العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نحو صفحة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية

بقلم: بشير البكر

الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

تجاوزت‭ ‬زيارة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السورية‭ ‬أسعد‭ ‬الشيباني‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬لبنان‭ ‬بُعدها‭ ‬البروتوكولي،‭ ‬لتذهب‭ ‬نحو‭ ‬فتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬البلدَين،‭ ‬تؤسّس‭ ‬لقطيعة‭ ‬مع‭ ‬الحقبة‭ ‬الأسدية،‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬وصاية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬سياسية‭ ‬مهمة،‭ ‬تزداد‭ ‬فيها‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬كي‭ ‬يعيد‭ ‬ارتكاب‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬الأسبق‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد‭ ‬عام‭ ‬1976،‭ ‬حينما‭ ‬أرسل‭ ‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭ ‬للتدخّل‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬الأهلي‭. ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينسحب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬هيمنة‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬المستقل،‭ ‬وكي‭ ‬يدوم‭ ‬له‭ ‬هذا‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬اللبنانيين‭ ‬وتأجيج‭ ‬النزاعات‭ ‬والحروب‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬ومنعهم‭ ‬من‭ ‬التفاهم‭ ‬على‭ ‬حلول‭ ‬بينية‭ ‬لمشكلاتهم‭.‬

نقلت‭ ‬زيارة‭ ‬الوزير‭ ‬السوري‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬وطرابلس،‭ ‬واللقاءات‭ ‬التي‭ ‬عقدها‭ ‬مع‭ ‬أهل‭ ‬الحكم،‭ ‬والمرجعيات‭ ‬السياسية‭ ‬والروحية،‭ ‬رسائل‭ ‬عدّة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الاعتراف‭ ‬الكامل‭ ‬بسيادة‭ ‬لبنان،‭ ‬وعدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونه‭ ‬الداخلية،‭ ‬وضبط‭ ‬الحدود‭ ‬والتعاون‭ ‬الأمني‭ ‬عبر‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وحل‭ ‬الملفات‭ ‬العالقة‭ ‬بالحوار‭ ‬والاتفاقات‭ ‬الثنائية،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمني‭ ‬أو‭ ‬السياسي‭.‬

وتحضر‭ ‬هنا‭ ‬مسألة‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬الذين‭ ‬هربوا‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬نظام‭ ‬بشّار‭ ‬الأسد،‭ ‬ويتجاوز‭ ‬عددهم‭ ‬مليوناً،‭ ‬وهم‭ ‬يشكلون‭ ‬ضغطاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وخدمياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬اللبنانية‭ ‬المحدودة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمات‭ ‬البلد‭ ‬المالية،‭ ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬إيجاد‭ ‬صيغة‭ ‬تفاهم‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬تدريجية‭ ‬طوعية‭ ‬منظمة‭ ‬بالتنسيق‭ ‬بين‭ ‬الحكومتَين،‭ ‬ومراعاة‭ ‬الضمانات‭ ‬الكافية‭ ‬للاجئين‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬فرص‭ ‬عودتهم‭ ‬ناجحة‭.‬

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك‭ ‬هناك‭ ‬قضية‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬وهي‭ ‬تتعلق‭ ‬بعدة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬جيش‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬وأمنه‭ ‬فروا‭ ‬إلى‭ ‬لبنان،‭ ‬وبعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬متهمون‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم،‭ ‬وقاموا‭ ‬بتهريب‭ ‬أموال‭ ‬سورية‭ ‬إلى‭ ‬لبنان،‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬يحظى‭ ‬بالرعاية‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬لبنانية‭ ‬ذات‭ ‬نفوذ‭.‬

ويشكل‭ ‬التقدّم‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬مفتاحاً‭ ‬لتسهيل‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الملفات‭ ‬الخاصة‭ ‬بترسيم‭ ‬الحدود‭ ‬البرّية‭ ‬ومزارع‭ ‬شبعا‭ ‬وقضايا‭ ‬المفقودين‭ ‬والمعتقلين‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬المدخل‭ ‬لتسوية‭ ‬ملف‭ ‬الفلول‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬مشتركة‭ ‬سياسية‭ ‬قانونية‭ ‬أمنية،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬البلدين،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يخرق‭ ‬سيادة‭ ‬لبنان،‭ ‬وألا‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬ملاذ‭ ‬لأي‭ ‬جماعة‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬سورية‭.‬

ويصبّ‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬البلدين‭ ‬انتقال‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬الوصاية‭ ‬إلى‭ ‬المصالح‭ ‬المتبادلة،‭ ‬ولن‭ ‬يجري‭ ‬هذا‭ ‬إلّا‭ ‬بالعمل‭ ‬بين‭ ‬المؤسّسات‭ ‬المشتركة،‭ ‬وهذه‭ ‬إحدى‭ ‬النتائج‭ ‬المهمة‭ ‬للزيارة،‭ ‬إذ‭ ‬جرى‭ ‬إعلان‭ ‬تشكيل‭ ‬‮«‬اللجنة‭ ‬العليا‭ ‬اللبنانية‭ - ‬السورية‭ ‬المشتركة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسّسي‭ ‬الأعلى‭ ‬للتشاور‭ ‬والتنسيق‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

وحتى‭ ‬تنجح‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة‭ ‬في‭ ‬عملها‭ ‬وتصبح‭ ‬إطارا‭ ‬مؤسّسياً‭ ‬لإدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬الندية،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬عملها‭ ‬ومنهجه‭ ‬اللجان‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬التبعية‭ ‬والفساد،‭ ‬وأن‭ ‬ينطلق‭ ‬عملها‭ ‬وفق‭ ‬ترتيب‭ ‬للأولويات‭ ‬بالانطلاق‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬خلية‭ ‬عمل‭ ‬مشتركة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬ميداني‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الوقت،‭ ‬وتكون‭ ‬لديها‭ ‬صلاحيات‭ ‬كاملة‭.‬

تقوم‭ ‬سياسة‭ ‬السلطة‭ ‬السورية‭ ‬الجديدة‭ ‬منذ‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬تغليب‭ ‬منطق‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬المحاور‭ ‬والصراعات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ومن‭ ‬منطلق‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬عدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬اللبنانية،‭ ‬وحصر‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬لبنان‭ ‬بالسلطات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬حزب‭ ‬لبناني‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬التحالف‭ ‬أو‭ ‬الخصومة،‭ ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬وقف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬السوري،‭ ‬وهنا‭ ‬العقدة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬إرث‭ ‬الماضي‭ ‬المثقل‭ ‬بالدماء‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نسيانه،‭ ‬لكن‭ ‬سورية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬غنى‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬العداء‭ ‬المفتوح‭.‬

{ كاتب‭ ‬وشاعر‭ ‬سوري‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا