ليس من الغريب أن تتعدد وتختلف الآراء على اختلاف الأهواء الأيديولوجية لأصحابها حول الأحداث الثورية الكبرى في التاريخ، فهذا أمر طبيعي تماما، ولا تُستثنى من هذه الأحداث ثورة 23 يوليو عام 1952. لأن الحكم الدقيق على أي حدث تاريخي وتقييمه الموضوعي يتطلب شروطا عديدة، أهمها امتلاك الأدوات العلمية والمنهجية الرصينة في تحقيق الوثائق التاريخية المتعلقة بالحدث، وتقييم درجة المصداقية في مضامينها، ومدى اتساقها مع المصادر الأخرى، من أجل إعادة تركيب الحدث وتأريخه بعد ذلك، وهذا ما يدخل في صميم عمل أساتذة التاريخ في المقام الأول، وإن لم يحل ذلك دون وجود مفكرين تمرسوا على استخدام هذه الأدوات وتمكنوا من التجرد العسير عن ذواتهم وأهوائها الأيديولوجية.
إن إعادة تشكيل أحداث الماضي في سياقاتها التاريخية، مع مراعاة كل الظروف المعقدة التي أحاطت بها، لهو بالفعل أمر غاية في الصعوبة، لأنك لو أردت أن تعيد تركيب الحدث التاريخي بالكيفية التي وقع بها، وتعيد إنتاج الظروف التي نشأ في غمارها -وخاصة عندما يكون هذا الحدث ثوريا بطبيعته- بكل دقائقه، مع الأخذ في الاعتبار العوامل والضغوط السيكولوجية والاجتماعية والسياسية التي كانت وراء ما اتخذ خلاله من قرارات مصيرية حاسمة، فليس أمامك إلا أن تستعين بنظرية «السيناريو»، أي أن تقوم بتخليق سيناريوهات مختلفة للكيفية التي يمكن للحدث أن يكون قد وقع وفقا لها.
ولا بد أيضا أن تطرح العديد من الفروض والأسئلة المهمة، مثل: هل كان من الممكن للحدث أن يقع وفقا لسيناريو آخر مختلف عما حدث؟ وماذا عساها أن تكون النتائج المحتملة لو كان قد وقع في سيناريوهات مغايرة لما حدث، وتولدت في خضمه قرارات مختلفة ومتباعدة تماما عن تلك التي اتخذت بالفعل؟ سواء فيما يتعلق منها بتخطيط المستقبل الجديد للبلاد، أو بالتركيبة الداخلية لتنظيم الضباط الاحرار الذي فجر الثورة وتطلع أعضاؤه فيما بعد إلى أن تتشكل الحكومة الجديدة منهم، أو فيما يتعلق باستبعاد شخصيات نافذة فرضت نفسها في التنظيم الثوري باعتبارها الممسكة بزمام القوة وقيادة القوات، بحيث يتعذر مثلا على قائد الثورة التفكير في معارضتها وإبعادها عن السلطة تحت أي ظرف من الظروف، خشية الخطأ في الحسابات وتعثر الثورة، أو تبدد آمالها في بناء عهد جديد.
أقلب مرارا في ذهني كل هذه الأفكار والسيناريوهات كلما عاودتني رغبة في التنقيب عن حدث 23 يوليو الثوري عام 1952، والفترة التي تلته حتى وفاة قائدها جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر عام 1970.
لا مفر للباحث في ثورة يوليو من اللجوء الى دار الكتب والمحفوظات كيما يطلع على الوثائق الرسمية على اختلاف طبيعتها وأشكالها، حتى يستطيع إعادة نسج الحدث التاريخي وفقا لقواعد الاستدلال اعتمادا على هذه الوثائق، وليس على الأحاديث الإعلامية والكتابات الشخصية المتداولة التي حررها مؤلفوها تحت عناوين مختلفة في صورة مذكرات شخصية تعبر بلا شك عن تفاعلاتهم مع الأحداث، وليس عن الأحداث في حد ذاتها، بعيدا عن تأثرهم بها، وعن انطباعاتهم وأحكامهم الذاتية عنها، الأمر الذى ينزع عن كتاباتهم سمة المرجع التاريخي العلمي، وإن كان يمكن الاستئناس بها لتحليل خطاب كاتبها والتعرف على مواقفه إزاء الحدث التاريخي محل البحث.
لا مراء في أن مصر عقب اندلاع ثورة يوليو دخلت عهدا جديدا مختلفا عما سبقه، تجسدت ملامحه الثورية البارزة في مجالات واسعة النطاق: التعليم المجاني لأبناء الشعب بكل طبقاته الاجتماعية، وتشييد بنية تحتية قوية تجلت في بناء المصانع الكبرى للحديد والأسمنت، وبناء السد العالي لري الأراضي وتوليد الكهرباء وتوصيلها إلى القرى، وبناء المدارس والمستشفيات للعلاج المجاني.. إلخ.
ابتغت الثورة بهذه القرارات الثورية تحقيق أهدافها الوطنية التي قامت من أجلها، وأهمها: تذويب الفوارق بين الطبقات، فأعادت توزيع ملكية الأراضي الزراعية بغية إشراك الفلاحين المعدمين في ملكيتها، وقامت بعدد من إجراءات التأميم. بيد أن هذه القرارات كان من الطبيعي أن تجد من يختلف معها ويوجه انتقادات لها.
الواقع أن الثورات التاريخية كلها غالبا ما يكون لها هذان الوجهان: وجه يبتسم لمن كانت نعمة لهم، ووجه يتجهم من جانب من أضرت بمصالحهم. ولا تكاد توجد ثورة في التاريخ خلت من هذا التناقض، لأن قانونها الأسمى هو التغيير وقلب الأوضاع، ومهما علت إيجابياتها إلى أعنان السماء، فثمة من يعارضونها. وكثيرا ما تقترن الثورات بأحداث وتحولات دراماتيكية. تلك هي، كما يقول هيجل، طبيعة الثورات، وفيها يكمن مكر التاريخ، «لأن التقدم لا بد له من وقوع أحداث جسام من أجل تحقيق روح العالم».
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك