أسهمت في ترسيخ حضور المرأة البحرينية في المشهد الدرامي الخليجي
أثبتت حضورها في وقت كانت فيه الشاشة تبحث عن أعمال تنطلق من المجتمع وتعكس تفاصيله وقضاياه بعيدًا عن المبالغة أو التصنّع
شاركت في «افتح يا سمسم» الذي يعد مشروعا تربويا وثقافيا رافق أجيالا عربية كاملة

دائمًا ما توصف مملكة البحرين بأنها ولّادة للمبدعين، وأن المحرق منبع للمثقفين والفنانين، ويكاد لا يخلو حوار فني أو ثقافي يجمعني بأحد الفنانين أو الإعلاميين أو المثقفين في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا ويأتي ذكر البحرين بوصفها إحدى أهم الحواضن التي أنجبت أجيالًا من المبدعين، وليس في ذلك شيء من المبالغة، فالحركة الثقافية والفنية التي شهدتها المملكة على امتداد عقود أنجبت أسماء تركت أثرًا راسخًا في الذاكرة الخليجية، وأسهمت في بناء ملامح المسرح والدراما والفنون في المنطقة.
ومن بين تلك الأسماء تبرز الفنانة أحلام محمد، التي لا يمكن اختزال مسيرتها في عمل واحد أو مرحلة بعينها فهي ابنة المحرق التي تنتمي إلى جيل واكب البدايات الحقيقية للدراما الخليجية، وأسهم في ترسيخ حضورها، في وقت كانت فيه الشاشة تبحث عن أعمال تنطلق من المجتمع وتعكس تفاصيله وقضاياه، بعيدًا عن المبالغة أو التصنّع.
عملت مذيعة بإذاعة البحرين، وبدأت مشوارها الفني عام 1972، وتنوعت أدوارها ما بين المسرح والتلفزيون، عملت مساعد مخرج في مسلسل ليل البنادر، وشاركت في عدة مسرحيات لتبدأ رحلة فنية امتدت لعقود، أثبتت خلالها أن الاستمرار في هذا المجال لا يعتمد على الحضور فقط، بل على الموهبة والالتزام واحترام المهنة.
وكان مسلسل «الأقدار» عام 1978 من المحطات المهمة في مشوارها، إذ شاركت إلى جانب نخبة من رواد الدراما الخليجية، في مقدمتهم عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وغانم الصالح وإبراهيم الصلال. وقد شكل العمل تجربة مهمة داخل مرحلة كانت الدراما الخليجية فيها تؤسس لغتها الخاصة، وتبحث عن نصوص تعكس المجتمع، وعن ممثلين قادرين على تقديم الشخصيات بصدق وعمق.
واصلت أحلام محمد حضورها في عدد من الأعمال التي تنتمي إلى مرحلة ازدهار الدراما الخليجية، منها «حاجز الذكريات» و"أشياء ضرورية" و"مثلث الحب" و"الجوهرة"و "أحلى الأيام" وغيرهم الكثير من الأعمال التي بقيت حاضرة في ذاكرة الفن الخليجي والعربي، وقد تنوعت أدوارها بين الأعمال الاجتماعية والإنسانية، التي كانت تقترب من حياة الناس، وتناقش تحولات الأسرة والمجتمع، وهو ما منح تلك الأعمال مكانتها في ذاكرة الجمهور.
ومن المحطات اللافتة والمهمة في تجربتها، مشاركتها في برنامج "افتح يا سمسم"، الذي يُعد مشروعًا تربويًا وثقافيًا رافق أجيالًا عربية كاملة، وقدم نموذجًا مختلفًا في مخاطبة الطفل من خلال المعرفة والقيم. وكانت هذه المشاركة انعكاسًا لقدرتها على التنقل بين مجالات فنية متعددة، من الدراما إلى البرامج والإذاعة، مع المحافظة على حضورها الخاص.
ولم تقتصر تجربتها على التمثيل، بل امتدت إلى الجانب الفني الآخر، حيث عملت مساعد مخرج في مسلسل "ليل البنادر" في خطوة أثبتت حضورها ورغبتها في فهم تفاصيل صناعة العمل الدرامي من مختلف جوانبه، وليس الاكتفاء بالوقوف أمام الكاميرا.
أما المسرح، فقد كان محطة مهمة في مسيرتها، إذ قدمت من خلاله أعمالًا أكدت امتلاكها أدوات الممثل المسرحي، ومن بينها "السدرة" و "وجوه" وقد حصلت عن دورها في مسرحية "وجوه" على جائزة أفضل ممثلة مساعدة في مهرجان المسرح الخامس لدول مجلس التعاون الخليجي عام 1997، تقديرًا لأدائها وحضورها على الخشبة.
كما شكل مسلسل "أزهار مريم" محطة بارزة أخرى، بعدما نالت عنه جائزة الإبداع في مهرجان القاهرة السادس للإذاعة والتلفزيون، ليضاف هذا الإنجاز إلى مسيرة فنية أكدت حضور الفنان البحريني في المشهد العربي، وقدرته على الوصول إلى جمهور أوسع عبر الأعمال الجادة.
ما يميز تجربة أحلام محمد أنها لم ترتبط بنمط واحد من الأداء، بل تنقلت بين الإذاعة والتلفزيون والمسرح والإخراج، وكانت جزءًا من مرحلة مهمة في تاريخ الفن البحريني والخليجي. فهي تنتمي إلى جيل كان يضع قيمة العمل وجودة النص في مقدمة الأولويات، ويؤمن بأن الفنان لا يصنع حضوره بكثرة الظهور، بل بما يتركه من أثر.
الفنانة القديرة أحلام محمد التي حرصت على أن يبقى اسمها حاضرًا في ذاكرة الدراما البحرينية، كانت ولاتزال واحدة من الوجوه التي شاركت في بناء مرحلة فنية مهمة، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة البحرينية في المشهد الدرامي الخليجي. فالأعمال قد تنتهي، لكن التجارب الصادقة تبقى جزءًا من ذاكرة الجمهور، وهو ما جعل مسيرة أحلام محمد صفحة مضيئة في تاريخ الفن البحريني.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك