العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

من ينتظر الوظيفة؟

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬الإنصاف‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬بتقدير‭ ‬الأسر‭ ‬الواعية‭ ‬التي‭ ‬فهمت‭ ‬مبكراً‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬الأبناء‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬الشهادة‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬تحدده‭ ‬الوظيفة‭ ‬فقط‭. ‬هناك‭ ‬آباء‭ ‬وأمهات‭ ‬شجعوا‭ ‬أبناءهم‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬المهارات،‭ ‬واحترام‭ ‬العمل،‭ ‬وخوض‭ ‬التجربة،‭ ‬وفهم‭ ‬قيمة‭ ‬المال،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬خطوات‭ ‬بسيطة‭.‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬الوعي،‭ ‬مازالت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البيوت‭ ‬صورة‭ ‬النجاح‭ ‬مختصرة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬واحد‭: ‬اجتهد،‭ ‬احصل‭ ‬على‭ ‬شهادة،‭ ‬ثم‭ ‬ابحث‭ ‬عن‭ ‬وظيفة،‭ ‬ويفضل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬حكومية‭. ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬مفهومة‭ ‬في‭ ‬سياقها،‭ ‬فقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬الوظيفة‭ ‬الحكومية‭ ‬طويلاً‭ ‬بالاستقرار‭ ‬والطمأنينة‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

لكن‭ ‬واقع‭ ‬العمل‭ ‬تغير‭. ‬الشهادة‭ ‬مازالت‭ ‬مهمة،‭ ‬والوظيفة‭ ‬مازالت‭ ‬خياراً‭ ‬كريماً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬أصبح‭ ‬أوسع‭ ‬وأسرع‭ ‬تغيراً‭. ‬هناك‭ ‬مهن‭ ‬تظهر،‭ ‬وأخرى‭ ‬تتراجع،‭ ‬وأعمال‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬مهارة‭ ‬صغيرة،‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬الناس،‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ ‬يعرف‭ ‬صاحبها‭ ‬كيف‭ ‬يقدمها‭.‬

ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬الشاب‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭.. ‬العمل‭ ‬حق،‭ ‬والاستقرار‭ ‬مطلب،‭ ‬والطموح‭ ‬إلى‭ ‬وظيفة‭ ‬كريمة‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭. ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬الوظيفة‭ ‬الطريق‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬ذهنه،‭ ‬ويتحول‭ ‬انتظارها‭ ‬إلى‭ ‬خطة‭ ‬كاملة‭ ‬للحياة‭.‬

فالذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬أمامه‭ ‬إلا‭ ‬باباً‭ ‬واحداً،‭ ‬سيشعر‭ ‬بالعجز‭ ‬إذا‭ ‬تأخر‭ ‬ذلك‭ ‬الباب‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬تربى‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬طريق،‭ ‬فسيتعلم‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬بما‭ ‬يعرف،‭ ‬وأن‭ ‬يطور‭ ‬ما‭ ‬يملك،‭ ‬وأن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬أو‭ ‬يصنعها‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬ثقافة‭ ‬صناعة‭ ‬الفرصة‭ ‬والمقصود‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬الشاب‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬شيئاً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬منه؛‭ ‬مهارة‭ ‬يطورها،‭ ‬أو‭ ‬معرفة‭ ‬ينفع‭ ‬بها‭ ‬غيره،‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬يقدمها،‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ ‬صغيرة‭ ‬تكبر‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭. ‬ليست‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الجميع‭ ‬أصحاب‭ ‬مشاريع،‭ ‬وليست‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الوظيفة،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬طريقة‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬التفكير‭.‬

حين‭ ‬يفهم‭ ‬الطالب‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينفع‭ ‬غيره،‭ ‬تتغير‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭. ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬معلقاً‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬لا‭ ‬يملكه،‭ ‬ولا‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭ ‬عن‭ ‬النجاح‭. ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬أجيد؟‭ ‬ماذا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أتعلم؟‭ ‬وكيف‭ ‬أفتح‭ ‬لنفسي‭ ‬طريقاً‭ ‬كريماً‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تأتني‭ ‬الطريق‭ ‬جاهزة؟

ولا‭ ‬ينطلق‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬إنكار‭ ‬الجهود‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬الشباب،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬المالي،‭ ‬وتقريب‭ ‬الطلبة‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬فهذه‭ ‬جهود‭ ‬مقدرة‭ ‬وتستحق‭ ‬البناء‭ ‬عليها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الفرص‭ ‬والبرامج‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الطالب‭ ‬والأسرة‭ ‬والمجتمع‭: ‬هل‭ ‬نربي‭ ‬أبناءنا‭ ‬على‭ ‬انتظار‭ ‬الفرصة،‭ ‬أم‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها‭ ‬وصناعتها؟

ولسان‭ ‬حالي‭ ‬كحال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭: ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬أبناءنا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬أرقاماً‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬عمل،‭ ‬ثم‭ ‬نبدأ‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬لاحقة‭ ‬من‭ ‬تقييم‭ ‬وإرشاد‭ ‬وتدريب‭. ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تأتي‭ ‬متأخرة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تسبقها‭ ‬ثقافة‭ ‬تبنى‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭.‬

البداية‭ ‬الصحيحة‭ ‬أن‭ ‬نعلّم‭ ‬أبناءنا‭ ‬ألا‭ ‬يكونوا‭ ‬متلقين‭ ‬للفرص‭ ‬فقط،‭ ‬ينتظرون‭ ‬من‭ ‬يمنحهم‭ ‬الطريق،‭ ‬وإنما‭ ‬أصحاب‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم،‭ ‬والمبادرة،‭ ‬وصناعة‭ ‬الفرصة‭.‬

ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬توسيع‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أبنائنا‭. ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬لهم‭: ‬ادرسوا‭ ‬حتى‭ ‬تعرفوا‭ ‬أنفسكم،‭ ‬وتتقنوا‭ ‬عملاً،‭ ‬وتملكوا‭ ‬مهارة،‭ ‬وتكونوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬متى‭ ‬تغيرت‭ ‬الظروف‭. ‬فالوظيفة‭ ‬مهمة،‭ ‬والشهادة‭ ‬ضرورية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬متلقياً‭ ‬لما‭ ‬تمنحه‭ ‬له‭ ‬الحياة‭ ‬متى‭ ‬كان‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬ويتعلم‭ ‬ويجرب‭.‬

لقد‭ ‬خسرنا‭ ‬كثيراً‭ ‬حين‭ ‬جعلنا‭ ‬بعض‭ ‬الأعمال‭ ‬أقل‭ ‬شأناً‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬أبنائنا؛‭ ‬حين‭ ‬أوحينا‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬المكتب‭ ‬أكثر‭ ‬احتراماً‭ ‬من‭ ‬الورشة،‭ ‬وأن‭ ‬المسمى‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬المهارة،‭ ‬وأن‭ ‬الراتب‭ ‬الثابت‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬دليل‭ ‬النجاح‭. ‬المجتمع‭ ‬القوي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الطبيب‭ ‬والمعلم‭ ‬والمهندس‭ ‬والموظف‭ ‬والحرفي‭ ‬والمبرمج‭ ‬وصاحب‭ ‬المشروع،‭ ‬ويحتاج‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صوره‭.‬

نريد‭ ‬جيلاً‭ ‬لا‭ ‬يرفض‭ ‬الوظيفة،‭ ‬ولا‭ ‬يغامر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي،‭ ‬ولا‭ ‬يخاصم‭ ‬الدولة‭. ‬نريد‭ ‬جيلاً‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬سند،‭ ‬وأن‭ ‬الوظيفة‭ ‬خيار‭ ‬كريم،‭ ‬ويعرف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬واحد‭.‬

من‭ ‬ينتظر‭ ‬الوظيفة‭ ‬إذن؟

ينتظرها‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬شيئاً‭ ‬يبدأ‭ ‬به‭. ‬وينتظرها‭ ‬من‭ ‬نشأ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬واحد‭. ‬وينتظرها‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬في‭ ‬صغره‭ ‬أن‭ ‬المهارة‭ ‬باب،‭ ‬وأن‭ ‬العمل‭ ‬الشريف‭ ‬كرامة،‭ ‬وأن‭ ‬المحاولة‭ ‬بداية‭ ‬لا‭ ‬عيب‭.‬

السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬سيجد‭ ‬أبناؤنا‭ ‬وظائف؟

السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬هل‭ ‬ربيناهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬البدء،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الانتظار‭ ‬فقط؟‭ ‬وهل‭ ‬علمناهم‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تعاش‭ ‬بعقلية‭ ‬المتلقي،‭ ‬وإنما‭ ‬بعقلية‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يصنع‭ ‬فرصته‭ ‬حين‭ ‬تضيق‭ ‬الخيارات؟

فالأجيال‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬الحياة‭ ‬بالشهادات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬تعلمته‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬العمل،‭ ‬واحترام‭ ‬الجهد،‭ ‬وشجاعة‭ ‬المحاولة‭.‬

ويبقى‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الجهود،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬نظرتنا‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬والنجاح،‭ ‬فمن‭ ‬يغير‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة؟‭ ‬وكيف‭ ‬ننتقل‭ ‬بأبنائنا‭ ‬من‭ ‬انتظار‭ ‬الفرصة‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬صناعتها؟

هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬حديث‭ ‬آخر‭.. ‬وللحديث‭ ‬بقية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا