لقد بدا للوهلة الأولى أن مواجهة كبرى باتت وشيكة داخل قاعة مجلس النواب الأمريكي، إذ كان من المقرر أن يفرض تعديلٌ -طرحته لجنة القواع والأنظمة- تصويتاً قياسيا نادراً وذا دلالة بالغة حول حرمان إسرائيل من المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية البالغة قيمتها 3.3 مليارات دولار.
لقد كان من شأن هذا الإجراء -الذي طرحه النائب الجمهوري توماس ماسي وحظي بدعم شخصيات ديمقراطية تقدمية بارزة مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز وغريغ كاسار- أن يضع موقف كل مشرّع بشأن المساعدات الخارجية غير المشروطة تحت مجهر الرأي العام، غير أن عملية التصويت تلك -التي كانت تنطوي على رهانات كبيرة- لم تتم في نهاية المطاف.
في يوم 30 يونيو الماضي، سقطت الحزمة التشريعية المعروضة بأكملها تحت وطأة الصراعات السياسية الداخلية في واشنطن؛ إذ شهد الموقف تحولاً إجرائياً دراماتيكياً حين صوّت تحالف يضم ديمقراطيين وجمهوريين محافظين مستائين ضد «القاعدة» الإجرائية الإلزامية اللازمة لمجرد البدء في مناقشة مشروع قانون الإنفاق الخاص بوزارة الخارجية.
وحتى لو جرى ذلك التصويت على تعديل «ماسي»، لكانت النتيجة متوقعة تماماً؛ إذ كان ذلك التعديل سيُرفض، نظراً إلى أن الدعم لإسرائيل يظل راسخاً بنيوياً لدى الحزبين في الكونغرس، وذلك رغم تحول الرأي العام الأمريكي ضد السياسة الإسرائيلية بأعداد غير مسبوقة تاريخياً.
ووفقاً لاستطلاع رأي محوري أجرته مؤسسة «غالوب» ونُشر في 27 فبراير الماضي باتت نسبة كبيرة من الأمريكيين تتعاطف مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، حيث بلغت النسبة 41% مقابل 36% لصالح الفلسطينيين.
وتُعد هذه المرة الأولى -منذ أن بدأت «غالوب» في رصد هذا المؤشر قبل أكثر من عقدين من الزمن- التي لا تحظى فيها إسرائيل بالأولوية في التعاطف الشعبي.
ومع ذلك، فإن هذا التحول يندرج ضمن اتجاه أوسع لا يمكن إنكاره؛ إذ كشف استطلاع واسع للرأي على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، أجرته جامعة «كوينيبياك» ونُشر في أواخر يونيو 2026، أن نسبة غير مسبوقة تبلغ 48% من الناخبين الأمريكيين باتت ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية «تُبدي دعماً مفرطاً» لإسرائيل، وهي النسبة الأعلى التي سُجلت منذ أن بدأت الجهة القائمة على الاستطلاع تتبع هذا السؤال في عام 2017.
ولهذا السبب بالتحديد، يكتسب التعديل الذي اقترحه «ماسي» أهمية بالغة؛ إذ لا تكمن أهميته في أن الساسة الأمريكيين قد استيقظ لديهم فجأةً ضميرٌ أخلاقيٌّ جماعي، بل في أن دورات الانتخابات الأخيرة مثّلت المرة الأولى في التاريخ الأمريكي الحديث التي شكّلت فيها القضية الفلسطينية عاملاً رئيسياً وحاسماً في توجيه خيارات المواطنين عند الإدلاء بأصواتهم.
لقد ظل المحللون السياسيون التقليديون على مدى سنوات طويلة يستخفون بحراك التضامن مع فلسطين، زاعمين أن الأمريكيين لا يصوتون إلا بناءً على مصالح اجتماعية واقتصادية آنية وولاءات حزبية راسخة؛ غير أن هذا التقييم ثبت خطؤه لاحقاً.
لقد أصبحت الكلفة السياسية لتواطؤ واشنطن أمراً لا يمكن إنكاره في أعقاب تداعيات السباق الرئاسي لعام 2024، وهي حقيقة أكدتها لاحقاً شخصيات مطلعة من داخل دوائر صنع القرار العليا. ففي النقاشات التي تلت الانتخابات، أقر مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية بأن طريقة التعامل مع حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة قد أدت إلى نفور كتل تصويتية وقواعد انتخابية جوهرية.
أصبحت الكلفة السياسية لتواطؤ واشنطن أمراً لا يمكن إنكاره في أعقاب السباق الرئاسي لعام 2024. ووفقاً لموقع «أكسيوس» (Axios)، أقر كبار الاستراتيجيين الديمقراطيين -الذين يتولون مراجعة أداء الحزب بعد الانتخابات- صراحةً أمام مجموعات مناصرة بأن البيانات الداخلية للحزب أثبتت أن سياسة الإدارة تجاه غزة كان لها «أثر سلبي صافٍ» على نتائج التصويت.
وقد أكدت هذه النتيجة -التي كشف عنها بول ريفيرا، مُعد تقرير المراجعة الداخلية للحزب الديمقراطي- أن الدعم غير المشروط الذي قدمه الحزب لإسرائيل أدى إلى تصدع قاعدته الانتخابية بشكل مباشر، وأسهم في نهاية المطاف في خسارته الانتخابات.
ومن المتوقع أن تشهد انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر المقبل منافسة محتدمة، وسيكون ملف غزة حاضراً بقوة في هذه الانتخابات. ففي أعقاب سلسلة من الانتصارات التي حققها التيار التقدمي المناهض للحرب في الانتخابات التمهيدية المحلية، أفادت صحيفة «الغارديان» بأن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه هذا الصراع قد تحولت فعلياً إلى ما يشبه «الاختبار الحاسم» لتيار اليسار.
غير أن هذا التحول التاريخي في نظرة الرأي العام الأمريكي إلى فلسطين وإسرائيل لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة سياسية وشيكة، إذ يُعرف عن الساسة الأمريكيين «مرونتهم الأخلاقية» وقدرتهم الفائقة على تطويع اللغة وصياغتها بما يخدم بقاءهم في السلطة.
وفي الواقع، يكشف تطور اللغة التي استخدمتها النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز فيما يتعلق بمصطلح «الإبادة الجماعية» في غزة القصة الكاملة لكيفية تحرك المؤسسة الديمقراطية، فهي لا تسترشد بضرورة أخلاقية حقيقية، بل تحركها اعتبارات المصلحة السياسية البحتة.
ففي الأشهر الأولى لحرب الإبادة الجماعية، ترددت أوكاسيو-كورتيز في تبني هذا المصطلح، مدركةً تماماً الحساسيات البالغة التي تحيط بمثل هذه اللغة في وسائل الإعلام الأمريكية والمجتمع السائد بصفة عامة.
صرحت النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز قائلة: «إن مجرد ورود هذه الكلمة في خطابنا... يبرهن على حجم اللاإنسانية التي تواجهها غزة»، وذلك في محاولة منها لإيجاد أرضية خطابية وسطية مقبولة خلال ظهورها في برنامج «Meet the Press» على شبكة NBC في شهر يناير 2024.
ومع ذلك، وتحت وطأة الضغوط المتواصلة من قاعدة جماهيرية تقدمية تزداد حراكاً وتعبئة، عمدت النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز إلى تصعيد لهجتها بشكل منهجي في مارس من العام نفسه، معلنةً تحت قبة مجلس النواب: «إذا أردتم أن تعرفوا كيف تبدو الإبادة الجماعية وهي تتكشف فصولاً، فافتحوا أعينكم؛ إنها تبدو تماماً كتجويع قسري لما لا يقل عن 1.1 مليون إنسان بريء».
واصل هذا التحول اللغوي تصاعده حتى بلغ مؤتمر ميونيخ للأمن في شهر فبراير الماضي، حيث استخدمت أوكاسيو-كورتيز المصطلح أخيراً من دون أي تحفظ إذ اعتبرت صراحةً بأن المساعدات الأمريكية غير المشروطة «مكّنت من ارتكاب إبادة جماعية في غزة».
تُعد أوكاسيو-كورتيز واحدةً من بين العديد من الديمقراطيين التقدميين الذين انتقوا مفرداتهم بعناية وذلك من أجل تجنب التداعيات السياسية المترتبة على استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» في وقت مبكر جداً أو متأخر جداً.
ولم يطرأ تعديل على موقفها نتيجة صحوة أخلاقية مفاجئة أو اكتشاف معلومات جديدة بشأن «الإبادة الجماعية الجارية»، بل لأن هامش الخطأ الذي كان يتيحه وعي الجمهور الأمريكي المتنامي قد تلاشى تماماً.
لذا، يجب أن يظل التركيز الاستراتيجي منصباً على التواصل مع الرأي العام، الذي يمتلك القوة الحقيقية للتأثير على السياسيين -بل حتى إجبارهم- على اتخاذ القرارات الصائبة.
وفي نهاية المطاف تُعد الحركة الراهنة مؤشراً بالغ الأهمية، إذ تبرهن على أن الضغط الشعبي المستمر والمناهض للحرب ينجح في زعزعة ذلك الدرع الذي لطالما حظيت به إسرائيل في واشنطن من دون مساءلة.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك