العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

مساحة رمادية:
أنا وظلي

أحمد عبدالحميد

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

كان‭ ‬الإنسان‭ ‬قديمًا‭ ‬يلتفت‭ ‬إلى‭ ‬ظله،‭ ‬يراقبه‭ ‬وهو‭ ‬يسبقه‭ ‬حينًا‭ ‬ويتأخر‭ ‬عنه‭ ‬حينًا‭ ‬آخر،‭ ‬ثم‭ ‬يختفي‭ ‬مع‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬ليترك‭ ‬صاحبه‭ ‬وحيدًا‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭.‬

كان‭ ‬الظل‭ ‬رفيقًا‭ ‬صامتًا،‭ ‬لا‭ ‬ينافس‭ ‬صاحبه‭ ‬ولا‭ ‬يقوده،‭ ‬بل‭ ‬يذكّره‭ ‬فقط‭ ‬بأنه‭ ‬موجودا،‭ ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الإنسان‭ ‬منشغلا‭ ‬بظله،‭ ‬بل‭ ‬نسيه‭ ‬تمامًا‭.. ‬وربما‭ ‬نسي‭ ‬نفسه‭ ‬أيضًا‭.‬

حلّ‭ ‬محل‭ ‬الظل‭ ‬رفيق‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬يفارقه‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة؛‭ ‬يستيقظ‭ ‬عليه،‭ ‬ويحمله‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬وإلى‭ ‬المطاعم،‭ ‬وإلى‭ ‬المجالس،‭ ‬وحتى‭ ‬إلى‭ ‬غرف‭ ‬النوم،‭ ‬إنه‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي،‭ ‬تلك‭ ‬الشاشة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تحولت،‭ ‬بهدوء،‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬الأشياء‭ ‬حضورًا‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬انشغال‭ ‬بالتقنية،‭ ‬فالأرقام‭ ‬تكشف‭ ‬حجم‭ ‬التحول؛‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬أحدث‭ ‬التقارير‭ ‬الرقمية‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5‭.‬8‭ ‬مليارات‭ ‬شخص‭ ‬يستخدمون‭ ‬الهواتف‭ ‬المحمولة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وأن‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬تمثل‭ ‬نحو‭ ‬87‭% ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬الهاتف‭ ‬المستخدمة،‭ ‬فيما‭ ‬يقضي‭ ‬مستخدم‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬نحو‭ ‬3‭ ‬ساعات‭ ‬و46‭ ‬دقيقة‭ ‬يوميًا‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول‭ ‬وحده،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يقضيه‭ ‬أمام‭ ‬الحواسيب‭ ‬والشاشات‭ ‬الأخرى‭.‬

لكن‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الساعات‭.‬

القضية‭ ‬الأعمق‭ ‬أن‭ ‬الشاشة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬نستخدمها‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬فراغ،‭ ‬حتى‭ ‬اختفت‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬يلتقي‭ ‬فيها‭ ‬بنفسه‭.‬

لم‭ ‬نعد‭ ‬ننتظر‭ ‬في‭ ‬صالة‭ ‬المطار،‭ ‬أو‭ ‬عيادة‭ ‬الطبيب،‭ ‬أو‭ ‬المقهى،‭ ‬ونحن‭ ‬نتأمل‭ ‬الوجوه‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬أو‭ ‬نسترسل‭ ‬في‭ ‬التفكير،‭ ‬فما‭ ‬إن‭ ‬تمتد‭ ‬أيدينا‭ ‬إلى‭ ‬الجيوب‭ ‬حتى‭ ‬تفتح‭ ‬الشاشة‭ ‬أبوابها،‭ ‬فتملأ‭ ‬الفراغ،‭ ‬وتحتل‭ ‬اللحظة،‭ ‬وتحرم‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬التجول‭ ‬بحرية‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭.‬

فالإنسان‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يختار‭ ‬ما‭ ‬يشاهده،‭ ‬بينما‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬الخوارزميات‭ ‬أصبحت،‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا،‭ ‬تختار‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يراه،‭ ‬وما‭ ‬يقرأه،‭ ‬وما‭ ‬يثير‭ ‬غضبه‭ ‬أو‭ ‬إعجابه،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يشغل‭ ‬تفكيره‭. ‬

وكلما‭ ‬طال‭ ‬بقاؤه‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬ميوله،‭ ‬فتقدم‭ ‬له‭ ‬عالمًا‭ ‬يشبهه،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يضيّق‭ ‬أفقه،‭ ‬ويعيد‭ ‬تدوير‭ ‬الأفكار‭ ‬نفسها،‭ ‬ويجعله‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬يفكر‭ ‬بالطريقة‭ ‬ذاتها‭.‬

ولعل‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخشى‭ ‬الوحدة؛‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعيشها‭ ‬أصلا‭. ‬فكل‭ ‬لحظة‭ ‬صمت‭ ‬أصبحت‭ ‬فرصة‭ ‬لتصفح‭ ‬جديد،‭ ‬وكل‭ ‬دقيقة‭ ‬انتظار‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬بين‭ ‬مقاطع‭ ‬قصيرة،‭ ‬وأخبار‭ ‬متلاحقة،‭ ‬وتعليقات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

لقد‭ ‬سلبت‭ ‬منا‭ ‬الشاشة‭ ‬عادة‭ ‬التأمل؛‭ ‬تلك‭ ‬العادة‭ ‬التي‭ ‬وُلدت‭ ‬منها‭ ‬أفكار‭ ‬عظيمة،‭ ‬وكتب‭ ‬خالدة،‭ ‬واختراعات‭ ‬غيّرت‭ ‬حياة‭ ‬البشر،‭ ‬وقصائد‭ ‬بقيت‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭. ‬فالعقل‭ ‬يحتاج‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬الصمت،‭ ‬وإلى‭ ‬الشرود،‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬الفراغ‭ ‬بأفكاره،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يُملأ‭ ‬له‭ ‬باستمرار‭.‬

ولا‭ ‬أحد‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬هجر‭ ‬التقنية‭ ‬أو‭ ‬إعلان‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الهواتف،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬منجزات‭ ‬العصر،‭ ‬وفتحت‭ ‬أمام‭ ‬الإنسان‭ ‬آفاقًا‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والعمل‭ ‬والتواصل‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬الوسيلة‭ ‬إلى‭ ‬قائد،‭ ‬ويصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬تابعًا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭.‬

ربما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ظل‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسير‭ ‬خلفه‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

ولعل‭ ‬أكثر‭ ‬المشاهد‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬غنائي‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مدرجات‭ ‬مباراة‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬فتجد‭ ‬آلاف‭ ‬الأيدي‭ ‬مرفوعة،‭ ‬لا‭ ‬للتصفيق‭ ‬أو‭ ‬التشجيع،‭ ‬بل‭ ‬لحمل‭ ‬الهواتف،‭ ‬الجميع‭ ‬يحدق‭ ‬في‭ ‬الشاشات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يشاهدون‭ ‬الحدث‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬لا‭ ‬أمامهم،‭ ‬يسابقون‭ ‬اللحظة‭ ‬لتوثيقها،‭ ‬لكنهم،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يشعرون،‭ ‬يفقدون‭ ‬متعة‭ ‬عيشها‭.‬

ينشغلون‭ ‬بحفظ‭ ‬الذكرى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الذكرى،‭ ‬وبالاحتفاظ‭ ‬بالصورة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالإحساس‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أي‭ ‬شاشة‭ ‬نقله،‭ ‬وكأننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬نعيش‭ ‬الحياة‭ ‬لننشرها،‭ ‬لا‭ ‬لنحياها‭.‬

صرنا‭ ‬نوثق‭ ‬اللحظة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نعيشها،‭ ‬ونحتفظ‭ ‬بصورتها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نحتفظ‭ ‬بأثرها‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عنده‭:‬

هل‭ ‬مازلنا‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬نقود‭ ‬هذه‭ ‬الشاشة‭.. ‬أم‭ ‬أنها،‭ ‬بصمت،‭ ‬أصبحت‭ ‬تقودنا؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا