كشفت وكالة رويترز، في 13 مايو الماضي، أنّ مقاتلات سعودية قصفت أهدافاً مرتبطة بفصائل عراقية موالية لطهران خلال الحرب، وأنّ صواريخ أُطلقت من الأراضي الكويتية باتجاه جنوبي العراق في مناسبتَين على الأقلّ ردا على اعتداءات بالمسيرات على البلدين جاءت من داخل العراق، ودمّرت إحدى الضربات منشأة طائرات مسيّرة تابعة لكتائب «حزب الله». الخبر بحدّ ذاته ليس مفاجأةً استراتيجيةً، بل تأكيدا لما كان يدور في كواليس الدبلوماسية الإقليمية، لكنّه يطرح سؤالاً مهما: ما الذي تكشفه هذه التطورات بشأن حسابات دول الجوار العراقي، وما الذي يعنيه ذلك لحكومة علي الزيدي المُكلَّفة بمعالجة ملفّ أفلت من يد الدولة العراقية منذ سنوات؟
يمثّل ما حدث تحوّلاً نوعياً في كيفية تعامل دول الخليج العربي مع الملفّ العراقي. كانت الاستدعاءات الدبلوماسية دائماً جزءاً من القاموس المعتاد. أمّا الانتقال إلى الرد على اعتداءات الفصائل أو المليشيات المسلحة التابعة لطهران داخل الأراضي العراقية فيدلّ على أنّ دول الخليج لم تعد ترى في الانتظار خياراً عملياً، وأنّ منطق الردع الذاتي حلّ محلّ منطق التفويض لبغداد في ضبط فاعلين يعملون في الأراضي العراقية. هذا التحوّل، أكثر من غيره، هو ما يحدّد مساحة الحركة المتاحة لأيّ حكومة عراقية.
هذا هو الإطار لفهم ما ورثه الزيدي: مأزقٌ سياديٌّ يتجاوز مسألة «نزع السلاح» بمعناها التبسيطي. السلاح موجود ضمن منظومة «الحشد الشعبي» الرسمية، والسلاح موجود أيضاً خارجها. الفجوة بين الموقعين فجوة تفويض، وهو ما يجعل عملاً عسكرياً يخدم أهدافاً غير عراقية ينطلق من تراب عراقي، من دون أن يكون قراراً عراقياً. هو فجوة مطلوب ردمها بسرعة وبإلحاح.
في هذا السياق، تكتسب اللجنة التي شكّلتها حكومة علي الزيدي بمشاركة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمّد شياع السوداني، وزعيم منظّمة بدر هادي العامري، دلالةً تتجاوز قراءتها كخطوة إجرائية.
ورئيس الحكومة الزيدي، بخلفيته كرجل أعمال ومصرفي بلا قاعدة سياسية حزبية، يحتلّ موقعاً يتيح هامش مناورة محدوداً، لكنّه حقيقي. فمن لا يدين بمنصبه لأيّ فصيل بعينه يستطيع نظرياً أن يتحرّك بين الفصائل من دون أن يخسر قاعدته. والائتلاف الذي رشّحه يحتاج إليه أكثر ممّا يحتاج هو إلى أيّ طرف منفرد فيه، وخصوصاً بعد تدخّل الرئيس الامريكي ترامب لاستبعاد نوري المالكي. هذه معادلة قد تنقلب ضدّه إن طال الوقت، لكنّها في الأشهر الأولى تشكّل ورقة قوّة، وإن كانت هشّةً.
الزيارة المفاجئة لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد قبل أسابيع، وتأكيده للفصائل الحليفة، بحسب مصادر قريبة منها، رفضَ التنازل عن السلاح مقابل المناصب، تستدعي قراءةً استراتيجيةً أعمق من اعتبارها تدخّلاً إيرانياً تقليدياً. فإيران في ظل الحرب تعمل بمعادلات معينة. اقتصادها أكثر هشاشةً، شبكتها الإقليمية فقدت جزءاً من قدراتها، البنية القيادية الإيرانية ذاتها مرّت بصدمة. في هذا الواقع، يصبح السؤال: ما الذي يخدم المصلحة الإيرانية حقّاً؟ شبكة فصائل تحتفظ بقدرة استعراضية، لكنّها أثبتت في الحرب أخيراً أنّها لا تردع، أم علاقة دولة بدولة مع عراق سيّد قادر على أن يكون منفذاً اقتصادياً وممرّاً دبلوماسياً وعمقاً ثقافياً مستداماً؟
هنا يكمن التناقض البنيوي في الموقف الإيراني. عراق قويٌّ ومستقرّ يخدم المصالح الإيرانية طويلة الأمد على نحوٍ أعمق وأكثر استدامة من شبكة وكلاء. لكن البيروقراطية الأمنية الإيرانية، وفيلق القدس تحديداً، بُنيت حول إدارة شبكة الوكلاء، لا حول إدارة علاقات دولة بدولة. التخلّي عن الشبكة يعني إعادة هندسة مؤسّسية للسياسة الإقليمية الإيرانية، وهو ما لا يبدو أنّ طهران مستعدّة له الآن. وتفضل الاحتفاظ بالعراق ورقةَ مساومةٍ في ملفّات أخرى، حتى لو كانت كلفة هذا الاحتفاظ، استراتيجياً، أعلى من فائدته التكتيكية.
في الجهة المقابلة، يواجه الموقف الأمريكي معضلة تكتيكية يجدر بمحلّلي السياسة في واشنطن قراءتها بدقّة. إدارة ترامب تملك أدوات ضغط هائلة على بغداد: تعليق تحويلات الدولار من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، عقوبات الخزانة على فاعلين عراقيين بينهم نائب وزير النفط علي معارج البهادلي، مكافآت «العدالة» بقيمة عشرة ملايين دولار.
لكن الرافعة المالية ليست رافعةً بلا حدود. الاقتصاد العراقي يعتمد على عائدات النفط بنسبة 90%، وقد تراجعت هذه العائدات بأكثر من 70% منذ بدء الحرب، من 6.8 مليارات دولار شهرياً في فبراير إلى أقلّ من ملياري دولار في الشهر التالي. يتوقّع صندوق النقد الدولي انكماشاً اقتصادياً عراقياً بنسبة 6.8% في 2026.
التقط الباحث تامر بدوي، في مقاله في «فورن بوليسي»، جوهر المعضلة، حين تساءل ما إذا كانت واشنطن ستقبل «النيّات» المُعلَنة بشأن نزع السلاح أم ستشترط نتائج محسوسة. وتقع الإجابة التحليلية في موقع متوسّط: الاكتفاء بالنيّات يفرّغ الضغط الامريكي من مضمونه، والإصرار على النتائج الفورية قد يؤدي لإسقاط حكومة الزيدي.
لكن مع خطوات مثل: ربط رفع التضييق المالي بخطوات تنفيذية متدرّجة قابلة للقياس، تجميد رواتب فصائل بعينها، إقصاء أسماء بعينها من الحقائب الوزارية، تسليم منشآت بعينها لقيادة العمليات المشتركة، هو ما يُنتج النتيجة التي تريدها واشنطن استراتيجياً: عراق مستقرّ يضبط فاعليه المسلّحين، لا عراقاً منهاراً يصبح ساحةً لصراعات داخلية وإقليمية.
في خضمّ هذا النقاش الأمني، ثمّة ملفّ اقتصادي - جيوسياسي يستحق أن يُرفع إلى صدارة التحليل: مشروع طريق التنمية. المشروع، الذي أُطلق عام 2023 برأسمال يبلغ 17 مليار دولار، يربط ميناء الفاو الكبير على الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر شبكة سكك حديد وطرق برّية.
وهو، من الناحية الجيو - اقتصادية، أهم مشروع عراقي منذ عقود، لأنّه يحوّل العراق من ساحة جذب للنزاعات إلى ممرّ تجاري يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسّط.
موقع الزيدي كرئيس للحكومة العراقية يجعله مرشّحاً موضوعياً، أكثر من أيّ رئيس وزراء سابق، لإيصال هذا المشروع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فهو، بحكم خلفيته المصرفية ومن تجربته رجل أعمال يدير شركات في قطاعات متعدّدة، يفهم البنية المالية للمشاريع الكُبرى بشكل يتجاوز فهم السياسيين التقليديين. وهو، بحكم استقلاليته النسبية عن الفصائل المسلّحة التقليدية، أقلّ ارتهاناً لشبكات المحاصصة التي حوّلت معظم المشاريع العراقية الكبرى إلى مغانم توزيعية لا إلى منجزات تنفيذية. وهو، بحكم الأزمة المالية الحادّة التي تواجهها حكومته، يملك حافزاً وجودياً لإنجاز مصدر إيرادات بديلاً من النفط المتعثّر.
الأهم أنّ طريق التنمية وملفّ الفصائل ليسا منفصلَين. الطريق يمرّ مادّياً عبر مناطق نفوذ تقليدية للفصائل في جنوب العراق. تشغيله بأمان يتطلّب حصراً للسلاح بيد الدولة على طول مساره.
وفي المقابل، يوفّر المشروع لأيّ تشكيلة سياسية شريكةً في الحكومة بديلاً اقتصادياً واضحاً ممّا تقدّمه الفصائل المسلّحة من ريع وتوظيف. بهذا المعنى، طريق التنمية ليس مجرّد مشروع بنية تحتية، بل أداة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للسلاح في العراق.
إن التقدّم في طريق التنمية مرتبط بتطبيع العلاقة مع الخليج، وتطبيع العلاقة مع الخليج مرتبط بضبط الفصائل المسلحة، وضبط الفصائل ممكن سياسياً إن وُجد بديل اقتصادي حقيقي يُعوّض ما تُقدّمه شبكات السلاح من ريع. إن الزيدي، نظرياً، يجلس في النقطة التي تتقاطع فيها هذه المسارات الثلاثة.
خلاصة المشهد: الحكم على نتائج مرحلة الزيدي مازال مبكرا. فالرجل يفتقر إلى قاعدة سياسية صلبة، ويواجه أزمة مالية حادة، ويتحرك في بيئة يعمل فيها فاعلون أقوى منه يدفعون كلٌّ في اتجاه مختلف. الاحتمالات ليست في صفه بالضرورة. لكن قراءة معطيات اللحظة تكشف أن أمامه تقاطعاً نادر الحدوث: ضغطٌ أمريكي يجعل الإصلاح أرخص سياسياً من المماطلة، وأزمة مالية تجعل ضبط الإنفاق العسكري الموازي ضرورة بنيوية، ومشروع اقتصادي إقليمي يُعيد تعريف موقع العراق من ساحة إلى ممرّ. هذه ليست ضمانات نجاح، لكنّها مكوّنات نجاح ممكن، إذا توافر الوقت الكافي لنضوج المعالجة.
السيادة لا تُستعاد عبر إعلان، ولا تُمنح من الخارج. تُستعاد بتراكم قرارات صحيحة في وقت محدود وبدعم صبور من شركاء يدركون أنّ عراقاً سيداً على قراره أفضل للجميع من عراقٍ يُدار بالضغط والوكلاء. وهكذا فإن ما يكشفه تحليل المشهد اليوم أنّ الفرصة موجودة، والقيود معقّدة، والنتيجة مفتوحة على احتمالات لا يستطيع أيّ تقييم جاد أن يحسمها مسبقاً.
{ أكاديمي عراقي مختص
في الدراسات الأمنية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك