العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٢ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

مساحة رمادية:
المونديال.. بلورة مسحورة كشفت أمراض العالم

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

يطلق‭ ‬على‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬الساحرة‭ ‬المستديرة‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬مونديال‭ ‬2026‭ ‬الذي‭ ‬استضافته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬والمكسيك‭ ‬حوّل‭ ‬تلك‭ ‬الكرة‭ ‬الجلدية‭ ‬إلى‭ ‬بلورة‭ ‬مسحورة‭ ‬كشفت‭ ‬ما‭ ‬يعتري‭ ‬عالمنا‭ ‬من‭ ‬أمراض،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬بات‭ ‬يشهد‭ ‬تراجعًا‭ ‬مقلقًا‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬بسبب‭ ‬تراجع‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬العمل‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭.‬

وللأسف،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يرتد‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬إلى‭ ‬أمراضه‭ ‬القديمة؛‭ ‬من‭ ‬الكراهية‭ ‬والعنصرية،‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬منطق‭ ‬القوة،‭ ‬وازدواجية‭ ‬المعايير،‭ ‬وتسييس‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬الرياضة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬توحد‭ ‬الشعوب‭.‬

فمنذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للبطولة‭ ‬بدا‭ ‬أنَّ‭ ‬التمييز‭ ‬حاضرٌ‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬انطلاق‭ ‬المباريات،‭ ‬عندما‭ ‬مُنع‭ ‬الحكم‭ ‬الصومالي‭ ‬عمر‭ ‬عبدالقادر‭ ‬أرتان‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بسبب‭ ‬مزاعم‭ ‬تتعلق‭ ‬بصلات‭ ‬مع‭ ‬أشخاص‭ ‬يشتبه‭ ‬في‭ ‬انتمائهم‭ ‬إلى‭ ‬منظمات‭ ‬إرهابية،‭ ‬في‭ ‬واقعة‭ ‬أثارت‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬الاعتبارات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬على‭ ‬حدث‭ ‬رياضي‭ ‬عالمي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للجميع‭.‬

ولم‭ ‬نكد‭ ‬نبتلع‭ ‬هذه‭ ‬الغصة‭ ‬حتى‭ ‬خرج‭ ‬السياسي‭ ‬اليميني‭ ‬الهولندي‭ ‬المتطرف‭ ‬خيرت‭ ‬فيلدرز‭ ‬بخطاب‭ ‬جديد‭ ‬يغذي‭ ‬الكراهية،‭ ‬مهاجمًا‭ ‬لاعبي‭ ‬المنتخب‭ ‬المغربي‭ ‬بسبب‭ ‬سجودهم‭ ‬شكرًا‭ ‬لله‭ ‬عقب‭ ‬الفوز‭ ‬على‭ ‬منتخب‭ ‬هولندا،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬مظاهر‭ ‬الإسلاموفوبيا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُطل‭ ‬برأسها‭ ‬كلما‭ ‬ظهر‭ ‬رمزٌ‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الهوية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭.‬

ثم‭ ‬عادت‭ ‬العنصرية‭ ‬لتكشف‭ ‬وجهها‭ ‬القبيح‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عبر‭ ‬التصريحات‭ ‬المسيئة‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬النائبة‭ ‬البرلمانية‭ ‬في‭ ‬باراغواي‭ ‬سيليست‭ ‬أماريلا‭ ‬بحق‭ ‬قائد‭ ‬المنتخب‭ ‬الفرنسي‭ ‬كيليان‭ ‬مبابي،‭ ‬مستخدمة‭ ‬أوصافًا‭ ‬عنصرية‭ ‬لا‭ ‬تليق‭ ‬بمن‭ ‬يشغل‭ ‬منصبًا‭ ‬عامًّا‭. ‬وجاء‭ ‬رد‭ ‬مبابي‭ ‬حاسمًا‭ ‬عندما‭ ‬وصفها‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬امرأة‭ ‬حقيرة‭ ‬ولا‭ ‬تستحق‭ ‬منصبها‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬سارعت‭ ‬حكومة‭ ‬باراغواي‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬رفضها‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭. ‬ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الرسمي‭ ‬فإنَّ‭ ‬الواقعة‭ ‬كشفت‭ ‬أن‭ ‬العنصرية‭ ‬مازالت‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يروج‭ ‬لها‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭.‬

ولم‭ ‬تقف‭ ‬المشاهد‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬كثيرون‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬مظاهر‭ ‬تسييس‭ ‬الرياضة،‭ ‬عندما‭ ‬مارس‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ضغوطًا‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬لإلغاء‭ ‬البطاقة‭ ‬الحمراء‭ ‬التي‭ ‬تلقاها‭ ‬اللاعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬فولارين‭ ‬بالوغون‭. ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬أنَّ‭ ‬استجابة‭ ‬رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬جياني‭ ‬إنفانتينو‭ ‬لهذا‭ ‬الضغط،‭ ‬إن‭ ‬صحت‭ ‬بهذا‭ ‬الوصف،‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬استقلالية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرياضية،‭ ‬وتعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬التناقض‭ ‬مع‭ ‬الشعارات‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬رُفعت‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬إبعاد‭ ‬السياسة‭ ‬عن‭ ‬الرياضة‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬المنتخب‭ ‬المصري‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬المشحونة،‭ ‬بعدما‭ ‬تعرض‭ ‬مديره‭ ‬الفني‭ ‬لحملة‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬إسرائيلية‭ ‬عقب‭ ‬رفعه‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وتصريحاته‭ ‬المتضامنة‭ ‬مع‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭ ‬إلى‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬وما‭ ‬اعتبروه‭ ‬قرارات‭ ‬تحكيمية‭ ‬مجحفة‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬المنتخب‭ ‬خلال‭ ‬البطولة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يحيط‭ ‬حتى‭ ‬بالأحداث‭ ‬الرياضية‭.‬

كما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬اليوم‭ ‬مجرد‭ ‬منافسة‭ ‬داخل‭ ‬المستطيل‭ ‬الأخضر،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬عالمية‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬وإعلامية‭ ‬هائلة،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬أحيانًا‭: ‬هل‭ ‬تخدم‭ ‬القرارات‭ ‬اللعبة‭ ‬أم‭ ‬تخدم‭ ‬الأسواق‭ ‬والرعاة‭ ‬ومراكز‭ ‬النفوذ؟

ومع‭ ‬كل‭ ‬مباراة،‭ ‬تتحول‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬للتحريض‭ ‬والعنصرية‭ ‬والتنمر،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تقرب‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أداة‭ ‬لتأجيج‭ ‬الانقسامات‭.‬

وربما‭ ‬لم‭ ‬يصنع‭ ‬مونديال‭ ‬2026‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات،‭ ‬لكنه‭ ‬كشفها‭ ‬بوضوح‭. ‬فالرياضة‭ ‬ليست‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬انقسام‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬لحالته،‭ ‬وحين‭ ‬تتحول‭ ‬بطولة‭ ‬ينتظرها‭ ‬مليارات‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬السياسة‭ ‬والكراهية‭ ‬والعنصرية‭ ‬والمصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فإن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬جاءت‭ ‬لتعكسه‭.‬

وما‭ ‬لم‭ ‬تستعِدْ‭ ‬البشرية‭ ‬بوصلتها‭ ‬الأخلاقية‭ ‬فلن‭ ‬تكون‭ ‬الخسارة‭ ‬في‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذاته‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا