تتزايد الأدلة التي تشير إلى تلاشي ذلك الإجماع، الذي طال الحديث عنه، بين الحزبين الأمريكيين – الجمهوري والديمقراطي – حول دعم إسرائيل؛ إذ تظهر مؤشرات شبه يومية على رفضٍ – لا يقتصر على الناخبين الديمقراطيين فحسب، بل يمتد بشكل متزايد ليشمل المشرّعين الديمقراطيين المنتخبين أيضاً – للسلوك الإسرائيلي وللأساليب القسرية التي تستخدمها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لإجبار المسؤولين المنتخبين على تقديم دعم مطلق وغير مشروط لها، وقد جاءت الأحداث التي شهدتها الأيام القليلة الماضية لتؤكد هذا الأمر بوضوح.
وعندما اضطر المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين إلى الانسحاب بسبب مزاعم تتعلق بالاعتداء الجنسي، شعرت الجماعات المؤيدة لإسرائيل بالارتياح في البداية؛ نظراً لأنه كان من أشد المنتقدين للسياسات الإسرائيلية، وكان قد دعا إلى إلغاء المساعدات العسكرية المقدمة لها.
غير أن ذلك الشعور بالارتياح لم يدم طويلاً، إذ تبنى جميع المرشحين البارزين المتنافسين على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي المواقف ذاتها؛ حيث اتهموا إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، وطالبوا بوقف المساعدات العسكرية لها، ورفضوا الحصول على دعم من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
ومن الواضح أن مثل هذه المواقف اللافتة لم يكن يتبناها معظم هؤلاء المرشحين من قبل، لكنهم أصبحوا يدركون اليوم أن عليهم تبنيها الآن إذا ما أرادوا الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي وانتخابات شهر نوفمبر القادم.
لقد أصبح الديمقراطيون الساعون للفوز بالرئاسة أنفسهم يُبدون استعداداً للنأي بأنفسهم عن الإجماع الذي كان سائداً والمؤيد لإسرائيل؛ فقد ولّت الأيام التي كان يتعين فيها على المرشح القيام بزيارة «إلزامية» لإسرائيل للقاء رئيس الوزراء، ومواساة ضحايا العنف العربي، وزيارة حائط المبكى، إذ باتوا اليوم يتنافسون في إظهار مدى انتقادهم لها.
وفي الفترة الأخيرة سافر رام إيمانويل، وهو شخصية بارزة ومخضرمة في السياسة الأمريكية ومن الداعمين لإسرائيل، إلى تل أبيب لإلقاء خطاب حظي بتغطية إعلامية واسعة وتضمن انتقادات حادة للسياسة الإسرائيلية؛ إلا أن الأضواء انصرفت عن خطابه بسبب زيارة عضو الكونغرس رو خانا، وهو ديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، إلى الضفة الغربية، حيث تعرض للاحتجاز والمضايقة على يد مستوطنين إسرائيليين مسلحين اتسم سلوكهم بالتهديد والترهيب.
لقد حظي رو خانا خلال زيارته تلك بتغطية إعلامية تفوق تلك التي نالها خطاب «إيمانويل». ولا شك أن هذا الزخم سيستمر مع تنقّل رو خانا بين وسائل الإعلام لنقل شهادته المباشرة حول الظروف القمعية التي تطبع الحياة اليومية للفلسطينيين في ظل الاحتلال.
ونظراً لأن كلاً من «إيمانويل» و«خانا» يُعدان مرشحين محتملين للرئاسة، فإن اختيارهما جعل هذه الزيارات – وما تتضمنه من انتقاد للسياسات الإسرائيلية – ركيزةً أساسيةً في تحركاتهما السياسية الأولية، ويعكس بوضوحٍ تامٍ موقف الحزب الديمقراطي من هذه القضية.
وبعد بضعة أيام فقط، وفي واشنطن، عزز تصويتان في الكونغرس المؤشرات الدالة على حدوث تغيير؛ إذ شكل الديمقراطيون في مجلس الشيوخ جبهة موحدة لعرقلة مسعى جمهوري -حظي بدعم إسرائيل- كان يهدف إلى دمج أطر التعاون العسكري والاستخباراتي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وكان من شأن هذا المسعى أن يستبدل المساعدات المقدمة لإسرائيل بترتيبات تضمن التعاون والإنتاج المشترك للمعدات العسكرية، مما كان سيؤدي إلى تجريد الإدارات الأمريكية المستقبلية من القدرة على تقييد أي استخدام غير مقبول للإمدادات العسكرية الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، صوّت مجلس النواب على تعديل لقانون تفويض الدفاع الوطني كان من شأنه خفض حزمة المساعدات الأمريكية السنوية لإسرائيل، البالغة قيمتها 3.3 مليارات دولار.
وقد حظي هذا الإجراء بتأييد أغلبية بسيطة من الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس. ولم تكن أهمية الأمر تقتصر على عملية التصويت فحسب؛ بل كان الأهم والأكثر دلالة هو الكيفية التي وصل بها الديمقراطيون إلى هذه المرحلة من التصويت، وطريقة تعاملهم مع هذا الملف.
كان مشروع التعديل الرامي إلى إلغاء المساعدات السنوية لإسرائيل قد طُرح في بادئ الأمر من قِبَل عضو جمهوري خسر مؤخراً الانتخابات التمهيدية لحزبه، وذلك بسبب إنفاق جهات مؤيدة لإسرائيل مبلغ 12 مليون دولار ضده.
وقد أثارت موافقة رئيس مجلس النواب الجمهوري على طرح هذا التعديل للتصويت شكوكاً لدى بعض الديمقراطيين، إذ اعتبروه فخاً يهدف إلى الإضرار بموقفهم أمام المانحين المؤيدين لإسرائيل والناخبين اليهود في انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر القادم.
وفي مثل هذه المواقف، وعندما يكون من المقرر إجراء تصويت على قضايا مثيرة للجدل، تتولى قيادة الحزب في الكونغرس مهمة حشد الأعضاء للتصويت باتجاه معين. ونظراً لأن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب كان قد تلقى للتو تبرعاً كبيراً من جهات مؤيدة لإسرائيل لدعم انتخاب مرشحين ديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر القادم، فقد كان من المتوقع أن يحث أعضاء حزبه على التصويت ضد التعديل المقترح.
وبدلاً من ذلك، وإدراكاً منه للانقسام العميق داخل الحزب، فقد أعلن أنه -رغم عزمه التصويت ضد قرار خفض المساعدات- فإن المشرعين الديمقراطيين الآخرين يتمتعون بحرية التصويت وفقاً لما تمليه عليهم ضمائرهم.
ولعل ما كان له دلالة بالغة أيضاً أن كلاً من ثاني أرفع مسؤول ديمقراطي في مجلس النواب والزعيم الديمقراطي السابق قد صوّتا لصالح التعديل الرامي إلى خفض المساعدات.
وقد ألقى كل منهما خطابا برر فيه تصويته ضد تقديم المساعدات لإسرائيل، وأعرب عن استيائه الشديد من ممارسات إسرائيل، مؤكدا أنه لا ينبغي للولايات المتحدة الأمريكية أن تكون شريكة في تمويل ما ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة.
وقد عبر آخرون عن شعورهم بالاشمئزاز تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، في حين لفتت مجموعة كبيرة من الأعضاء الذين صوتوا لصالح التعديل إلى أن الأموال الموجهة لإسرائيل لقتل الفلسطينيين كان من الأجدر إنفاقها محلياً لدعم المدارس والرعاية الصحية وغيرها من الأولويات الداخلية.
ولم يكن من الممكن طرح أي من هذه الحجج حتى قبل بضع سنوات؛ ففي حين أن الرأي العام - ولا سيما في أوساط الديمقراطيين – طالما أبدى انتقادات للسياسات الإسرائيلية، إلا أن قلة قليلة فقط من المسؤولين المنتخبين كانوا يجهرون بمثل هذه الآراء.
ورغم أنهم ربما كانوا مستائين مما تقوم به إسرائيل وما تنتهجه من سياسات، فإنهم لم يجرؤوا على الإفصاح عن مخاوفهم علناً أو التصويت بما يخالف رغبات اللوبي المؤيد لإسرائيل، وهو تغيير يمكن تفسيره بعدة عوامل.
أولاً، لقد تابع الناخبون عمليات القتل الجماعي للفلسطينيين والدمار الذي لحق بقطاع غزة لحظةً بلحظة؛ إذ نقلت منصات التواصل الاجتماعي هذا الواقع مباشرةً إلى الجمهور، من دون أن يخضع لفلترة المعلقين في وسائل الإعلام التقليدية أو دعاة الدعاية السياسية.
ثانيا، وبنفس القدر من الأهمية، يسود الناخبين شعورٌ بالتمرد؛ إذ يرفض كل من الجمهوريين والديمقراطيين المؤسسات الحزبية التقليدية، وهذا هو السبب الذي مكّن دونالد ترامب من كسب تأييد أغلبية الجمهوريين.
وهذا ما يفسر السبب الذي جعل الديمقراطيين يديرون ظهورهم لنخب الحزب ومصالح أصحاب الأموال الطائلة التي هيمنت على مشهدهم السياسي عقودا؛ إذ يُعد رفض «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (أيباك)، ورفض «الأموال المظلمة»، وكسر المحظور المفروض على انتقاد إسرائيل، جزءاً من هذا التحول.
وفي ظل هذه التطورات، لا يسعني إلا أن أستعيد ذكريات تعود إلى أربعة عقود مضت، حين حُذِّرتُ من أنني إذا تفوهت بكلمة تبدأ بحرف «P» (في إشارة إلى كلمة «الفلسطينيين» – Palestinians) خلال مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1988، فسأكون مسؤولاً عن تدمير الحزب.
وعندما صرّحت بذلك في كلمتي أمام ذلك المؤتمر، طُلب مني الانسحاب من الحزب خشيةً من ردود الفعل العنيفة التي قد تترتب على ذلك. لقد جاء التغيير ببطء، ولكن لم يحدث ذلك إلا بعد أن دُمرت مسارات مهنية كثيرة وفقد العديد من الأبرياء حياتهم. نحن اليوم في وضع مختلف، ومن المهم أن ندرك ذلك.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك