العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

التحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

اطلعت‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭ ‬القيّمة‭ ‬التي‭ ‬أعدها‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالرحيم‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الساعاتي‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬القانون‭ ‬والتشريعات‭ ‬الإسلامية‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬معهد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2026،‭ ‬وقد‭ ‬شدني‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬مبتكرة‭ ‬تفتح‭ ‬أفقاً‭ ‬جديداً‭ ‬أمام‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬حقل‭ ‬معرفي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬أدوات‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديثة‭ ‬ومقاصد‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬بيان‭ ‬الحكم‭ ‬الشرعي‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬آثاره‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتنموية‭ ‬بصورة‭ ‬علمية‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭.‬

وتنطلق‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬مهمة،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬الظواهر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬أو‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التكامل‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والدينية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬برز‭ ‬علم‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للقانون‭ (‬Law‭ ‬and‭ ‬Economics‭) ‬الذي‭ ‬يدرس‭ ‬كيف‭ ‬تؤثر‭ ‬التشريعات‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬وكفاءة‭ ‬الأسواق‭ ‬والاستثمار‭ ‬وتكاليف‭ ‬المعاملات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬توظيفه‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬التشريعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬أيضاً،‭ ‬ولكن‭ ‬ضمن‭ ‬إطارها‭ ‬العقدي‭ ‬والشرعي‭ ‬الخاص‭. ‬وتقدم‭ ‬الدراسة‭ ‬إضافة‭ ‬فكرية‭ ‬لافتة‭ ‬حين‭ ‬تميز‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للقانون‭ ‬الوضعي‭ ‬والتحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للتشريعات‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬فالأول‭ ‬يجعل‭ ‬معيار‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتعظيم‭ ‬المنفعة‭ ‬المادية‭ ‬غايته‭ ‬الأساسية،‭ ‬بينما‭ ‬ينطلق‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬مقاصد‭ ‬الشريعة،‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬أدوات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وسيلة‭ ‬لفهم‭ ‬آثار‭ ‬الأحكام‭ ‬الشرعية‭ ‬وليس‭ ‬للحكم‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬تعديلها‭. ‬وهذا‭ ‬التفريق‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية‭ ‬لأنه‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬المرجعية‭ ‬الشرعية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬المناهج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬قياس‭ ‬النتائج‭ ‬الواقعية‭ ‬للتشريعات‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬فإن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬طرحها‭ ‬النظري،‭ ‬وإنما‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفتحه‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬بحثية‭ ‬تطبيقية‭ ‬جديدة‭. ‬فالعالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬يحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬كمية‭ ‬تقيس‭ - ‬بالأرقام‭ ‬والمؤشرات‭ - ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لتحريم‭ ‬الربا،‭ ‬والزكاة،‭ ‬والوقف،‭ ‬وأحكام‭ ‬الإفلاس،‭ ‬والشفعة،‭ ‬ومنع‭ ‬الاحتكار،‭ ‬والغرر،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأحكام،‭ ‬ومدى‭ ‬انعكاسها‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الثروة،‭ ‬وتحفيز‭ ‬الاستثمار،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬لقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لأن‭ ‬ينتقل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الدفاع‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬البرهنة‭ ‬العلمية‭ ‬المدعومة‭ ‬بالبيانات‭ ‬والنماذج‭ ‬القياسية‭.‬

وتنسجم‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬مع‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العالمية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المؤسسي‭ (‬Institutional‭ ‬Economics‭)‬،‭ ‬واقتصاد‭ ‬السلوك‭ (‬Behavioral‭ ‬Economics‭)‬،‭ ‬وتحليل‭ ‬الأثر‭ ‬التنظيمي‭ (‬Regulatory‭ ‬Impact‭ ‬Assessment‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬جميعها‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬أثر‭ ‬القوانين‭ ‬والتنظيمات‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬تستخدم‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬لتقييم‭ ‬سياساتها‭ ‬العامة،‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬أولى‭ ‬بذلك،‭ ‬لأنه‭ ‬يمتلك‭ ‬منظومة‭ ‬تشريعية‭ ‬متكاملة‭ ‬تمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬قرناً،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬قيمتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بمنهجية‭ ‬علمية‭ ‬معاصرة‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية‭. ‬فالمملكة‭ ‬تُعد‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬العواصم‭ ‬العالمية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والتمويل‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وتحتضن،‭ ‬هيئة‭ ‬المحاسبة‭ ‬والمراجعة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الإسلامية‭ (‬AAOIFI‭)‬،‭ ‬والمجلس‭ ‬العام‭ ‬للبنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الإسلامية‭ (‬CIBAFI‭)‬،‭ ‬والوكالة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية‭ ‬للتصنيف‭ ‬الائتماني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عشرات‭ ‬البنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الإسلامية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬البحرين‭ ‬تمتلك‭ ‬البيئة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والتشريعية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬المناسبة‭ ‬لتكون‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬العلمي‭ ‬الجديد،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬إنشاء‭ ‬برامج‭ ‬جامعية‭ ‬متخصصة،‭ ‬أو‭ ‬تأسيس‭ ‬مركز‭ ‬بحثي‭ ‬لإجراء‭ ‬دراسات‭ ‬تطبيقية‭ ‬حول‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للتشريعات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬أو‭ ‬إعداد‭ ‬مؤشرات‭ ‬دولية‭ ‬تقيس‭ ‬كفاءة‭ ‬هذه‭ ‬التشريعات‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬المالي‭. ‬إن‭ ‬ما‭ ‬طرحه‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالرحيم‭ ‬الساعاتي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬إضافة‭ ‬أكاديمية،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬بداية‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي،‭ ‬تنتقل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬توصيف‭ ‬الأحكام‭ ‬إلى‭ ‬قياس‭ ‬آثارها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بصورة‭ ‬علمية‭ ‬ومنهجية‭. ‬وإذا‭ ‬نجحت‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحوث‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬وتطويره،‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تسهم‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬بل‭ ‬ستعزز‭ ‬أيضاً‭ ‬المكانة‭ ‬العالمية‭ ‬للمملكة‭ ‬باعتبارها‭ ‬مركزاً‭ ‬للابتكار‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي‭ ‬والبحث‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتخصص‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا