كان الإنسان قديمًا يلتفت إلى ظله، يراقبه وهو يسبقه حينًا ويتأخر عنه حينًا آخر، ثم يختفي مع غروب الشمس ليترك صاحبه وحيدًا مع نفسه.
كان الظل رفيقًا صامتًا، لا ينافس صاحبه ولا يقوده، بل يذكّره فقط بأنه موجودا، أما اليوم، فلم يعد الإنسان منشغلا بظله، بل نسيه تمامًا.. وربما نسي نفسه أيضًا.
حلّ محل الظل رفيق جديد لا يفارقه لحظة واحدة؛ يستيقظ عليه، ويحمله معه إلى العمل، وإلى المطاعم، وإلى المجالس، وحتى إلى غرف النوم، إنه الهاتف الذكي، تلك الشاشة الصغيرة التي تحولت، بهدوء، إلى أكثر الأشياء حضورًا وتأثيرًا في حياتنا.
ولم يعد الأمر مجرد انشغال بالتقنية، فالأرقام تكشف حجم التحول؛ إذ تشير أحدث التقارير الرقمية العالمية إلى أن أكثر من 5.8 مليارات شخص يستخدمون الهواتف المحمولة حول العالم، وأن الهواتف الذكية تمثل نحو 87% من أجهزة الهاتف المستخدمة، فيما يقضي مستخدم الإنترنت في المتوسط نحو 3 ساعات و46 دقيقة يوميًا على الإنترنت عبر الهاتف المحمول وحده، فضلًا عن الوقت الذي يقضيه أمام الحواسيب والشاشات الأخرى.
لكن القضية ليست في عدد الساعات.
القضية الأعمق أن الشاشة لم تعد مجرد وسيلة نستخدمها عند الحاجة، بل أصبحت حاضرة في كل لحظة فراغ، حتى اختفت من حياتنا تلك اللحظات الصامتة التي كان الإنسان يلتقي فيها بنفسه.
لم نعد ننتظر في صالة المطار، أو عيادة الطبيب، أو المقهى، ونحن نتأمل الوجوه من حولنا أو نسترسل في التفكير، فما إن تمتد أيدينا إلى الجيوب حتى تفتح الشاشة أبوابها، فتملأ الفراغ، وتحتل اللحظة، وتحرم العقل من فرصة التجول بحرية.
وهنا تكمن المفارقة.
فالإنسان يعتقد أنه هو من يختار ما يشاهده، بينما الواقع أن الخوارزميات أصبحت، شيئًا فشيئًا، تختار له ما يراه، وما يقرأه، وما يثير غضبه أو إعجابه، بل ما يستحق أن يشغل تفكيره.
وكلما طال بقاؤه أمام الشاشة ازدادت قدرتها على معرفة ميوله، فتقدم له عالمًا يشبهه، لكنه في الوقت نفسه يضيّق أفقه، ويعيد تدوير الأفكار نفسها، ويجعله يظن أن العالم كله يفكر بالطريقة ذاتها.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان لم يعد يخشى الوحدة؛ لأنه لم يعد يعيشها أصلا. فكل لحظة صمت أصبحت فرصة لتصفح جديد، وكل دقيقة انتظار تحولت إلى رحلة بين مقاطع قصيرة، وأخبار متلاحقة، وتعليقات لا تنتهي.
لقد سلبت منا الشاشة عادة التأمل؛ تلك العادة التي وُلدت منها أفكار عظيمة، وكتب خالدة، واختراعات غيّرت حياة البشر، وقصائد بقيت عبر الزمن. فالعقل يحتاج أحيانًا إلى الصمت، وإلى الشرود، وإلى أن يملأ الفراغ بأفكاره، لا أن يُملأ له باستمرار.
ولا أحد يدعو إلى هجر التقنية أو إعلان الحرب على الهواتف، فهي من أعظم منجزات العصر، وفتحت أمام الإنسان آفاقًا واسعة في المعرفة والعمل والتواصل. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى قائد، ويصبح الإنسان تابعًا لها من دون أن يشعر.
ربما لم يعد ظل الإنسان هو الذي يسير خلفه كما كان في الماضي.
ولعل أكثر المشاهد تعبيرًا عن هذا التحول أن تقف في حفل غنائي أو على مدرجات مباراة لكرة القدم، فتجد آلاف الأيدي مرفوعة، لا للتصفيق أو التشجيع، بل لحمل الهواتف، الجميع يحدق في الشاشات الصغيرة، وكأنهم يشاهدون الحدث من خلالها لا أمامهم، يسابقون اللحظة لتوثيقها، لكنهم، من حيث لا يشعرون، يفقدون متعة عيشها.
ينشغلون بحفظ الذكرى أكثر من صناعة الذكرى، وبالاحتفاظ بالصورة أكثر من الاحتفاظ بالإحساس الذي لا تستطيع أي شاشة نقله، وكأننا أصبحنا نعيش الحياة لننشرها، لا لنحياها.
صرنا نوثق اللحظة أكثر مما نعيشها، ونحتفظ بصورتها أكثر مما نحتفظ بأثرها في الذاكرة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:
هل مازلنا نحن من نقود هذه الشاشة.. أم أنها، بصمت، أصبحت تقودنا؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك