العودة إلى الحرب المفتوحة على إيران غير متصورة بأي مدى منظور، والبقاء في المربع الحالي بين الهجمات المتقطعة والعودة الهشة إلى التفاوض لهو أمر شبه مستحيل.
كانت مذكرة التفاهم، بنصوصها وسياقها، اضطرارية تمامًا، تقبلها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» تحت ضغط المعارضة الداخلية، خشية خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية الوشيكة لمجلسي الكونجرس، متصورًا أنه يمكن تسويقها كإنجاز كبير فشل أن يحقق مثله الرئيس الأسبق «باراك أوباما»!
كان ذلك خداعًا للنفس قبل الآخرين، والحقائق داهمته بقسوتها.
رهاناته أخفقت في زحزحة الخطوط الحمراء الإيرانية، بالتوصل إلى صفقة تتيح له السيطرة على مضيق هرمز، وإنهاء المشروع النووي مقابل فك الحصار البحري عن موانئها، وإيقاف الحروب على جميع الجبهات، وخاصة اللبنانية، والإفراج عن الأموال المجمدة، التي تحتاج إليها طهران لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
كانت السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي اختبارًا أول، والمشروع النووي اختبارًا مؤجلًا للتفاوض عليه خلال ستين يومًا، والحرب على لبنان عقدة الموقف كله.
في اللحظة الحالية ينتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ضوءًا أخضر أمريكيًا لدخول حرب جديدة على إيران، لكن تعقيدات الحسابات الأمريكية تمنع مثل هذا السيناريو، الذي يتوقع أن يطرحه عند لقائهما قريبًا بالبيت الأبيض.
كان التورط في الحرب، بتحريض إسرائيلي، كارثيًا على الولايات المتحدة، صورتها ومصالحها، وعلى «ترامب» شخصيًا، وزنه واعتباره.
بدوره سوف يحاول إقناع حليفه الإسرائيلي أن عقد اتفاق سلام مع لبنان خيار أفضل وأكثر جدوى للأمن الإسرائيلي من حرب مفتوحة لا أمل في كسبها.
«مذكرة التفاهم انتهت».. كان ذلك تصريحًا ترامبيًا مثيرًا بنصه وتوقيته وموقعه، أطلقه من العاصمة التركية أنقرة، التي استضافت قمة جديدة لحلف «الناتو»، كأنها دعوة للحلفاء الغربيين المفترضين حتى يشاركوا في أي عمل عسكري يقدم عليه، بذريعة حماية حركة الملاحة في هرمز.
وقد وصلت حملة التصعيد إلى مستويات خطرة ومنذرة: «الإيرانيون أوغاد وحثالة وعنيفون». ومرة بعد أخرى توعد بضربات ساحقة تقوض سيطرتهم على هرمز، أو أي قدرة عسكرية لديهم تسمح بتعطيل الملاحة، أو فرض سيطرتهم على المضيق.
على مدى يومين متتاليين ضُربت مواقع إيرانية استراتيجية وعسكرية، قبل أن يعود ليفتح نافذة على العودة إلى التفاوض. وكعادته أوحى بأن الإيرانيين هم من طلبوا التفاوض مجددًا، مبدين استعدادًا لعقد صفقة معه وفق شروطه.
وقال ترامب: «إن الأمر لا يتعلق بتغيير النظام، لكننا لا نريد أن يحصلوا على سلاح نووي»، بالمقابل رد الإيرانيون بعبارات متحدية: «إنه لا يفهم غير لغة القوة»، «إذا كان هناك من يراهن على استسلامنا، فلن نفعل ذلك أبدًا»، بتعبير رئيس البرلمان «محمد باقر قاليباف».
حملت مشاهد تشييع جثمان المرشد الأعلى «على خامنئي» تحديًا ومباشرًا لـ«ترامب»، يؤكد قوة النظام وتجذره وتماسك جبهته الداخلية.
وأثناء حضوره قمة «الناتو» بدا مثيرًا أن يقول ترامب: «سوف أسأل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إذا ما كانا يريدان مواصلة التفاوض؟!»، كأنها مسألة شخصية تتعلق بإرادة من يريد، أو لا يريد، من كبار معاونيه!
كان الكلام مقصودًا، رغم عشوائيته البادية، أن يضرب مواقع وتمركزات عسكرية تساعد الحرس الثوري في إحكام سيطرته على هرمز، ثم يعود مرة أخرى إلى التفاوض، بمعنى أصح: إعادة التفاوض على مذكرة التفاهم لزحزحة الخطوط الحمراء الإيرانية.
هذا ما حدث وفق السيناريو المعتاد، لكنه من ليس واضحا ما إذا كان الإيرانيون سوف يقدمون أي تنازلات بشأن المضيق والسيطرة عليه.
موضوع التفاوض -هذه المرة- هو إعادة تفسير المادة الخامسة من مذكرة التفاهم بشأن حرية الملاحة في هرمز. فكلا الطرفين يتهم الآخر بخرق هذه المادة.
الحقيقة أن الأزمة ليست هنا، فالنص واضح وصريح، ولا توجد به التباسات تمنع الالتزام المتبادل. يقول الإيرانيون: «الالتزام مقابل الالتزام».
الأزمة لا يلخصها تفسير، أو آخر، لنص، أو آخر، في مذكرة التفاهم. لكن الأزمة تكمن -بالضبط- في الروح العامة للنص، لمجمل المذكرة، وتفسيرات وأهداف كلا الطرفين منها.
لقد تحدث الرئيس الأمريكي قائلا: «الحرب على إيران كانت ناجحة تمامًا. قمنا بتدمير الجيش الإيراني ورادارات الطائرات، وقضينا على قادتهم».
لم تمنع مثل هذه التصريحات، التي كررها «ترامب» في أنقرة، ولا يكف عن إطلاقها في جميع خطبه ومداخلاته، من التوصل إلى حقيقة المأزق الخطير بشأن الاتفاق وكيفية التعامل مع ازمة إغلاق مضيق هرمز!
في فوضى التصريحات المتناقضة قال ترامب: «القادة الإيرانيون أصبحوا أكثر عقلانية الآن». وبالتفاتة إلى الداخل الأمريكي، خشية أن يستنتج من لهجته الخشنة أنه قد يجر البلاد إلى حرب مفتوحة جديدة لا مصلحة لها فيها، قال: «لا أعتقد أننا مقبلون على حرب طويلة».
يزكى خيار الامتناع عن أي مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران أنه لم يحصل على أي دعم من قمة «الناتو». وقبل أن يغادر أنقرة قال: «الأوروبيون لم يساعدونا في الحرب، ولا نحن في حاجة إلى مساعدتهم»!
الشيء وعكسه في جملة واحدة! فلا تدري: هل هو يطلب مساعدة عسكرية، أم أنه ليس في حاجة إليها!
بتلخيصه لنتائج قمة «الناتو»: «كانت ناجحة جدًا»، من دون أن نعرف على أي أساس بنى أحكامه، باستثناء ما قررته من رفع نسبة مشاركة دولها في الإنفاق الدفاعي إلى (5%) من دخلها القومي، لا شيء آخر يتعلق بأي مساندة عسكرية محتملة للحرب على إيران.
رغم جلوس الرئيس الأوكراني «فولوديمير زيلينسكى» إلى جواره في مؤتمر صحفي كـ«ترضية» للأوروبيين، فإنه لم يكن لديه ما يقوله بشأن الحرب الأوكرانية سوى عبارات عامة لا تعنى شيئًا، ولا يأخذها أحد على محمل الجد.
في كل هذه الأجواء تبدو حرب «الخطوط الحمراء» نسخة أخرى من الحرب على إيران.
{ كاتب صحفي مصري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك