يطلق على كرة القدم لقب «الساحرة المستديرة»، لكن مونديال 2026 الذي استضافته الولايات المتحدة وكندا والمكسيك حوّل تلك الكرة الجلدية إلى بلورة مسحورة كشفت ما يعتري عالمنا من أمراض، في وقت بات يشهد تراجعًا مقلقًا في القيم الإنسانية والأخلاقية التي كانت تضبط إيقاع العلاقات بين الدول، بسبب تراجع النظام العالمي القائم على مبدأ العمل متعدد الأطراف.
وللأسف، يبدو أن العالم يرتد تدريجيًّا إلى أمراضه القديمة؛ من الكراهية والعنصرية، إلى فرض منطق القوة، وازدواجية المعايير، وتسييس كل شيء، حتى الرياضة التي طالما قيل إنها توحد الشعوب.
فمنذ الأيام الأولى للبطولة بدا أنَّ التمييز حاضرٌ حتى قبل انطلاق المباريات، عندما مُنع الحكم الصومالي عمر عبدالقادر أرتان من دخول الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مزاعم تتعلق بصلات مع أشخاص يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية، في واقعة أثارت تساؤلات حول مدى تأثير الاعتبارات السياسية والأمنية على حدث رياضي عالمي يُفترض أن يكون مفتوحًا للجميع.
ولم نكد نبتلع هذه الغصة حتى خرج السياسي اليميني الهولندي المتطرف خيرت فيلدرز بخطاب جديد يغذي الكراهية، مهاجمًا لاعبي المنتخب المغربي بسبب سجودهم شكرًا لله عقب الفوز على منتخب هولندا، في مشهد أعاد إلى الواجهة مظاهر الإسلاموفوبيا التي لا تزال تُطل برأسها كلما ظهر رمزٌ من رموز الهوية الإسلامية في الفضاء العام.
ثم عادت العنصرية لتكشف وجهها القبيح من جديد عبر التصريحات المسيئة التي أطلقتها النائبة البرلمانية في باراغواي سيليست أماريلا بحق قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي، مستخدمة أوصافًا عنصرية لا تليق بمن يشغل منصبًا عامًّا. وجاء رد مبابي حاسمًا عندما وصفها بأنها «امرأة حقيرة ولا تستحق منصبها»، بينما سارعت حكومة باراغواي إلى إعلان رفضها هذه التصريحات. ورغم هذا الموقف الرسمي فإنَّ الواقعة كشفت أن العنصرية مازالت تجد من يروج لها حتى من داخل المؤسسات المنتخبة.
ولم تقف المشاهد عند هذا الحد، بل امتدت إلى ما اعتبره كثيرون أحد أخطر مظاهر تسييس الرياضة، عندما مارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا على الاتحاد الدولي لكرة القدم لإلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون. وقد رأى كثيرٌ من المتابعين أنَّ استجابة رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو لهذا الضغط، إن صحت بهذا الوصف، تثير تساؤلات حول استقلالية المؤسسات الرياضية، وتعيد إلى الأذهان التناقض مع الشعارات التي طالما رُفعت حول ضرورة إبعاد السياسة عن الرياضة.
ولم يكن المنتخب المصري بعيدًا عن هذه الأجواء المشحونة، بعدما تعرض مديره الفني لحملة انتقادات من أطراف إسرائيلية عقب رفعه العلم الفلسطيني وتصريحاته المتضامنة مع معاناة الشعب الفلسطيني، بل ذهب بعض المراقبين إلى الربط بين هذا الموقف وما اعتبروه قرارات تحكيمية مجحفة تعرض لها المنتخب خلال البطولة، وهو ما يعكس حجم الاستقطاب الذي بات يحيط حتى بالأحداث الرياضية.
كما لم تعد كرة القدم اليوم مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى صناعة عالمية تتحكم فيها مصالح اقتصادية وإعلامية هائلة، حتى أصبح السؤال أحيانًا: هل تخدم القرارات اللعبة أم تخدم الأسواق والرعاة ومراكز النفوذ؟
ومع كل مباراة، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتحريض والعنصرية والتنمر، لتؤكد أن التكنولوجيا التي يُفترض أن تقرب بين الشعوب أصبحت في كثير من الأحيان أداة لتأجيج الانقسامات.
وربما لم يصنع مونديال 2026 كل هذه الأزمات، لكنه كشفها بوضوح. فالرياضة ليست سببًا في انقسام العالم، بل مرآة لحالته، وحين تتحول بطولة ينتظرها مليارات البشر إلى مساحة تتقاطع فيها السياسة والكراهية والعنصرية والمصالح الاقتصادية فإن المشكلة لا تكون في كرة القدم، بل في الواقع الذي جاءت لتعكسه.
وما لم تستعِدْ البشرية بوصلتها الأخلاقية فلن تكون الخسارة في ملاعب كرة القدم وحدها، بل في ملعب الإنسانية ذاته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك