اطلعت باهتمام كبير على الدراسة القيّمة التي أعدها الأستاذ الدكتور عبدالرحيم عبدالحميد الساعاتي بعنوان «التحليل الاقتصادي بين القانون والتشريعات الإسلامية»، والتي صدرت عن معهد الاقتصاد الإسلامي في يوليو 2026، وقد شدني ما تضمنته من أفكار مبتكرة تفتح أفقاً جديداً أمام الباحثين في الاقتصاد الإسلامي، من خلال الدعوة إلى تأسيس حقل معرفي يجمع بين أدوات التحليل الاقتصادي الحديثة ومقاصد الشريعة الإسلامية، بما يتيح الانتقال من الاقتصار على بيان الحكم الشرعي إلى دراسة آثاره الاقتصادية والتنموية بصورة علمية قابلة للقياس.
وتنطلق الدراسة من ملاحظة مهمة، وهي أن الاقتصاد المعاصر لم يعد قادراً على تفسير الظواهر الاقتصادية اعتماداً على العرض والطلب أو التحليل الاقتصادي التقليدي وحده، بل أصبح يحتاج إلى التكامل مع القانون والمؤسسات والقيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية. ومن هنا برز علم التحليل الاقتصادي للقانون (Law and Economics) الذي يدرس كيف تؤثر التشريعات في سلوك الأفراد وكفاءة الأسواق والاستثمار وتكاليف المعاملات، وهو ما يدعو الكاتب إلى توظيفه في دراسة التشريعات الإسلامية أيضاً، ولكن ضمن إطارها العقدي والشرعي الخاص. وتقدم الدراسة إضافة فكرية لافتة حين تميز بوضوح بين التحليل الاقتصادي للقانون الوضعي والتحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية؛ فالأول يجعل معيار الكفاءة الاقتصادية وتعظيم المنفعة المادية غايته الأساسية، بينما ينطلق الثاني من مقاصد الشريعة، بحيث تكون أدوات الاقتصاد وسيلة لفهم آثار الأحكام الشرعية وليس للحكم عليها أو تعديلها. وهذا التفريق في غاية الأهمية لأنه يحافظ على المرجعية الشرعية، وفي الوقت نفسه يستفيد من المناهج الاقتصادية الحديثة في قياس النتائج الواقعية للتشريعات. ومن وجهة نظري، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن فقط في طرحها النظري، وإنما فيما يمكن أن تفتحه من برامج بحثية تطبيقية جديدة. فالعالم الإسلامي يحتاج اليوم إلى دراسات كمية تقيس - بالأرقام والمؤشرات - الأثر الاقتصادي لتحريم الربا، والزكاة، والوقف، وأحكام الإفلاس، والشفعة، ومنع الاحتكار، والغرر، وغيرها من الأحكام، ومدى انعكاسها على الاستقرار المالي، وتوزيع الثروة، وتحفيز الاستثمار، والحد من الأزمات الاقتصادية. لقد آن الأوان لأن ينتقل الاقتصاد الإسلامي من مرحلة الدفاع النظري إلى مرحلة البرهنة العلمية المدعومة بالبيانات والنماذج القياسية.
وتنسجم هذه الرؤية مع الاتجاهات العالمية الحديثة في الاقتصاد المؤسسي (Institutional Economics)، واقتصاد السلوك (Behavioral Economics)، وتحليل الأثر التنظيمي (Regulatory Impact Assessment)، والتي أصبحت جميعها تركز على قياس أثر القوانين والتنظيمات على الأداء الاقتصادي. وإذا كانت الاقتصادات المتقدمة تستخدم هذه الأدوات لتقييم سياساتها العامة، فإن الاقتصاد الإسلامي أولى بذلك، لأنه يمتلك منظومة تشريعية متكاملة تمتد لأكثر من أربعة عشر قرناً، وتحتاج إلى إعادة اكتشاف قيمتها الاقتصادية بمنهجية علمية معاصرة.
أما بالنسبة إلى البحرين، فإن هذه الدراسة تكتسب أهمية استثنائية. فالمملكة تُعد إحدى أبرز العواصم العالمية للاقتصاد والتمويل الإسلامي، وتحتضن، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية (CIBAFI)، والوكالة الإسلامية العالمية للتصنيف الائتماني، إلى جانب عشرات البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية. ومن هنا فإن البحرين تمتلك البيئة الأكاديمية والتشريعية والمؤسسية المناسبة لتكون رائدة في تطوير هذا الحقل العلمي الجديد، سواء عبر إنشاء برامج جامعية متخصصة، أو تأسيس مركز بحثي لإجراء دراسات تطبيقية حول الأثر الاقتصادي للتشريعات الإسلامية، أو إعداد مؤشرات دولية تقيس كفاءة هذه التشريعات في تحقيق التنمية والاستقرار المالي. إن ما طرحه الدكتور عبدالرحيم الساعاتي لا يمثل مجرد إضافة أكاديمية، بل يمكن أن يشكل بداية لمرحلة جديدة في تطور الاقتصاد الإسلامي، تنتقل به من التركيز على توصيف الأحكام إلى قياس آثارها الاقتصادية بصورة علمية ومنهجية. وإذا نجحت الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات المالية، ولا سيما في البحرين، في تبني هذا التوجه وتطويره، فإنها لن تسهم فقط في إثراء الفكر الاقتصادي الإسلامي، بل ستعزز أيضاً المكانة العالمية للمملكة باعتبارها مركزاً للابتكار في صناعة التمويل الإسلامي والبحث الاقتصادي المتخصص.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك