العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

النفوذ الإسرائيلي يعرقل تصويت الكونجرس لتعديل المساعدات الأمريكية

بقلم: د. رمزي بارود

الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لقد‭ ‬بدا‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬كبرى‭ ‬باتت‭ ‬وشيكة‭ ‬داخل‭ ‬قاعة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬تعديلٌ‭ -‬طرحته‭ ‬لجنة‭ ‬القواع‭ ‬والأنظمة‭- ‬تصويتاً‭ ‬قياسيا‭ ‬نادراً‭ ‬وذا‭ ‬دلالة‭ ‬بالغة‭ ‬حول‭ ‬حرمان‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬السنوية‭ ‬البالغة‭ ‬قيمتها‭ ‬3‭.‬3‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ -‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬النائب‭ ‬الجمهوري‭ ‬توماس‭ ‬ماسي‭ ‬وحظي‭ ‬بدعم‭ ‬شخصيات‭ ‬ديمقراطية‭ ‬تقدمية‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬ألكساندريا‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬وغريغ‭ ‬كاسار‭- ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬موقف‭ ‬كل‭ ‬مشرّع‭ ‬بشأن‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬غير‭ ‬المشروطة‭ ‬تحت‭ ‬مجهر‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التصويت‭ ‬تلك‭ -‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬رهانات‭ ‬كبيرة‭- ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬30‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي،‭ ‬سقطت‭ ‬الحزمة‭ ‬التشريعية‭ ‬المعروضة‭ ‬بأكملها‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬واشنطن؛‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬الموقف‭ ‬تحولاً‭ ‬إجرائياً‭ ‬دراماتيكياً‭ ‬حين‭ ‬صوّت‭ ‬تحالف‭ ‬يضم‭ ‬ديمقراطيين‭ ‬وجمهوريين‭ ‬محافظين‭ ‬مستائين‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬الإجرائية‭ ‬الإلزامية‭ ‬اللازمة‭ ‬لمجرد‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬مناقشة‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬الإنفاق‭ ‬الخاص‭ ‬بوزارة‭ ‬الخارجية‭.‬

وحتى‭ ‬لو‭ ‬جرى‭ ‬ذلك‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬‮«‬ماسي‮»‬،‭ ‬لكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬متوقعة‭ ‬تماماً؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬التعديل‭ ‬سيُرفض،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬لإسرائيل‭ ‬يظل‭ ‬راسخاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬لدى‭ ‬الحزبين‭ ‬في‭ ‬الكونغرس،‭ ‬وذلك‭ ‬رغم‭ ‬تحول‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬ضد‭ ‬السياسة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بأعداد‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬تاريخياً‭.‬

ووفقاً‭ ‬لاستطلاع‭ ‬رأي‭ ‬محوري‭ ‬أجرته‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬غالوب‮»‬‭ ‬ونُشر‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي‭ ‬باتت‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬تتعاطف‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬النسبة‭ ‬41‭% ‬مقابل‭ ‬36‭% ‬لصالح‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وتُعد‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ -‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬‮«‬غالوب‮»‬‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭- ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالأولوية‭ ‬في‭ ‬التعاطف‭ ‬الشعبي‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬اتجاه‭ ‬أوسع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكاره؛‭ ‬إذ‭ ‬كشف‭ ‬استطلاع‭ ‬واسع‭ ‬للرأي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أجرته‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬كوينيبياك‮»‬‭ ‬ونُشر‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬يونيو‭ ‬2026،‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬تبلغ‭ ‬48‭% ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬باتت‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬تُبدي‭ ‬دعماً‭ ‬مفرطاً‮»‬‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬النسبة‭ ‬الأعلى‭ ‬التي‭ ‬سُجلت‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬الجهة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الاستطلاع‭ ‬تتبع‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2017‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬بالتحديد،‭ ‬يكتسب‭ ‬التعديل‭ ‬الذي‭ ‬اقترحه‭ ‬‮«‬ماسي‮»‬‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الساسة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬قد‭ ‬استيقظ‭ ‬لديهم‭ ‬فجأةً‭ ‬ضميرٌ‭ ‬أخلاقيٌّ‭ ‬جماعي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬دورات‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مثّلت‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحديث‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬فيها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عاملاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬وحاسماً‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬خيارات‭ ‬المواطنين‭ ‬عند‭ ‬الإدلاء‭ ‬بأصواتهم‭.‬

لقد‭ ‬ظل‭ ‬المحللون‭ ‬السياسيون‭ ‬التقليديون‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬يستخفون‭ ‬بحراك‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬فلسطين،‭ ‬زاعمين‭ ‬أن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لا‭ ‬يصوتون‭ ‬إلا‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬آنية‭ ‬وولاءات‭ ‬حزبية‭ ‬راسخة؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقييم‭ ‬ثبت‭ ‬خطؤه‭ ‬لاحقاً‭.‬

لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬لتواطؤ‭ ‬واشنطن‭ ‬أمراً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكاره‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬تداعيات‭ ‬السباق‭ ‬الرئاسي‭ ‬لعام‭ ‬2024،‭ ‬وهي‭ ‬حقيقة‭ ‬أكدتها‭ ‬لاحقاً‭ ‬شخصيات‭ ‬مطلعة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬العليا‭. ‬ففي‭ ‬النقاشات‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬الانتخابات،‭ ‬أقر‭ ‬مسؤولون‭ ‬كبار‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأن‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬قد‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬نفور‭ ‬كتل‭ ‬تصويتية‭ ‬وقواعد‭ ‬انتخابية‭ ‬جوهرية‭.‬

أصبحت‭ ‬الكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬لتواطؤ‭ ‬واشنطن‭ ‬أمراً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكاره‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬السباق‭ ‬الرئاسي‭ ‬لعام‭ ‬2024‭. ‬ووفقاً‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬أكسيوس‮»‬‭ (‬Axios‭)‬،‭ ‬أقر‭ ‬كبار‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬الديمقراطيين‭ -‬الذين‭ ‬يتولون‭ ‬مراجعة‭ ‬أداء‭ ‬الحزب‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭- ‬صراحةً‭ ‬أمام‭ ‬مجموعات‭ ‬مناصرة‭ ‬بأن‭ ‬البيانات‭ ‬الداخلية‭ ‬للحزب‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬الإدارة‭ ‬تجاه‭ ‬غزة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬‮«‬أثر‭ ‬سلبي‭ ‬صافٍ‮»‬‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬التصويت‭.‬

وقد‭ ‬أكدت‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ -‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬بول‭ ‬ريفيرا،‭ ‬مُعد‭ ‬تقرير‭ ‬المراجعة‭ ‬الداخلية‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭- ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬غير‭ ‬المشروط‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬الحزب‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تصدع‭ ‬قاعدته‭ ‬الانتخابية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬خسارته‭ ‬الانتخابات‭. ‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭ ‬منافسة‭ ‬محتدمة،‭ ‬وسيكون‭ ‬ملف‭ ‬غزة‭ ‬حاضراً‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭. ‬ففي‭ ‬أعقاب‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانتصارات‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬التيار‭ ‬التقدمي‭ ‬المناهض‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية‭ ‬المحلية،‭ ‬أفادت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الغارديان‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬قد‭ ‬تحولت‭ ‬فعلياً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬الاختبار‭ ‬الحاسم‮»‬‭ ‬لتيار‭ ‬اليسار‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين‭ ‬وإسرائيل‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬حدوث‭ ‬قطيعة‭ ‬سياسية‭ ‬وشيكة،‭ ‬إذ‭ ‬يُعرف‭ ‬عن‭ ‬الساسة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬‮«‬مرونتهم‭ ‬الأخلاقية‮»‬‭ ‬وقدرتهم‭ ‬الفائقة‭ ‬على‭ ‬تطويع‭ ‬اللغة‭ ‬وصياغتها‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬بقاءهم‭ ‬في‭ ‬السلطة‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬يكشف‭ ‬تطور‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬استخدمتها‭ ‬النائبة‭ ‬ألكسندريا‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمصطلح‭ ‬‮«‬الإبادة‭ ‬الجماعية‮»‬‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬القصة‭ ‬الكاملة‭ ‬لكيفية‭ ‬تحرك‭ ‬المؤسسة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تسترشد‭ ‬بضرورة‭ ‬أخلاقية‭ ‬حقيقية،‭ ‬بل‭ ‬تحركها‭ ‬اعتبارات‭ ‬المصلحة‭ ‬السياسية‭ ‬البحتة‭.‬

ففي‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬لحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬ترددت‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح،‭ ‬مدركةً‭ ‬تماماً‭ ‬الحساسيات‭ ‬البالغة‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمجتمع‭ ‬السائد‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭.‬

صرحت‭ ‬النائبة‭ ‬ألكسندريا‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬إن‭ ‬مجرد‭ ‬ورود‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬خطابنا‭... ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬غزة‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منها‭ ‬لإيجاد‭ ‬أرضية‭ ‬خطابية‭ ‬وسطية‭ ‬مقبولة‭ ‬خلال‭ ‬ظهورها‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬‮«‬Meet‭ ‬the‭ ‬Press‮»‬‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬NBC‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬2024‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وتحت‭ ‬وطأة‭ ‬الضغوط‭ ‬المتواصلة‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬جماهيرية‭ ‬تقدمية‭ ‬تزداد‭ ‬حراكاً‭ ‬وتعبئة،‭ ‬عمدت‭ ‬النائبة‭ ‬ألكسندريا‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭ ‬لهجتها‭ ‬بشكل‭ ‬منهجي‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬معلنةً‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬أردتم‭ ‬أن‭ ‬تعرفوا‭ ‬كيف‭ ‬تبدو‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬وهي‭ ‬تتكشف‭ ‬فصولاً،‭ ‬فافتحوا‭ ‬أعينكم؛‭ ‬إنها‭ ‬تبدو‭ ‬تماماً‭ ‬كتجويع‭ ‬قسري‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬1‭.‬1‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬بريء‮»‬‭.‬

واصل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬اللغوي‭ ‬تصاعده‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬مؤتمر‭ ‬ميونيخ‭ ‬للأمن‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬استخدمت‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬المصطلح‭ ‬أخيراً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تحفظ‭ ‬إذ‭ ‬اعتبرت‭ ‬صراحةً‭ ‬بأن‭ ‬المساعدات‭ ‬الأمريكية‭ ‬غير‭ ‬المشروطة‭ ‬‮«‬مكّنت‭ ‬من‭ ‬ارتكاب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬غزة‮»‬‭.‬

تُعد‭ ‬أوكاسيو‭-‬كورتيز‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬التقدميين‭ ‬الذين‭ ‬انتقوا‭ ‬مفرداتهم‭ ‬بعناية‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجنب‭ ‬التداعيات‭ ‬السياسية‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الإبادة‭ ‬الجماعية‮»‬‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬جداً‭ ‬أو‭ ‬متأخر‭ ‬جداً‭. ‬

ولم‭ ‬يطرأ‭ ‬تعديل‭ ‬على‭ ‬موقفها‭ ‬نتيجة‭ ‬صحوة‭ ‬أخلاقية‭ ‬مفاجئة‭ ‬أو‭ ‬اكتشاف‭ ‬معلومات‭ ‬جديدة‭ ‬بشأن‭ ‬‮«‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الجارية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬هامش‭ ‬الخطأ‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتيحه‭ ‬وعي‭ ‬الجمهور‭ ‬الأمريكي‭ ‬المتنامي‭ ‬قد‭ ‬تلاشى‭ ‬تماماً‭.‬

لذا،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬التركيز‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬منصباً‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬السياسيين‭ -‬بل‭ ‬حتى‭ ‬إجبارهم‭- ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الصائبة‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تُعد‭ ‬الحركة‭ ‬الراهنة‭ ‬مؤشراً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬إذ‭ ‬تبرهن‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬الشعبي‭ ‬المستمر‭ ‬والمناهض‭ ‬للحرب‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬زعزعة‭ ‬ذلك‭ ‬الدرع‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬حظيت‭ ‬به‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مساءلة‭.‬

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا