العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حدث 23 ثورة يوليو الكبير

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

ليس‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬تتعدد‭ ‬وتختلف‭ ‬الآراء‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬الأهواء‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬لأصحابها‭ ‬حول‭ ‬الأحداث‭ ‬الثورية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬تماما،‭ ‬ولا‭ ‬تُستثنى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬عام‭ ‬1952‭. ‬لأن‭ ‬الحكم‭ ‬الدقيق‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حدث‭ ‬تاريخي‭ ‬وتقييمه‭ ‬الموضوعي‭ ‬يتطلب‭ ‬شروطا‭ ‬عديدة،‭ ‬أهمها‭ ‬امتلاك‭ ‬الأدوات‭ ‬العلمية‭ ‬والمنهجية‭ ‬الرصينة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالحدث،‭ ‬وتقييم‭ ‬درجة‭ ‬المصداقية‭ ‬في‭ ‬مضامينها،‭ ‬ومدى‭ ‬اتساقها‭ ‬مع‭ ‬المصادر‭ ‬الأخرى،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬تركيب‭ ‬الحدث‭ ‬وتأريخه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬عمل‭ ‬أساتذة‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬مفكرين‭ ‬تمرسوا‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬وتمكنوا‭ ‬من‭ ‬التجرد‭ ‬العسير‭ ‬عن‭ ‬ذواتهم‭ ‬وأهوائها‭ ‬الأيديولوجية‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬أحداث‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬سياقاتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬بها،‭ ‬لهو‭ ‬بالفعل‭ ‬أمر‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الصعوبة،‭ ‬لأنك‭ ‬لو‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تركيب‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬بالكيفية‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬بها،‭ ‬وتعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬غمارها‭ -‬وخاصة‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬ثوريا‭ ‬بطبيعته‭- ‬بكل‭ ‬دقائقه،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬العوامل‭ ‬والضغوط‭ ‬السيكولوجية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬اتخذ‭ ‬خلاله‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬مصيرية‭ ‬حاسمة،‭ ‬فليس‭ ‬أمامك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تستعين‭ ‬بنظرية‭ ‬‮«‬السيناريو‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بتخليق‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مختلفة‭ ‬للكيفية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للحدث‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬وفقا‭ ‬لها‭.‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬تطرح‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفروض‭ ‬والأسئلة‭ ‬المهمة،‭ ‬مثل‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للحدث‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬وفقا‭ ‬لسيناريو‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭ ‬عما‭ ‬حدث؟‭ ‬وماذا‭ ‬عساها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬النتائج‭ ‬المحتملة‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مغايرة‭ ‬لما‭ ‬حدث،‭ ‬وتولدت‭ ‬في‭ ‬خضمه‭ ‬قرارات‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتباعدة‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬بالفعل؟‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬منها‭ ‬بتخطيط‭ ‬المستقبل‭ ‬الجديد‭ ‬للبلاد،‭ ‬أو‭ ‬بالتركيبة‭ ‬الداخلية‭ ‬لتنظيم‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬الذي‭ ‬فجر‭ ‬الثورة‭ ‬وتطلع‭ ‬أعضاؤه‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتشكل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬منهم،‭ ‬أو‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬باستبعاد‭ ‬شخصيات‭ ‬نافذة‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬الثوري‭ ‬باعتبارها‭ ‬الممسكة‭ ‬بزمام‭ ‬القوة‭ ‬وقيادة‭ ‬القوات،‭ ‬بحيث‭ ‬يتعذر‭ ‬مثلا‭ ‬على‭ ‬قائد‭ ‬الثورة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬معارضتها‭ ‬وإبعادها‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬من‭ ‬الظروف،‭ ‬خشية‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬وتعثر‭ ‬الثورة،‭ ‬أو‭ ‬تبدد‭ ‬آمالها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭. ‬

أقلب‭ ‬مرارا‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬والسيناريوهات‭ ‬كلما‭ ‬عاودتني‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التنقيب‭ ‬عن‭ ‬حدث‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬الثوري‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬والفترة‭ ‬التي‭ ‬تلته‭ ‬حتى‭ ‬وفاة‭ ‬قائدها‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬1970‭.‬

لا‭ ‬مفر‭ ‬للباحث‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬الى‭ ‬دار‭ ‬الكتب‭ ‬والمحفوظات‭ ‬كيما‭ ‬يطلع‭ ‬على‭ ‬الوثائق‭ ‬الرسمية‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬طبيعتها‭ ‬وأشكالها،‭ ‬حتى‭ ‬يستطيع‭ ‬إعادة‭ ‬نسج‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬وفقا‭ ‬لقواعد‭ ‬الاستدلال‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الوثائق،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬الأحاديث‭ ‬الإعلامية‭ ‬والكتابات‭ ‬الشخصية‭ ‬المتداولة‭ ‬التي‭ ‬حررها‭ ‬مؤلفوها‭ ‬تحت‭ ‬عناوين‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬مذكرات‭ ‬شخصية‭ ‬تعبر‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬عن‭ ‬تفاعلاتهم‭ ‬مع‭ ‬الأحداث،‭ ‬وليس‭ ‬عن‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تأثرهم‭ ‬بها،‭ ‬وعن‭ ‬انطباعاتهم‭ ‬وأحكامهم‭ ‬الذاتية‭ ‬عنها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذى‭ ‬ينزع‭ ‬عن‭ ‬كتاباتهم‭ ‬سمة‭ ‬المرجع‭ ‬التاريخي‭ ‬العلمي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬الاستئناس‭ ‬بها‭ ‬لتحليل‭ ‬خطاب‭ ‬كاتبها‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬مواقفه‭ ‬إزاء‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬محل‭ ‬البحث‭.‬

لا‭ ‬مراء‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬دخلت‭ ‬عهدا‭ ‬جديدا‭ ‬مختلفا‭ ‬عما‭ ‬سبقه،‭ ‬تجسدت‭ ‬ملامحه‭ ‬الثورية‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭: ‬التعليم‭ ‬المجاني‭ ‬لأبناء‭ ‬الشعب‭ ‬بكل‭ ‬طبقاته‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتشييد‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬قوية‭ ‬تجلت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المصانع‭ ‬الكبرى‭ ‬للحديد‭ ‬والأسمنت،‭ ‬وبناء‭ ‬السد‭ ‬العالي‭ ‬لري‭ ‬الأراضي‭ ‬وتوليد‭ ‬الكهرباء‭ ‬وتوصيلها‭ ‬إلى‭ ‬القرى،‭ ‬وبناء‭ ‬المدارس‭ ‬والمستشفيات‭ ‬للعلاج‭ ‬المجاني‭.. ‬إلخ‭.‬

ابتغت‭ ‬الثورة‭ ‬بهذه‭ ‬القرارات‭ ‬الثورية‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬وأهمها‭: ‬تذويب‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الطبقات،‭ ‬فأعادت‭ ‬توزيع‭ ‬ملكية‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬بغية‭ ‬إشراك‭ ‬الفلاحين‭ ‬المعدمين‭ ‬في‭ ‬ملكيتها،‭ ‬وقامت‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬التأميم‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يختلف‭ ‬معها‭ ‬ويوجه‭ ‬انتقادات‭ ‬لها‭.‬

الواقع‭ ‬أن‭ ‬الثورات‭ ‬التاريخية‭ ‬كلها‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬هذان‭ ‬الوجهان‭: ‬وجه‭ ‬يبتسم‭ ‬لمن‭ ‬كانت‭ ‬نعمة‭ ‬لهم،‭ ‬ووجه‭ ‬يتجهم‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬أضرت‭ ‬بمصالحهم‭. ‬ولا‭ ‬تكاد‭ ‬توجد‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التناقض،‭ ‬لأن‭ ‬قانونها‭ ‬الأسمى‭ ‬هو‭ ‬التغيير‭ ‬وقلب‭ ‬الأوضاع،‭ ‬ومهما‭ ‬علت‭ ‬إيجابياتها‭ ‬إلى‭ ‬أعنان‭ ‬السماء،‭ ‬فثمة‭ ‬من‭ ‬يعارضونها‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تقترن‭ ‬الثورات‭ ‬بأحداث‭ ‬وتحولات‭ ‬دراماتيكية‭. ‬تلك‭ ‬هي،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬هيجل،‭ ‬طبيعة‭ ‬الثورات،‭ ‬وفيها‭ ‬يكمن‭ ‬مكر‭ ‬التاريخ،‭ ‬‮«‬لأن‭ ‬التقدم‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬وقوع‭ ‬أحداث‭ ‬جسام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬روح‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا