بصفتي صحفية أنحدر من قطاع غزة فقد عشتُ ظروف الإبادة الجماعية منذ اليوم الأول، ومازلتُ أحاول الحفاظ على قوتي ليس من أجل نفسي، بل من أجل الرسالة التي أؤمن بأنني خُلقتُ ووُلدتُ في قطاع غزة لأجلها؛ رسالة تتجاوز الألم الفردي لتصبح شهادةً للتاريخ على حقبةٍ بأكملها يُطمس فيها وجود الإنسان على مرأى ومسمع من العالم.
لا يمكننا اختزال ما مررنا به في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم في مجرد عبارات أو كلمات أو حتى مقال صحفي؛ فما عشناه -وما زلنا نعيشه- يمثل تاريخاً بأكمله يستحق التوثيق والنقل إلى أجيال المستقبل.
لقد تجاوز صمودنا في قطاع غزة كونه مجرد خبر عابر، ليصبح حالة إنسانية حاضرة في المحافل الدولية؛ ليس بوصفه استثناءً، بل بوصفه اختباراً قاسياً لجوهر الإنسانية ذاتها.
لم تمر أي عائلة في غزة بهذه المحنة من دون أن تكابد التهجير والجوع والخوف والألم والفقد. لقد طال الحزن والرعب والخوف جميع المنازل في غزة بلا استثناء، حتى تلك التي ظنت يوماً أنها ستكون في مأمن؛ فلا توجد عائلة لم تعش في الخيام، ولم تكوِها نيران الفراق، وقيظ الصيف، وبرد الشتاء، ووطأة انتظارٍ طويلٍ يبدو بلا نهاية.
في غزة، لم يعد النزوح مجرد حالة طارئة، بل صار نمط حياةٍ يُعاش على الحافة؛ فلم يعد الانتقال من مكان إلى آخر سعياً وراء الأمان فحسب، بل بحثاً عن فرصةٍ هشةٍ للبقاء على قيد الحياة. وفي كل مرة ظننا فيها أننا بلغنا «مكاناً أكثر أماناً»، كان الخوف يلاحقنا كظلٍ لا يفارقنا.
إن ما فعلته إسرائيل بنا، على مرأى ومسمع من العالم والمجتمع الدولي، دفعنا في غزة إلى إعادة ترتيب المفاهيم العالمية من جديد، كلمةً بكلمة ومعنىً بمعنى. لقد جعل الصمتُ والتواطؤُ السؤالَ أكثر إيلاماً وعمقاً: ما معنى العدالة؟ وما معنى القوانين الدولية؟ ولمصلحة من وُضعت هذه القوانين إن كانت لا تحمي من يُسحقون أمام أعين العالم؟
في غزة، لم تعد هذه الأسئلة فلسفية؛ بل أصبحت أسئلةً يوميةً تُطرح تحت القصف، وبين الأنقاض، وفي طوابير الخبز والماء، وداخل خيامٍ لا تقي من شيء. لقد بدأنا نبحث عن معنى العالم ذاته، لا مجرد تفسيرٍ لما يجري فيه.
صحفيون وأطباء ومسعفون وأطفال وعناصر الدفاع المدني ومسنون ونساء ومصابون بمتلازمة داون.. لم يسلم أحد من هذا الاحتلال. لقد وجد الجميع أنفسهم داخل دائرة الخطر، وكأن الحياة في غزة قد تحولت إلى هدفٍ مُباحٍ للجميع بلا استثناء.
هل يُسمح في أي مكان في العالم باقتحام المستشفيات وتخريبها وتدميرها وإحراقها أمام الكاميرات، ثم مطالبة العالم بالصمت؟ وفي أي مكان يُعتقل الأطباء ومديرو المستشفيات ويُحاكمون لمجرد محاولتهم أداء واجبهم الإنساني؟ وأي عالم هذا الذي يُقتل فيه الصحفيون -بل يُستهدفون في منازلهم وبين عائلاتهم- لمجرد أنهم حملوا كاميرا بدلاً من السلاح؟
لقد تجاوزت إسرائيل في هذه الحرب كل الخطوط الحمراء؛ ليس فقط من حيث حجم الدمار، بل في طبيعة الاستهداف ذاتها، وفي الإصرار على استمرار هذا المشهد رغم انكشافه التام أمام العالم. وهي ماضية في ذلك، وكأن الزمن لا يعني شيئاً، وكأن الألم يمكن استهلاكه بلا نهاية.
لم نكن قد سمعنا قط في أي مكان في العالم عن طفل يموت جوعاً، لكن إسرائيل فعلت ذلك في غزة. لم يكن الجوع هنا مجرد شعور عابر، بل حالة جماعية تُرسم على الوجوه قبل أن تنطق بها الكلمات، وتُقرأ في العيون قبل أن تظهر آثارها على الأجساد. كنا نسير في الشوارع بالكاد نتماسك من شدة الجوع، بينما كان الأطفال يبكون ليل نهار جراء مجاعة فُرضت علينا، ولم يكن أمامنا من خيار سوى الصبر أو الانهيار.
امتثلنا لأوامرهم وتوجهنا إلى المناطق التي وصفوها بـ«الإنسانية»، ومع ذلك قُتلنا هناك، وأُحرقت الخيام بمن فيها؛ وكأن فكرة «الملاذ» بحد ذاتها كانت جزءاً من الوهم، وكأن الأمان لم يكن سوى كلمة تُقال في البيانات، لا واقعاً ملموساً.
هل تذكرون الطفلة «وردة جلال الشيخ» التي ظهرت وسط ألسنة اللهب والنيران والجثث، بعد أن أُحرقت خيمتها جراء القصف الإسرائيلي وقُتل جميع أفراد عائلتها، بينما كانت تحاول النجاة في مشهدٍ يفوق الاحتمال؟ إنها صورة تختزل معنى أن يولد الإنسان في قلب النار من دون خيارٍ منه.
هل تذكرون زميلنا الصحفي أيمن الجادي، الذي كان ينتظر زوجته في غرفة الولادة، حين قتلته إسرائيل وهو ينتظر، في لحظة كان من المفترض أن تكون بداية الحياة لا نهايتها؟ كيف للعالم أن يستوعب أن الموت قد وصل حتى إلى أدق التفاصيل؟
كل هذا ليس استثناءً، بل مشاهد متكررة في زمنٍ بات فيه الاستثناء نفسه هو البقاء.
إن هذا الصمود الأسطوري بعد ألف يوم من الإبادة الجماعية لا يمكن أن يُقرأ كمجرد خبر، ولا أن يُختزل في تقرير؛ بل يجب أن يُدرّس في كتب التاريخ، لا بوصفه قصة حزينة فحسب، بل كإدانة صارخة للعالم بأسره، وشهادةً على شعبٍ لم يتوقف عن الحياة رغم كل محاولات محوه.
وفي النهاية، ها نحن لا نزال هنا.. نحاول أن نكتب، وأن نشهد، وأن نقول إن ما لم يُروَ بعد يفوق بكثير ما قيل.
{ كاتبة صحفية فلسطينية من غزة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك