العدد : ١٧٦٤٦ - الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٦ - الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أسئلة على هامش التاريخ

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

كبرتُ‭ ‬وأنا‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الزمن‭ ‬يُهذّب‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأكّدت‭ ‬لي‭ ‬تجارب‭ ‬الحياة‭ ‬المتراكمة‭ ‬أن‭ ‬الإنسانية‭ ‬تسير‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬يجعلني‭ ‬أتوقف‭ ‬طويلاً‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الإيمان،‭ ‬وأتساءل‭ ‬إن‭ ‬كنّا‭ ‬نتقدم‭ ‬حقاً،‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬فقط‭ ‬نُغيّر‭ ‬أشكال‭ ‬الخطأ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتجاوزه‭.‬

يجلس‭ ‬المرء‭ ‬أحياناً‭ ‬أمام‭ ‬شاشة‭ ‬أو‭ ‬نافذة،‭ ‬وتتوالى‭ ‬عليه‭ ‬الافكار‭ ‬كأمواج‭ ‬لا‭ ‬تهدأ،‭ ‬فيسأل‭ ‬نفسه،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التقدم،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬العلم،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬القرون‭ ‬التي‭ ‬أثقّلت‭ ‬كاهل‭ ‬التاريخ،‭ ‬بِمَ‭ ‬أفادت؟‭ ‬لماذا‭ ‬يبدو‭ ‬الإنسان،‭ ‬في‭ ‬أعماقه،‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يغادر‭ ‬كهفه‭ ‬الأول؟

التاريخ‭ ‬شاهد‭ ‬صادق‭. ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الحضارة‭ ‬والإنسان‭ ‬يبني‭ ‬ويهدم،‭ ‬يُعمّر‭ ‬ويُدمّر،‭ ‬يصنع‭ ‬القانون‭ ‬ويكسره،‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬العدل‭ ‬ويمارس‭ ‬الظلم‭. ‬تغيّرت‭ ‬الأدوات‭ ‬وتبدّلت‭ ‬اللغات‭ ‬وتعاقبت‭ ‬الإمبراطوريات،‭ ‬وبقي‭ ‬النمط‭ ‬واحداً‭ ‬ثابتاً‭: ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬له،‭ ‬وضحية‭ ‬تدفع‭ ‬الثمن‭ ‬دائماً‭.‬

يتجنّب‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭ ‬نفسه‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الشر‭ ‬طبيعةً‭ ‬فيه،‭ ‬لأن‭ ‬السؤال‭ ‬يُحرجه‭. ‬الفلاسفة‭ ‬تنازعوا‭ ‬فيه‭ ‬منذ‭ ‬قديم‭ ‬الزمان؛‭ ‬رأى‭ ‬روسو‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬وُلد‭ ‬طيباً‭ ‬وأفسدته‭ ‬الحضارة،‭ ‬فيما‭ ‬ذهب‭ ‬هوبز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬طبيعته‭ ‬شرسة‭ ‬بطبعها‭ ‬وأن‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها‭ ‬تكبح‭ ‬جماحه‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭.‬

والواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬الرأيين‭ ‬معاً،‭ ‬إذ‭ ‬يحمل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬طاقتين‭ ‬متصارعتين‭ ‬لا‭ ‬تهدأ‭ ‬المعركة‭ ‬بينهما‭: ‬طاقة‭ ‬التعاطف‭ ‬وطاقة‭ ‬الهيمنة‭. ‬وما‭ ‬الحضارة‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬إلا‭ ‬المحاولة‭ ‬الدائمة‭ ‬لإدارة‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الشر‭ ‬وحده،‭ ‬إذ‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخطر‭ ‬منه‭.. ‬الشر‭ ‬المنظَّم‭. ‬حين‭ ‬يرتدي‭ ‬الجشع‭ ‬ثوب‭ ‬السياسة،‭ ‬ويتسلّح‭ ‬الاستعلاء‭ ‬بالقانون،‭ ‬وتُصبح‭ ‬القوة‭ ‬مبرراً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬لنفسها،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأمر‭ ‬حينها‭ ‬حدود‭ ‬النزعة‭ ‬العابرة‭ ‬في‭ ‬فرد‭ ‬ضعيف،‭ ‬ليتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬تُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬ذاتها‭ ‬وتحميها‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬شهدناه‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.. ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬تخضها‭ ‬وحوش،‭ ‬خاضها‭ ‬بشر‭ ‬عاديون،‭ ‬كثيرون‭ ‬منهم‭ ‬يحملون‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬حباً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬لكنهم‭ ‬خرجوا‭ ‬يقتلون‭ ‬وهم‭ ‬يؤمنون‭ ‬أنهم‭ ‬على‭ ‬حق‭.‬

والأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬من‭ ‬الجريمة‭ ‬هو‭ ‬الصمت‭ ‬المحيط‭ ‬بها‭. ‬مستشفى‭ ‬يُقصف‭ ‬ويموت‭ ‬فيه‭ ‬أطفال‭ ‬والعالم‭ ‬يتابع‭ ‬من‭ ‬شاشاته‭ ‬ثم‭ ‬يواصل‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬وشعوب‭ ‬بأكملها‭ ‬تُهجَّر‭ ‬وتُعقد‭ ‬المؤتمرات‭ ‬للتنديد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬يد‭ ‬واحدة،‭ ‬تُباع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬الأسلحة‭ ‬وتُشترى‭ ‬الضمائر‭ ‬وتُكتب‭ ‬التقارير‭ ‬لتُحفظ‭ ‬في‭ ‬الأدراج‭. ‬عندها‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬العلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الطاغي،‭ ‬لتمتد‭ ‬إلى‭ ‬نسيج‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يُتيح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يطغى‭.‬

نعم،‭ ‬تطوّر‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري،‭ ‬وابتكر‭ ‬الإنسان‭ ‬الرياضيات‭ ‬والموسيقى‭ ‬والطب‭ ‬والفضاء‭. ‬لكن‭ ‬النمو‭ ‬العقلي‭ ‬لم‭ ‬يترافق‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬نضج‭ ‬أخلاقي‭ ‬موازٍ‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المأساة‭ ‬الكبرى،‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬يُستخدم‭ ‬أحياناً‭ ‬لإتقان‭ ‬الظلم‭ ‬لا‭ ‬لرفعه،‭ ‬لإخضاع‭ ‬الضعيف‭ ‬لا‭ ‬لحمايته،‭ ‬بأساليب‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاءً‭ ‬وأقل‭ ‬صخباً‭. ‬الاستعمار‭ ‬القديم‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬بالسيف‭ ‬معلناً،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فيأتي‭ ‬بالفائدة‭ ‬المصرفية‭ ‬والاشتراطات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنفوذ‭ ‬الخفي،‭ ‬والحصيلة‭ ‬واحدة‭: ‬شعوب‭ ‬تُستنزف‭ ‬لخدمة‭ ‬مصالح‭ ‬غيرها‭.‬

ربما‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬يختار‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭. ‬فالنجاح،‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬مرادفاً‭ ‬للتراكم‭ ‬لا‭ ‬للعدل،‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬يكافئ‭ ‬الجشع‭ ‬ويُعاقب‭ ‬الاعتراض،‭ ‬يجعل‭ ‬الظلم‭ ‬ناتجاً‭ ‬طبيعياً‭ ‬لا‭ ‬استثناءً‭. ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬الرفاه‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يُنتج‭ ‬عدلاً؛‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬أثرى‭ ‬دول‭ ‬الأرض‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تبيع‭ ‬أكثرها‭ ‬أسلحة،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬أرقى‭ ‬حكوماتها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تُغمض‭ ‬عينيها‭ ‬عن‭ ‬أشد‭ ‬مآسي‭ ‬العالم‭ ‬وضوحاً‭. ‬كأن‭ ‬الأمان،‭ ‬متى‭ ‬صار‭ ‬امتيازاً‭ ‬خاصاً‭ ‬لا‭ ‬حقاً‭ ‬مشتركاً،‭ ‬يتحوّل‭ ‬صاحبه‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬يعرف‭ ‬معنى‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬شخص‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتخيّل‭ ‬ألم‭ ‬سواه‭.‬

يبقى‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬القرون‭ ‬أن‭ ‬تُميته‭ ‬تماماً‭: ‬الضمير‭. ‬ذلك‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬يأبى‭ ‬الصمت‭ ‬الكامل،‭ ‬القلقُ‭ ‬الذي‭ ‬يعتري‭ ‬الإنسان‭ ‬أمام‭ ‬صورة‭ ‬طفل‭ ‬جائع‭ ‬أو‭ ‬أم‭ ‬تبكي،‭ ‬والشعور‭ ‬الراسخ‭ ‬بأن‭ ‬ثمة‭ ‬خللاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬وزنه‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبقى‭ ‬رهيناً‭ ‬بالتعبير‭ ‬عنه‭: ‬موقف‭ ‬يُتّخذ،‭ ‬أو‭ ‬كلمة‭ ‬تُقال،‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬يُعلن،‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬يومي‭ ‬واعٍ‭. ‬فإن‭ ‬ظلّ‭ ‬حبيس‭ ‬الصدر،‭ ‬غدا‭ ‬الصمت‭ ‬عنه‭ ‬شراكةً‭ ‬هادئة‭ ‬في‭ ‬الجريمة‭ ‬الكبرى‭.‬

يسأل‭ ‬الإنسان‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬العالم‭ ‬بسلام؟‭ ‬الجواب‭ ‬اليقيني‭ ‬غائب‭ ‬عني،‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يدّعي‭ ‬امتلاكه‭ ‬واهم‭. ‬لكنني‭ ‬أعرف‭ ‬شيئاً‭ ‬واحداً،‭ ‬كل‭ ‬تحوّل‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬بدأ‭ ‬بإنسان‭ ‬عادي،‭ ‬بلا‭ ‬لقب‭ ‬ولا‭ ‬سلطة،‭ ‬قرر‭ ‬ألا‭ ‬يتواطأ‭ ‬مع‭ ‬الظلم‭ ‬بصمته،‭ ‬ورفض‭ ‬أن‭ ‬يكمل‭ ‬عشاءه‭ ‬وكأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا