كبرتُ وأنا أؤمن بأن الزمن يُهذّب الإنسان، وأكّدت لي تجارب الحياة المتراكمة أن الإنسانية تسير نحو الأفضل. لكن ما نراه اليوم يجعلني أتوقف طويلاً أمام هذا الإيمان، وأتساءل إن كنّا نتقدم حقاً، أم أننا فقط نُغيّر أشكال الخطأ من دون أن نتجاوزه.
يجلس المرء أحياناً أمام شاشة أو نافذة، وتتوالى عليه الافكار كأمواج لا تهدأ، فيسأل نفسه، كل هذا التقدم، وكل هذا العلم، وكل هذه القرون التي أثقّلت كاهل التاريخ، بِمَ أفادت؟ لماذا يبدو الإنسان، في أعماقه، كأنه لم يغادر كهفه الأول؟
التاريخ شاهد صادق. منذ فجر الحضارة والإنسان يبني ويهدم، يُعمّر ويُدمّر، يصنع القانون ويكسره، يكتب عن العدل ويمارس الظلم. تغيّرت الأدوات وتبدّلت اللغات وتعاقبت الإمبراطوريات، وبقي النمط واحداً ثابتاً: من يريد أن يأخذ ما ليس له، وضحية تدفع الثمن دائماً.
يتجنّب الإنسان أن يسأل نفسه إن كان الشر طبيعةً فيه، لأن السؤال يُحرجه. الفلاسفة تنازعوا فيه منذ قديم الزمان؛ رأى روسو أن الإنسان وُلد طيباً وأفسدته الحضارة، فيما ذهب هوبز إلى أن طبيعته شرسة بطبعها وأن الدولة وحدها تكبح جماحه عن نفسه.
والواقع أكثر تعقيداً من الرأيين معاً، إذ يحمل الإنسان في داخله طاقتين متصارعتين لا تهدأ المعركة بينهما: طاقة التعاطف وطاقة الهيمنة. وما الحضارة في أساسها إلا المحاولة الدائمة لإدارة هذا الصراع.
غير أن المشكلة ليست في وجود الشر وحده، إذ ثمة ما هو أخطر منه.. الشر المنظَّم. حين يرتدي الجشع ثوب السياسة، ويتسلّح الاستعلاء بالقانون، وتُصبح القوة مبرراً أخلاقياً لنفسها، يتجاوز الأمر حينها حدود النزعة العابرة في فرد ضعيف، ليتحوّل إلى منظومة تُعيد إنتاج ذاتها وتحميها. وهذا بالضبط ما شهدناه عبر الزمن.. الحروب لم تخضها وحوش، خاضها بشر عاديون، كثيرون منهم يحملون في بيوتهم حباً حقيقياً، لكنهم خرجوا يقتلون وهم يؤمنون أنهم على حق.
والأكثر إيلاماً من الجريمة هو الصمت المحيط بها. مستشفى يُقصف ويموت فيه أطفال والعالم يتابع من شاشاته ثم يواصل حياته في صباح اليوم التالي، وشعوب بأكملها تُهجَّر وتُعقد المؤتمرات للتنديد من دون أن تتحرك يد واحدة، تُباع في الوقت ذاته الأسلحة وتُشترى الضمائر وتُكتب التقارير لتُحفظ في الأدراج. عندها يتبيّن أن العلة تتجاوز الطاغي، لتمتد إلى نسيج العالم الذي يُتيح له أن يطغى.
نعم، تطوّر الدماغ البشري، وابتكر الإنسان الرياضيات والموسيقى والطب والفضاء. لكن النمو العقلي لم يترافق بالضرورة مع نضج أخلاقي موازٍ. وهنا تكمن المأساة الكبرى، أن العقل يُستخدم أحياناً لإتقان الظلم لا لرفعه، لإخضاع الضعيف لا لحمايته، بأساليب أكثر ذكاءً وأقل صخباً. الاستعمار القديم كان يأتي بالسيف معلناً، أما اليوم فيأتي بالفائدة المصرفية والاشتراطات الاقتصادية والنفوذ الخفي، والحصيلة واحدة: شعوب تُستنزف لخدمة مصالح غيرها.
ربما السر في المنظومة التي يختار الإنسان أن يعيش فيها. فالنجاح، حين يصبح مرادفاً للتراكم لا للعدل، في نظام يكافئ الجشع ويُعاقب الاعتراض، يجعل الظلم ناتجاً طبيعياً لا استثناءً. والمفارقة أن الرفاه نفسه لم يُنتج عدلاً؛ فكثير من أثرى دول الأرض هي من تبيع أكثرها أسلحة، وكثير من أرقى حكوماتها هي من تُغمض عينيها عن أشد مآسي العالم وضوحاً. كأن الأمان، متى صار امتيازاً خاصاً لا حقاً مشتركاً، يتحوّل صاحبه من إنسان يعرف معنى الخوف إلى شخص لم يعد يحتاج إلى أن يتخيّل ألم سواه.
يبقى شيء واحد لم تستطع كل هذه القرون أن تُميته تماماً: الضمير. ذلك الصوت الذي يأبى الصمت الكامل، القلقُ الذي يعتري الإنسان أمام صورة طفل جائع أو أم تبكي، والشعور الراسخ بأن ثمة خللاً جذرياً في هذا العالم.
لكن وزنه الحقيقي يبقى رهيناً بالتعبير عنه: موقف يُتّخذ، أو كلمة تُقال، أو رفض يُعلن، أو اختيار يومي واعٍ. فإن ظلّ حبيس الصدر، غدا الصمت عنه شراكةً هادئة في الجريمة الكبرى.
يسأل الإنسان هل يمكن أن يعيش العالم بسلام؟ الجواب اليقيني غائب عني، وأظن أن من يدّعي امتلاكه واهم. لكنني أعرف شيئاً واحداً، كل تحوّل حقيقي في التاريخ بدأ بإنسان عادي، بلا لقب ولا سلطة، قرر ألا يتواطأ مع الظلم بصمته، ورفض أن يكمل عشاءه وكأن شيئاً لم يكن.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك