العدد : ١٧٦٥٤ - الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٤ - الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

كل شيء في وقته

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬من‭ ‬ينتظر‭ ‬الوظيفة؟‮»‬‭ ‬تناولت‭ ‬ثقافة‭ ‬تربط‭ ‬مستقبل‭ ‬بعض‭ ‬الشباب‭ ‬بوظيفة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكأن‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬التخرج‭. ‬وما‭ ‬وصلني‭ ‬من‭ ‬تعليقات‭ ‬أعادني‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬يسبق‭ ‬الوظيفة‭ ‬والتخصص‭ ‬معاً‭: ‬متى‭ ‬يبدأ‭ ‬إعداد‭ ‬الإنسان‭ ‬لاختيار‭ ‬مستقبله؟

غالباً‭ ‬ما‭ ‬تتشكل‭ ‬الصورة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬البيت‭. ‬يسمع‭ ‬الطفل،‭ ‬بدافع‭ ‬الحب‭ ‬والحرص،‭ ‬أن‭ ‬مهنة‭ ‬بعينها‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً،‭ ‬وأن‭ ‬تخصصاً‭ ‬معيناً‭ ‬يضمن‭ ‬مستقبلاً‭ ‬أفضل،‭ ‬وأن‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬الأسرة‭ ‬هو‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭. ‬تتكرر‭ ‬هذه‭ ‬العبارات،‭ ‬فتؤثر‭ ‬في‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬وخياراته،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقصد‭ ‬أحد‭ ‬تضييقها‭.‬

فالأسرة‭ ‬تبحث‭ ‬لأبنائها‭ ‬عن‭ ‬الطمأنينة،‭ ‬وتنصحهم‭ ‬بما‭ ‬تعرفه‭ ‬وتثق‭ ‬به‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬سيدخله‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬تماماً‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬عرفناه؛‭ ‬فالمهن‭ ‬تتغير،‭ ‬والمهارات‭ ‬تتجدد،‭ ‬وتظهر‭ ‬فرص‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حاضرة‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬مناسباً‭ ‬بالأمس‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬الأنسب‭ ‬غداً‭.‬

وعندما‭ ‬يصل‭ ‬الطالب‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬يُطلب‭ ‬منه‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬قد‭ ‬يصاحبه‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭. ‬يرتب‭ ‬رغباته‭ ‬الجامعية،‭ ‬ويختار‭ ‬تخصصا‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقوده‭ ‬إلى‭ ‬مهنته‭ ‬المقبلة‭.‬

يبدو‭ ‬القرار‭ ‬وكأنه‭ ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬ملامحه‭ ‬تشكلت‭ ‬قبلها‭ ‬بسنوات‭.‬

وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬أعددنا‭ ‬هذا‭ ‬الطالب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب؟

فالنصيحة‭ ‬الجيدة‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬متأخرة،‭ ‬والمعلومة‭ ‬الصحيحة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تغيّر‭ ‬كثيراً‭ ‬إذا‭ ‬وصلت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الطالب‭ ‬قد‭ ‬حسم‭ ‬اختياره‭. ‬فجودة‭ ‬التوجيه‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬مضمونه،‭ ‬وإنما‭ ‬يصنع‭ ‬توقيته‭ ‬جانباً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬أثره‭.‬

فالطفل‭ ‬في‭ ‬سنواته‭ ‬الأولى‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحمله‭ ‬هم‭ ‬اختيار‭ ‬مهنة،‭ ‬وإنما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتسع‭ ‬صورته‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬وأن‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بمسمى‭ ‬وظيفي‭ ‬واحد،‭ ‬وأن‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬طريقاً‭ ‬قد‭ ‬يبدع‭ ‬فيه‭ ‬إذا‭ ‬وجد‭ ‬الفرصة‭ ‬ليجرب‭ ‬ويكتشف‭.‬

ومع‭ ‬تقدمه‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬تتغير‭ ‬حاجته‭. ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يخوض‭ ‬تجارب‭ ‬متنوعة،‭ ‬وأن‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬يجيده‭ ‬وما‭ ‬يستمتع‭ ‬به،‭ ‬وأن‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬التخصصات‭ ‬والمهن‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬صورتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتردد‭ ‬عنها‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬فقد‭ ‬حان‭ ‬وقت‭ ‬مختلف‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التخصصات‭ ‬والجامعات‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬الصحيح،‭ ‬لأنه‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬البناء،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭.‬

قد‭ ‬يختار‭ ‬طالب‭ ‬دراسة‭ ‬الطب‭ ‬لأنه‭ ‬أحب‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يُنادى‭ ‬يوماً‭ ‬بـ«الدكتور‮»‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخيل‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬الطويلة،‭ ‬أو‭ ‬المناوبات‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬حتى‭ ‬ساعات‭ ‬الفجر،‭ ‬أو‭ ‬المسؤولية‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬كل‭ ‬قرار،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬المهنة‭ ‬تتطلب‭ ‬استعداداً‭ ‬إنسانياً‭ ‬ونفسياً‭ ‬بقدر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬التفوق‭ ‬العلمي‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬قد‭ ‬يملك‭ ‬طالب‭ ‬آخر‭ ‬موهبة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬البرمجة‭ ‬أو‭ ‬التصميم‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬نفسه‭ ‬فرصة‭ ‬التفكير‭ ‬فيها‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يرها‭ ‬يوماً‭ ‬خياراً‭ ‬مطروحاً‭ ‬أمامه‭.‬

القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أفضلية‭ ‬مهنة‭ ‬على‭ ‬أخرى،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬مهنة‭ ‬طبيعتها،‭ ‬ولكل‭ ‬إنسان‭ ‬قدرات‭ ‬إذا‭ ‬التقت‭ ‬مع‭ ‬التوقيت‭ ‬الصحيح‭ ‬والمعرفة‭ ‬الصحيحة،‭ ‬أصبح‭ ‬الاختيار‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭.‬

وفي‭ ‬البحرين‭ ‬جهود‭ ‬مقدّرة‭ ‬في‭ ‬التوجيه‭ ‬وتنمية‭ ‬المهارات،‭ ‬وتزداد‭ ‬قيمتها‭ ‬حين‭ ‬تبدأ‭ ‬مبكراً،‭ ‬وترافق‭ ‬الطالب‭ ‬مرحلة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى،‭ ‬بحيث‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يناسب‭ ‬عمره‭ ‬واحتياجه،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬تسبق‭ ‬أوانها‭ ‬أو‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬فواته‭.‬

وللأسرة‭ ‬دور‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭: ‬‮«‬ماذا‭ ‬ستصبح‭ ‬عندما‭ ‬تكبر؟‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأجدى‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يشدّك؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬تستمتع‭ ‬بفعله؟‭ ‬وأين‭ ‬ترى‭ ‬نفسك‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬العطاء؟‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬لا‭ ‬تختار‭ ‬المستقبل،‭ ‬لكنها‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬بنائه‭.‬

فالاختيار‭ ‬الواعي‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬تصنعه‭ ‬استمارة‭ ‬الرغبات،‭ ‬ولا‭ ‬لقاء‭ ‬تعريفي،‭ ‬ولا‭ ‬معرض‭ ‬مهني‭. ‬إنه‭ ‬حصيلة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬والتجربة‭ ‬والحوار‭.‬

وحين‭ ‬يصل‭ ‬الطالب‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬الاختيار‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬وعرف‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سيسلكه،‭ ‬يصبح‭ ‬قراره‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬وعياً،‭ ‬وأقرب‭ ‬إلى‭ ‬النجاح‭.‬

لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نختار‭ ‬المستقبل‭ ‬لأبنائنا،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬ذلك‭. ‬ما‭ ‬نستطيع‭ ‬فعله‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬لكل‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬يناسبها،‭ ‬فلا‭ ‬نسبق‭ ‬الوقت،‭ ‬ولا‭ ‬نتأخر‭ ‬عنه‭.‬

لأن‭ ‬بعض‭ ‬القرارات‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬أكثر،‭ ‬وإنما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬تلك‭ ‬المعلومات‭... ‬في‭ ‬وقتها‭.‬

فكل‭ ‬شيء‭ ‬‭ ‬في‭ ‬وقته‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا