حين يشتعل الحريق، لا يندفع العاقل إلى النار وهو يحمل نارًا أخرى. لا يواجه اللهب بما يشبهه، ولا يرفع درجة الاشتعال ظنًا منه أنه ينتصر. من يعرف طبيعة الحرائق يدرك أن السيطرة لا تبدأ من مطاردة الشرر، بل من فهم ما يغذّيه؛ من إغلاق مصدر الغاز، وعزل مساحة الخطر، ومنع امتداده، وترك الوقت يعمل تحت إدارة دقيقة ويدٍ خبيرة لا ترتبك أمام وهج اللحظة.
وهكذا تُدار الأزمات بين الدول. ليست كل ضربة تُقابل بضربة مشابهة في الشكل، ولا كل استفزاز يُجاب بما ينتظره المستفز. فبعض الاعتداءات لا تهدف إلى إحداث أثر مادي فحسب، بل تريد أن تصنع ردًّا متعجلًا، وأن تجرّ المنطقة إلى مساحة ملتهبة، وأن تجعل الغضب وقودًا إضافيًا لحريقٍ كان ينبغي خنقه قبل أن يتسع.
إن الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على مملكة البحرين لا يجوز التعامل معها بخفة أو تبرير أو تهوين. فهي مساس مرفوض بأمن دولة ذات سيادة، ومحاولة خطيرة لاختبار استقرارٍ بُني بالعقل والعمل والالتزام. غير أن خطورة الاعتداء لا تعني أن يكون الرد أسير الانفعال، ولا أن تتحول السياسة إلى مرآة للغضب. فالمسألة هنا ليست في أن نغضب أو لا نغضب؛ الغضب مفهوم حين يُمس أمن الوطن. المسألة الأهم: كيف نحول الغضب إلى قدرة تحمي الدولة، لا إلى شرارة توسّع دائرة الخطر؟
في الأيام الأخيرة، صادفت بعض الطروحات الإعلامية والتحليلية التي تدعو إلى التصعيد المباشر، وتطالب بأن يقابل الخليج الضربة بضربة، وأن تُدار المواجهة بمنطق «الحديد للحديد». هذه القراءة، وإن بدت حازمة في ظاهرها، تحمل قدرًا واضحًا من العاطفة أكثر مما تحمل من حسابات الدولة. فليس كل صوت مرتفع دليل شجاعة، وليس كل دعوة إلى الرد الفوري دليل فهم للمشهد. هناك فرق واسع بين من يقرأ الأزمة من خارج موقع المسؤولية، ومن يتحمل كلفة القرار على أرضٍ فيها أطفال ونساء ومدارس وبيوت وأسواق وموانئ ومسارات تنمية لا يجوز أن تُدفع كلها إلى فوهة الاشتعال.
إن حكامنا لا يديرون السياسة بمنطق الغضب، ولا يتركون أمن الشعوب رهينة لحظة انفعال. هم يعرفون أن الحكمة في الخليج ليست لينًا، بل خبرة متراكمة في النجاة من العواصف من دون أن تفقد السفينة اتجاهها. ويعرفون أن الصبر ليس تراجعًا، بل ضبطا محكما لإيقاع المواجهة. ويعرفون كذلك أن الحزم لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج كي يكون حاضرًا؛ فقد يكون أحيانًا في التوقيت، وفي تراكم الضغط، وفي توحيد الموقف، وفي حرمان المعتدي من المشهد الذي أراد أن يستدرجنا إليه.
لا أقول ذلك خوفًا من إيران أو من أذيالها، ولا أقوله تهاونًا مع اعتداء غاشم. أقوله حرصًا على البحرين، وعلى الخليج، وعلى أطفالنا، وعلى شعوبنا، وعلى دولنا، وعلى وحدتنا، وعلى المسيرة التي شُيّدت بالصبر والعمل والتنمية والأمن. فليس من الحكمة أن نمنح من يشعل النار فرصةً ليقول إن المنطقة كلها احترقت معه. وليس من الشجاعة أن نرد على الحريق بحريقٍ أكبر، ثم نبحث بعد ذلك عن ماءٍ لم يبقَ منه إلا الندم.
التصدي الحقيقي للاعتداءات لا يكون بالتراخي، ولا يكون بالاندفاع، يكون بما يشبه هندسة الإطفاء: عزل مصدر الخطر، خنق الغاز الذي يغذيه، مراقبة اتجاه الريح، حماية البيوت القريبة، ومنع الشرر من التحول إلى كارثة. وفي السياسة، يعني ذلك تعزيز الجاهزية الدفاعية، وتوثيق الانتهاك، وتوحيد الخطاب الخليجي، وتحريك المسارات الدبلوماسية والقانونية، وتحصين الجبهة الداخلية من الشائعات والاستفزاز، ورفع كلفة العدوان على من يمارسه من دون أن نمنحه مكسبًا دعائيًا أو ذريعةً لتوسيع الحريق.
إن الحريق لا ينطفئ دفعة واحدة. يحتاج إلى وقت، وإلى إدارة، وإلى صبرٍ يقظ، لا إلى تسرّع يفتح له منافذ جديدة. كذلك الأزمات مع إيران لا تُدار بخطاب غاضب، ولا بردٍّ واحد، ولا بمزايدات أمام الكاميرات، بل بمسار طويل يضيّق مساحة العبث، ويكشف الفاعل، ويحاصر أدواته، ويمنع تكرار الفعل. فالرد الأذكى ليس أن تفعل ما يتوقعه خصمك، بل أن تسحب منه القدرة على التحكم بإيقاعك.
إن السياسة حين تُدار بالعاطفة تتحول إلى متاهة. تبدأ بجملة حماسية، ثم تنتهي بسلسلة من الأثمان الثقيلة التي يدفعها الناس لا أصحاب العبارات. أما السياسة حين تُدار بعقل الدولة، فإنها تعرف كيف توازن بين الكرامة والمصلحة، وبين الردع والحكمة، وبين حفظ الحق ومنع الانزلاق. فالدولة ليست قصيدة غضب، والسيادة ليست صرخة عابرة، والأمن الوطني ليس ساحة لإرضاء المزاج العام، بل مسؤولية دقيقة لا تحتمل الارتجال.
نعم، يجب أن يكون الموقف واضحًا: الاعتداء مرفوض، والسيادة البحرينية ليست موضع اختبار، وأمن الخليج لا يُترك للمغامرين، ومن يهدد أمننا يجب أن يواجه كلفة سياسية وقانونية ودبلوماسية وأمنية محسوبة. لكن الوضوح لا يعني التهور، والحزم لا يعني الانفلات، والردع لا يعني أن نختار الساحة التي يريدها المعتدي. أحيانًا تكون أقوى ضربة هي أن تمنع خصمك من إشعال الجولة التي خطط لها، وأن تتركه محاصرًا بنتائج فعله لا متكئًا على رد فعلك.
من يريد التصعيد يريدنا أن نرى النار فقط، لا أن نبحث عن أنبوب الغاز. يريدنا أن نركض خلف ألسنة اللهب، لا أن نغلق مصدرها. يريدنا أن نغضب بالطريقة التي تخدم روايته، لا أن نتصرف بالطريقة التي تحفظ أوطاننا. وهنا تظهر قيمة القيادة الرشيدة: أن ترى ما وراء الدخان، وأن تفرّق بين الشرارة والمصدر، وأن تعرف أن حماية البحرين والخليج لا تكون بتوسيع دائرة النار، بل بمحاصرتها حتى تختنق.
الخليج لا يخشى المعتدي، لكنه لا يسلّمه مفاتيح قراره. لا يهادن العدوان، لكنه لا يترك الغضب يكتب سياسته. لا يقبل الإهانة، لكنه يعرف أن الكرامة تُحمى أحيانًا بأدواتٍ أكثر عمقًا من الرد العاجل. فالقوة ليست في أن تفعل الشيء الأسرع، بل في أن تفعل الشيء الأجدى. وليست في أن تُري خصمك غضبك، بل في أن تجعله يدفع ثمن خطئه من دون أن يدفع شعبك ثمن انفعالك.
خلاصة القول: إن الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين ودول الخليج تستوجب رفضًا صريحًا، وردعًا محسوبًا، وموقفًا خليجيًا متماسكًا، وإدارة أزمة لا تسمح للغضب أن يتحول إلى وقود. نحن لا نريد تصعيدًا يبتلع التنمية، ولا اندفاعًا يربك الأمن، ولا مواجهةً تُدار بمزاج اللحظة. لذلك فاللحظة الراهنة تتطلب حكمةً تحمي، وحزمًا يردع، وسياسةً تعرف أن إطفاء الحريق يبدأ من خنق الغاز لا من مطاردة اللهب. فمن أجل أطفالنا، وشعوبنا، ودولنا، ووحدتنا، ومسيرتنا في الأمن والبناء، يجب أن تبقى السياسة في يد العقلاء، فالحريق إذا أُدير بالحكمة انطفأ، وإذا أُدير بالعاطفة يمكن أن يبتلع البيت كله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك