العدد : ١٧٦٨٩ - الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٩ - الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل ينجح العراق في وضع نهاية لسطوة المليشيات التابعة لإيران؟

بقلم: د. مهند سلوم

الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

كشفت‭ ‬وكالة‭ ‬رويترز،‭ ‬في‭ ‬13‭ ‬مايو‭ ‬الماضي،‭ ‬أنّ‭ ‬مقاتلات‭ ‬سعودية‭ ‬قصفت‭ ‬أهدافاً‭ ‬مرتبطة‭ ‬بفصائل‭ ‬عراقية‭ ‬موالية‭ ‬لطهران‭ ‬خلال‭ ‬الحرب،‭ ‬وأنّ‭ ‬صواريخ‭ ‬أُطلقت‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الكويتية‭ ‬باتجاه‭ ‬جنوبي‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬مناسبتَين‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬اعتداءات‭ ‬بالمسيرات‭ ‬على‭ ‬البلدين‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬العراق،‭ ‬ودمّرت‭ ‬إحدى‭ ‬الضربات‭ ‬منشأة‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬تابعة‭ ‬لكتائب‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭. ‬الخبر‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاته‭ ‬ليس‭ ‬مفاجأةً‭ ‬استراتيجيةً،‭ ‬بل‭ ‬تأكيدا‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬كواليس‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬لكنّه‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬مهما‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تكشفه‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬بشأن‭ ‬حسابات‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬العراقي،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬لحكومة‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬المُكلَّفة‭ ‬بمعالجة‭ ‬ملفّ‭ ‬أفلت‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬منذ‭ ‬سنوات؟

يمثّل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تحوّلاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تعامل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬الملفّ‭ ‬العراقي‭. ‬كانت‭ ‬الاستدعاءات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬دائماً‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬القاموس‭ ‬المعتاد‭. ‬أمّا‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬اعتداءات‭ ‬الفصائل‭ ‬أو‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬التابعة‭ ‬لطهران‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬العراقية‭ ‬فيدلّ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الانتظار‭ ‬خياراً‭ ‬عملياً،‭ ‬وأنّ‭ ‬منطق‭ ‬الردع‭ ‬الذاتي‭ ‬حلّ‭ ‬محلّ‭ ‬منطق‭ ‬التفويض‭ ‬لبغداد‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬فاعلين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬العراقية‭. ‬هذا‭ ‬التحوّل،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحدّد‭ ‬مساحة‭ ‬الحركة‭ ‬المتاحة‭ ‬لأيّ‭ ‬حكومة‭ ‬عراقية‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬ورثه‭ ‬الزيدي‭: ‬مأزقٌ‭ ‬سياديٌّ‭ ‬يتجاوز‭ ‬مسألة‭ ‬‮«‬نزع‭ ‬السلاح‮»‬‭ ‬بمعناها‭ ‬التبسيطي‭. ‬السلاح‭ ‬موجود‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬‮«‬الحشد‭ ‬الشعبي‮»‬‭ ‬الرسمية،‭ ‬والسلاح‭ ‬موجود‭ ‬أيضاً‭ ‬خارجها‭. ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الموقعين‭ ‬فجوة‭ ‬تفويض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬عملاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬يخدم‭ ‬أهدافاً‭ ‬غير‭ ‬عراقية‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تراب‭ ‬عراقي،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قراراً‭ ‬عراقياً‭. ‬هو‭ ‬فجوة‭ ‬مطلوب‭ ‬ردمها‭ ‬بسرعة‭ ‬وبإلحاح‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تكتسب‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬شكّلتها‭ ‬حكومة‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬بمشاركة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المنتهية‭ ‬ولايته‭ ‬محمّد‭ ‬شياع‭ ‬السوداني،‭ ‬وزعيم‭ ‬منظّمة‭ ‬بدر‭ ‬هادي‭ ‬العامري،‭ ‬دلالةً‭ ‬تتجاوز‭ ‬قراءتها‭ ‬كخطوة‭ ‬إجرائية‭.‬

ورئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الزيدي،‭ ‬بخلفيته‭ ‬كرجل‭ ‬أعمال‭ ‬ومصرفي‭ ‬بلا‭ ‬قاعدة‭ ‬سياسية‭ ‬حزبية،‭ ‬يحتلّ‭ ‬موقعاً‭ ‬يتيح‭ ‬هامش‭ ‬مناورة‭ ‬محدوداً،‭ ‬لكنّه‭ ‬حقيقي‭. ‬فمن‭ ‬لا‭ ‬يدين‭ ‬بمنصبه‭ ‬لأيّ‭ ‬فصيل‭ ‬بعينه‭ ‬يستطيع‭ ‬نظرياً‭ ‬أن‭ ‬يتحرّك‭ ‬بين‭ ‬الفصائل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخسر‭ ‬قاعدته‭. ‬والائتلاف‭ ‬الذي‭ ‬رشّحه‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬يحتاج‭ ‬هو‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬طرف‭ ‬منفرد‭ ‬فيه،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬تدخّل‭ ‬الرئيس‭ ‬الامريكي‭ ‬ترامب‭ ‬لاستبعاد‭ ‬نوري‭ ‬المالكي‭. ‬هذه‭ ‬معادلة‭ ‬قد‭ ‬تنقلب‭ ‬ضدّه‭ ‬إن‭ ‬طال‭ ‬الوقت،‭ ‬لكنّها‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬تشكّل‭ ‬ورقة‭ ‬قوّة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هشّةً‭.‬

الزيارة‭ ‬المفاجئة‭ ‬لقائد‭ ‬فيلق‭ ‬القدس‭ ‬إسماعيل‭ ‬قاآني‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع،‭ ‬وتأكيده‭ ‬للفصائل‭ ‬الحليفة،‭ ‬بحسب‭ ‬مصادر‭ ‬قريبة‭ ‬منها،‭ ‬رفضَ‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬السلاح‭ ‬مقابل‭ ‬المناصب،‭ ‬تستدعي‭ ‬قراءةً‭ ‬استراتيجيةً‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬اعتبارها‭ ‬تدخّلاً‭ ‬إيرانياً‭ ‬تقليدياً‭. ‬فإيران‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬تعمل‭ ‬بمعادلات‭ ‬معينة‭. ‬اقتصادها‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشةً،‭ ‬شبكتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬فقدت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قدراتها،‭ ‬البنية‭ ‬القيادية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ذاتها‭ ‬مرّت‭ ‬بصدمة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬المصلحة‭ ‬الإيرانية‭ ‬حقّاً؟‭ ‬شبكة‭ ‬فصائل‭ ‬تحتفظ‭ ‬بقدرة‭ ‬استعراضية،‭ ‬لكنّها‭ ‬أثبتت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬أخيراً‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تردع،‭ ‬أم‭ ‬علاقة‭ ‬دولة‭ ‬بدولة‭ ‬مع‭ ‬عراق‭ ‬سيّد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منفذاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وممرّاً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬وعمقاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬مستداماً؟

هنا‭ ‬يكمن‭ ‬التناقض‭ ‬البنيوي‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الإيراني‭. ‬عراق‭ ‬قويٌّ‭ ‬ومستقرّ‭ ‬يخدم‭ ‬المصالح‭ ‬الإيرانية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬استدامة‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬وكلاء‭. ‬لكن‭ ‬البيروقراطية‭ ‬الأمنية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وفيلق‭ ‬القدس‭ ‬تحديداً،‭ ‬بُنيت‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬شبكة‭ ‬الوكلاء،‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬علاقات‭ ‬دولة‭ ‬بدولة‭. ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬الشبكة‭ ‬يعني‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬مؤسّسية‭ ‬للسياسة‭ ‬الإقليمية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬طهران‭ ‬مستعدّة‭ ‬له‭ ‬الآن‭. ‬وتفضل‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالعراق‭ ‬ورقةَ‭ ‬مساومةٍ‭ ‬في‭ ‬ملفّات‭ ‬أخرى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬كلفة‭ ‬هذا‭ ‬الاحتفاظ،‭ ‬استراتيجياً،‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬فائدته‭ ‬التكتيكية‭.‬

في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬يواجه‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬معضلة‭ ‬تكتيكية‭ ‬يجدر‭ ‬بمحلّلي‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬قراءتها‭ ‬بدقّة‭. ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬تملك‭ ‬أدوات‭ ‬ضغط‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬بغداد‭: ‬تعليق‭ ‬تحويلات‭ ‬الدولار‭ ‬من‭ ‬بنك‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬عقوبات‭ ‬الخزانة‭ ‬على‭ ‬فاعلين‭ ‬عراقيين‭ ‬بينهم‭ ‬نائب‭ ‬وزير‭ ‬النفط‭ ‬علي‭ ‬معارج‭ ‬البهادلي،‭ ‬مكافآت‭ ‬‮«‬العدالة‮»‬‭ ‬بقيمة‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭.‬

لكن‭ ‬الرافعة‭ ‬المالية‭ ‬ليست‭ ‬رافعةً‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭. ‬الاقتصاد‭ ‬العراقي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬عائدات‭ ‬النفط‭ ‬بنسبة‭ ‬90‭%‬،‭ ‬وقد‭ ‬تراجعت‭ ‬هذه‭ ‬العائدات‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬70‭% ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الحرب،‭ ‬من‭ ‬6‭.‬8‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬شهرياً‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬إلى‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬ملياري‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬التالي‭. ‬يتوقّع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬انكماشاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬عراقياً‭ ‬بنسبة‭ ‬6‭.‬8‭% ‬في‭ ‬2026‭.‬

التقط‭ ‬الباحث‭ ‬تامر‭ ‬بدوي،‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬في‭ ‬‮«‬فورن‭ ‬بوليسي‮»‬،‭ ‬جوهر‭ ‬المعضلة،‭ ‬حين‭ ‬تساءل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬واشنطن‭ ‬ستقبل‭ ‬‮«‬النيّات‮»‬‭ ‬المُعلَنة‭ ‬بشأن‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬أم‭ ‬ستشترط‭ ‬نتائج‭ ‬محسوسة‭. ‬وتقع‭ ‬الإجابة‭ ‬التحليلية‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬متوسّط‭: ‬الاكتفاء‭ ‬بالنيّات‭ ‬يفرّغ‭ ‬الضغط‭ ‬الامريكي‭ ‬من‭ ‬مضمونه،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬الفورية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬لإسقاط‭ ‬حكومة‭ ‬الزيدي‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬خطوات‭ ‬مثل‭: ‬ربط‭ ‬رفع‭ ‬التضييق‭ ‬المالي‭ ‬بخطوات‭ ‬تنفيذية‭ ‬متدرّجة‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس،‭ ‬تجميد‭ ‬رواتب‭ ‬فصائل‭ ‬بعينها،‭ ‬إقصاء‭ ‬أسماء‭ ‬بعينها‭ ‬من‭ ‬الحقائب‭ ‬الوزارية،‭ ‬تسليم‭ ‬منشآت‭ ‬بعينها‭ ‬لقيادة‭ ‬العمليات‭ ‬المشتركة،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يُنتج‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬تريدها‭ ‬واشنطن‭ ‬استراتيجياً‭: ‬عراق‭ ‬مستقرّ‭ ‬يضبط‭ ‬فاعليه‭ ‬المسلّحين،‭ ‬لا‭ ‬عراقاً‭ ‬منهاراً‭ ‬يصبح‭ ‬ساحةً‭ ‬لصراعات‭ ‬داخلية‭ ‬وإقليمية‭.‬

في‭ ‬خضمّ‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬الأمني،‭ ‬ثمّة‭ ‬ملفّ‭ ‬اقتصادي‭ - ‬جيوسياسي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُرفع‭ ‬إلى‭ ‬صدارة‭ ‬التحليل‭: ‬مشروع‭ ‬طريق‭ ‬التنمية‭. ‬المشروع،‭ ‬الذي‭ ‬أُطلق‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬برأسمال‭ ‬يبلغ‭ ‬17‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬يربط‭ ‬ميناء‭ ‬الفاو‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بتركيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬سكك‭ ‬حديد‭ ‬وطرق‭ ‬برّية‭. ‬

وهو،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الجيو‭ - ‬اقتصادية،‭ ‬أهم‭ ‬مشروع‭ ‬عراقي‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬لأنّه‭ ‬يحوّل‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬جذب‭ ‬للنزاعات‭ ‬إلى‭ ‬ممرّ‭ ‬تجاري‭ ‬يربط‭ ‬الخليج‭ ‬بالبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسّط‭.‬

موقع‭ ‬الزيدي‭ ‬كرئيس‭ ‬للحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬يجعله‭ ‬مرشّحاً‭ ‬موضوعياً،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬سابق،‭ ‬لإيصال‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التنفيذ‭ ‬الفعلي‭. ‬فهو،‭ ‬بحكم‭ ‬خلفيته‭ ‬المصرفية‭ ‬ومن‭ ‬تجربته‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬يدير‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬متعدّدة،‭ ‬يفهم‭ ‬البنية‭ ‬المالية‭ ‬للمشاريع‭ ‬الكُبرى‭ ‬بشكل‭ ‬يتجاوز‭ ‬فهم‭ ‬السياسيين‭ ‬التقليديين‭. ‬وهو،‭ ‬بحكم‭ ‬استقلاليته‭ ‬النسبية‭ ‬عن‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلّحة‭ ‬التقليدية،‭ ‬أقلّ‭ ‬ارتهاناً‭ ‬لشبكات‭ ‬المحاصصة‭ ‬التي‭ ‬حوّلت‭ ‬معظم‭ ‬المشاريع‭ ‬العراقية‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬مغانم‭ ‬توزيعية‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬منجزات‭ ‬تنفيذية‭. ‬وهو،‭ ‬بحكم‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الحادّة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬حكومته،‭ ‬يملك‭ ‬حافزاً‭ ‬وجودياً‭ ‬لإنجاز‭ ‬مصدر‭ ‬إيرادات‭ ‬بديلاً‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬المتعثّر‭.‬

الأهم‭ ‬أنّ‭ ‬طريق‭ ‬التنمية‭ ‬وملفّ‭ ‬الفصائل‭ ‬ليسا‭ ‬منفصلَين‭. ‬الطريق‭ ‬يمرّ‭ ‬مادّياً‭ ‬عبر‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذ‭ ‬تقليدية‭ ‬للفصائل‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭. ‬تشغيله‭ ‬بأمان‭ ‬يتطلّب‭ ‬حصراً‭ ‬للسلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬مساره‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يوفّر‭ ‬المشروع‭ ‬لأيّ‭ ‬تشكيلة‭ ‬سياسية‭ ‬شريكةً‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬بديلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واضحاً‭ ‬ممّا‭ ‬تقدّمه‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلّحة‭ ‬من‭ ‬ريع‭ ‬وتوظيف‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬طريق‭ ‬التنمية‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬مشروع‭ ‬بنية‭ ‬تحتية،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬للسلاح‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬

إن‭ ‬التقدّم‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬التنمية‭ ‬مرتبط‭ ‬بتطبيع‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الخليج،‭ ‬وتطبيع‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬مرتبط‭ ‬بضبط‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة،‭ ‬وضبط‭ ‬الفصائل‭ ‬ممكن‭ ‬سياسياً‭ ‬إن‭ ‬وُجد‭ ‬بديل‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭ ‬يُعوّض‭ ‬ما‭ ‬تُقدّمه‭ ‬شبكات‭ ‬السلاح‭ ‬من‭ ‬ريع‭. ‬إن‭ ‬الزيدي،‭ ‬نظرياً،‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬المسارات‭ ‬الثلاثة‭.‬

خلاصة‭ ‬المشهد‭: ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬مرحلة‭ ‬الزيدي‭ ‬مازال‭ ‬مبكرا‭. ‬فالرجل‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬سياسية‭ ‬صلبة،‭ ‬ويواجه‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬حادة،‭ ‬ويتحرك‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يعمل‭ ‬فيها‭ ‬فاعلون‭ ‬أقوى‭ ‬منه‭ ‬يدفعون‭ ‬كلٌّ‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬مختلف‭. ‬الاحتمالات‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬صفه‭ ‬بالضرورة‭. ‬لكن‭ ‬قراءة‭ ‬معطيات‭ ‬اللحظة‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬أمامه‭ ‬تقاطعاً‭ ‬نادر‭ ‬الحدوث‭: ‬ضغطٌ‭ ‬أمريكي‭ ‬يجعل‭ ‬الإصلاح‭ ‬أرخص‭ ‬سياسياً‭ ‬من‭ ‬المماطلة،‭ ‬وأزمة‭ ‬مالية‭ ‬تجعل‭ ‬ضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬الموازي‭ ‬ضرورة‭ ‬بنيوية،‭ ‬ومشروع‭ ‬اقتصادي‭ ‬إقليمي‭ ‬يُعيد‭ ‬تعريف‭ ‬موقع‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬إلى‭ ‬ممرّ‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬ضمانات‭ ‬نجاح،‭ ‬لكنّها‭ ‬مكوّنات‭ ‬نجاح‭ ‬ممكن،‭ ‬إذا‭ ‬توافر‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لنضوج‭ ‬المعالجة‭.‬

السيادة‭ ‬لا‭ ‬تُستعاد‭ ‬عبر‭ ‬إعلان،‭ ‬ولا‭ ‬تُمنح‭ ‬من‭ ‬الخارج‭. ‬تُستعاد‭ ‬بتراكم‭ ‬قرارات‭ ‬صحيحة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬محدود‭ ‬وبدعم‭ ‬صبور‭ ‬من‭ ‬شركاء‭ ‬يدركون‭ ‬أنّ‭ ‬عراقاً‭ ‬سيداً‭ ‬على‭ ‬قراره‭ ‬أفضل‭ ‬للجميع‭ ‬من‭ ‬عراقٍ‭ ‬يُدار‭ ‬بالضغط‭ ‬والوكلاء‭. ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬تحليل‭ ‬المشهد‭ ‬اليوم‭ ‬أنّ‭ ‬الفرصة‭ ‬موجودة،‭ ‬والقيود‭ ‬معقّدة،‭ ‬والنتيجة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬احتمالات‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أيّ‭ ‬تقييم‭ ‬جاد‭ ‬أن‭ ‬يحسمها‭ ‬مسبقاً‭.‬

{ أكاديمي‭ ‬عراقي‭ ‬مختص

‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الأمنية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا