تدخل مملكة البحرين اليوم مرحلة جديدة في تطوير التعليم بإدخال برامج البكالوريا الدولية (IB) إلى المدارس الحكومية لأول مرة، والفرصة أكبر من مجرد تطوير المناهج أو رفع المعايير الأكاديمية. إنها فرصة لإعادة تعريف معنى «المتعلم البحريني» في القرن الحادي والعشرين. فالطالب الذي سيدخل مدارس الـIB لن يحتاج إلى إتقان الإنجليزية فقط، بل إلى استخدامها أداة للتفكير، والبحث، والتواصل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، وممارسة الحكم النقدي على ما ينتجونه. وهذا ينسجم مع رؤية وزارة التربية والتعليم نحو تعليم عالمي يواكب المستقبل. ولعل لهذه الرؤية دلالة خاصة في ظل قيادة وزير التربية والتعليم، الدكتور محمد بن مبارك جمعة، ذي الخلفية الأكاديمية في اللغويات التطبيقية ودراسات اللغة الإنجليزية، بما يجعل اللغة في هذا السياق أكثر من مادة دراسية؛ فهي مفتاح للمعرفة العالمية، وللتعامل الواعي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولتجنب شكل جديد من الأمية قد يواجهه الجيل القادم: الأمية الوكيلية. إن الاستثمار الحقيقي اليوم ليس في تعليم الإنجليزية وحدها، بل في تعليم الطلبة كيف يقودون الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يقودهم هو.
تبدأ التجربة بمرحلة تمهيدية (pre-IB) في عدد من المدارس الحكومية اعتباراً من سبتمبر المقبل، مع اختيار الطلبة الأكثر استعداداً من بين المتقدمين للالتحاق بها. ومن واقع عملي في إعداد المعلمين وتدريس اللغة الإنجليزية أكثر من عشرين عاماً، أرى أن السؤال الأهم ليس أي منهج أفضل، بل أي مهارة نُعدّ لها أبناءنا. اللغة الإنجليزية، إذن، هي بوابة الدخول إلى مهارات أوسع يحتاج إليها المتعلم في المستقبل.
لنتفق أولاً على ما تغيّر. كانت الأمية في جيل أجدادنا تعني العجز عن القراءة والكتابة. ثم اتسع مفهوم محو الأمية مع الثورة الرقمية، فظهرت الأمية الرقمية، وأصبح من لا يجيد استخدام الحاسوب والإنترنت خارج كثير من مجالات التعلم والعمل. واليوم يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة. فمع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي لم يعد المطلوب مجرد استخدام التقنية، بل القدرة على توجيهها، ومساءلتها، والتحقق من مخرجاتها، واتخاذ القرار النهائي بشأنها. هذه هي الكفاية الجديدة التي يمكن أن نسميها «الثقافة الوكيلية» (Agentic Literacy)، أما غيابها فهو ما أسميه «الأمية الوكيلية». فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة نطرح عليها سؤالاً فتجيب، بل أصبح وكيلاً ينفذ مهام كاملة: يبحث، ويلخص، ويكتب، ويخطط، وينجز. والطالب الذي لا يعرف كيف يحدد لهذا الوكيل مهمته بدقة، ويراجع ما ينتجه، ويكتشف أخطاءه، سيكون معرضاً لشكل جديد من الأمية، مهما حفظ من معلومات. ويرتبط بذلك أيضاً ما يُعرف بـLooping Engineering، أي تصميم الحلقات التكرارية التي يعمل خلالها الوكيل: ينفذ، ويفحص النتيجة، ويصحح، ثم يعيد المحاولة. وفهم هذه العملية مهم للطالب، لأنه يوضح أن التعامل مع الوكيل لا ينتهي بكتابة أمر واحد، بل يتطلب متابعة مستمرة وحكماً بشرياً في كل مرحلة. وإذا كانت اليونسكو تؤكد أن مفهوم محو الأمية يتطور مع تطور المجتمعات والتقنيات، فإن عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي يفرض علينا توسيع هذا المفهوم مرة أخرى.
هنا يأتي دور اللغة الإنجليزية، وهنا بالضبط يخطئ من يظنها الهدف النهائي. أقولها بوضوح من خبرة صفّية طويلة: الطالب ضعيف الإنجليزية لا يستطيع أن يحاسب وكيلاً ذكياً يعتمد في كثير من تفاعلاته على اللغة الإنجليزية. لن يميز الإجابة الدقيقة من الإجابة المزخرفة، ولن يلحظ حين يخترع النظام معلومة لا وجود لها، وسيقبل كل ما يُقدَّم له لأنه ببساطة لا يملك اللغة التي تسمح له بالشك. الإنجليزية إذن ليست مادة ننجح فيها ثم نمضي، بل شرط تشغيل لمهارة أكبر: مساءلة الآلة.
وماذا عن البكالوريا الدولية تحديداً؟ قيمتها الحقيقية ليست في شهادة معترف بها عالمياً، على أهمية ذلك، بل في طريقة التفكير التي تبنيها. فبرامجها تدرّب الطالب على طرح السؤال قبل تلقي الجواب، وعلى التحقق من مصدر المعرفة، وعلى كتابة بحث يُحاسَب فيه على كل ادعاء. هذه بالضبط العضلات التي تحتاج إليها مواجهة الأمية الجديدة. طالب تعوّد منذ صغره أن يسأل «كيف نعرف أن هذا صحيح؟» لن يأخذ مخرجات الوكيل الذكي على أنها حقائق نهائية مهما بدت مقنعة، بل سيراجعها ويوجهها ويصحح ما يلزم.
المنهج وحده لا يصنع التحول. ويأتي هذا التوجه امتداداً لجهود وزارة التربية والتعليم، بقيادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة، في تدريب المعلمين وتأهيلهم، انطلاقاً من أن نجاح أي تطوير تعليمي يبدأ من المعلم. المعلم الذي سيقف في صف البكالوريا الدولية يحتاج هو نفسه إلى إتقان قيادة هذه الأدوات ومساءلتها قبل أن يعلّمها لطلبته. ونحتاج إلى برامج إعداد وتطوير مهني تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كواقع صفّي يومي، لا كموضوع ندوات وورش تنتهي بانتهاء الحضور. من موقعي في إعداد المعلمين أرى حجم المهمة، وأرى أيضاً الاستعداد. المعلم البحريني قادر، والاستثمار في تدريبه ومنحه الوقت الكافي هو أضمن طريق لنجاح التجربة.
التحديات أمام تجربة بهذا الحجم حقيقية: إعداد المعلمين، وتهيئة البيئة المدرسية، وضبط معايير الاختيار ثم التوسع. ونجاح المبادرة سيعتمد على استمرارية الدعم المؤسسي، وجودة التنفيذ، ومتابعة الأثر التعليمي داخل الصفوف.
الفرصة أمام البحرين الآن مزدوجة. إدخال برامج البكالوريا الدولية خطوة تستحق الإشادة، لكنها ستؤتي ثمارها كاملة إذا قرأناها في سياقها الأوسع: إعداد جيل لا يكتفي باستهلاك التقنية بل يقودها، بلغة يتقنها وعقل يسائل. عندها لن نكون قد أضفنا منهجاً جديداً إلى مدارسنا فحسب، بل أغلقنا باب أمية قبل أن تتفشى.
ربما لن يُسأل خريج المستقبل: هل تتحدث الإنجليزية؟ بل سيُسأل: هل تستطيع قيادة وكيل ذكي، والتحقق من قراراته، واتخاذ القرار النهائي بنفسك؟ من هنا تبدأ الأمية الجديدة، ومن هنا أيضاً تبدأ مسؤولية المدرسة.
{ كلية محمد جابر الأنصاري للمعلمين - جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك