرينية التي أثبتت، عامًا بعد عام، أنها شريك أساسي في بناء الوطن ونهضته ومستقبله.
وستظل مسيرة المجلس الأعلى للمرأة شاهدًا حيًا على أن الاستثمار في المرأة هو استثمار في الوطن، وأن تمكينها ليس مجرد هدف مرحلي، بل خيارا وطنيا واستراتيجيا مستمرا، يعزز قدرة المجتمع على تحقيق المزيد من الإنجازات في الحاضر والمستقبل.
وتبقى أجمل الذكريات هي تلك التي نستطيع اليوم أن ننظر إليها ونقول: كنا هناك عندما بدأت الحكاية، وكنا جزءًا منها، وشهدنا كيف تحولت الفكرة إلى صرح يشهد له بالبنان، والإنجاز إلى مكتسبات راسخة للمرأة البحرينية والوطن.
مستشار شؤون الأمانة العامة بالمجلس الأعلى للمرأة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك