في المقال السابق «من ينتظر الوظيفة؟» تناولت ثقافة تربط مستقبل بعض الشباب بوظيفة واحدة، وكأن الحياة العملية تبدأ بعد التخرج. وما وصلني من تعليقات أعادني خطوة إلى الوراء، إلى سؤال يسبق الوظيفة والتخصص معاً: متى يبدأ إعداد الإنسان لاختيار مستقبله؟
غالباً ما تتشكل الصورة الأولى في البيت. يسمع الطفل، بدافع الحب والحرص، أن مهنة بعينها أكثر أماناً، وأن تخصصاً معيناً يضمن مستقبلاً أفضل، وأن الطريق الذي عرفته الأسرة هو الأقرب إلى الاستقرار. تتكرر هذه العبارات، فتؤثر في نظرته إلى نفسه وخياراته، من دون أن يقصد أحد تضييقها.
فالأسرة تبحث لأبنائها عن الطمأنينة، وتنصحهم بما تعرفه وتثق به. غير أن العالم الذي سيدخله الجيل الجديد لا يشبه تماماً العالم الذي عرفناه؛ فالمهن تتغير، والمهارات تتجدد، وتظهر فرص في مجالات لم تكن حاضرة قبل سنوات قليلة. وما كان مناسباً بالأمس قد لا يكون هو الأنسب غداً.
وعندما يصل الطالب إلى المرحلة الثانوية، يُطلب منه اتخاذ قرار قد يصاحبه سنوات طويلة. يرتب رغباته الجامعية، ويختار تخصصا يفترض أن يقوده إلى مهنته المقبلة.
يبدو القرار وكأنه وُلد في تلك اللحظة، مع أن ملامحه تشكلت قبلها بسنوات.
وهنا يأتي السؤال: هل أعددنا هذا الطالب في الوقت المناسب؟
فالنصيحة الجيدة قد تأتي متأخرة، والمعلومة الصحيحة قد لا تغيّر كثيراً إذا وصلت بعد أن يكون الطالب قد حسم اختياره. فجودة التوجيه لا تتوقف على مضمونه، وإنما يصنع توقيته جانباً كبيراً من أثره.
فالطفل في سنواته الأولى لا يحتاج إلى أن نحمله هم اختيار مهنة، وإنما يحتاج إلى أن تتسع صورته عن العالم، وأن يعرف أن النجاح لا يرتبط بمسمى وظيفي واحد، وأن لكل إنسان طريقاً قد يبدع فيه إذا وجد الفرصة ليجرب ويكتشف.
ومع تقدمه في العمر، تتغير حاجته. يصبح من المهم أن يخوض تجارب متنوعة، وأن يشارك في أنشطة تكشف ما يجيده وما يستمتع به، وأن يبدأ في التعرف إلى طبيعة التخصصات والمهن بعيداً عن صورتها الاجتماعية أو ما يتردد عنها.
أما في المرحلة الثانوية، فقد حان وقت مختلف. هنا يصبح الحديث عن التخصصات والجامعات وسوق العمل في مكانه الصحيح، لأنه يأتي بعد سنوات من البناء، لا في بداية الطريق.
قد يختار طالب دراسة الطب لأنه أحب فكرة أن يُنادى يوماً بـ«الدكتور»، من دون أن يتخيل سنوات الدراسة الطويلة، أو المناوبات التي تمتد حتى ساعات الفجر، أو المسؤولية التي ترافق كل قرار، أو أن المهنة تتطلب استعداداً إنسانياً ونفسياً بقدر حاجتها إلى التفوق العلمي. وفي المقابل، قد يملك طالب آخر موهبة حقيقية في البرمجة أو التصميم أو البحث العلمي، لكنه لا يمنح نفسه فرصة التفكير فيها لأنه لم يرها يوماً خياراً مطروحاً أمامه.
القضية ليست في أفضلية مهنة على أخرى، وإنما في أن لكل مهنة طبيعتها، ولكل إنسان قدرات إذا التقت مع التوقيت الصحيح والمعرفة الصحيحة، أصبح الاختيار أكثر وعياً.
وفي البحرين جهود مقدّرة في التوجيه وتنمية المهارات، وتزداد قيمتها حين تبدأ مبكراً، وترافق الطالب مرحلة بعد أخرى، بحيث يحصل في كل مرحلة على ما يناسب عمره واحتياجه، لا على معلومات تسبق أوانها أو تأتي بعد فواته.
وللأسرة دور لا يقل أهمية. فبدلاً من أن يكون السؤال: «ماذا ستصبح عندما تكبر؟»، قد يكون من الأجدى أن نسأل: «ما الذي يشدّك؟ وما الذي تستمتع بفعله؟ وأين ترى نفسك قادراً على العطاء؟». هذه الأسئلة لا تختار المستقبل، لكنها تساعد على بنائه.
فالاختيار الواعي لا يحدث في يوم واحد، ولا تصنعه استمارة الرغبات، ولا لقاء تعريفي، ولا معرض مهني. إنه حصيلة سنوات من المعرفة والتجربة والحوار.
وحين يصل الطالب إلى لحظة الاختيار وقد عرف شيئاً عن نفسه، وعرف شيئاً عن الطريق الذي سيسلكه، يصبح قراره أكثر هدوءًا، وأكثر وعياً، وأقرب إلى النجاح.
لا نستطيع أن نختار المستقبل لأبنائنا، ولا ينبغي لنا ذلك. ما نستطيع فعله هو أن نقدم لكل مرحلة ما يناسبها، فلا نسبق الوقت، ولا نتأخر عنه.
لأن بعض القرارات لا تحتاج إلى معلومات أكثر، وإنما تحتاج إلى أن تصل تلك المعلومات... في وقتها.
فكل شيء … في وقته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك