من الإنصاف أن نبدأ بتقدير الأسر الواعية التي فهمت مبكراً أن مستقبل الأبناء لا تصنعه الشهادة وحدها، ولا تحدده الوظيفة فقط. هناك آباء وأمهات شجعوا أبناءهم على تعلم المهارات، واحترام العمل، وخوض التجربة، وفهم قيمة المال، والاعتماد على النفس في خطوات بسيطة.
ومع هذا الوعي، مازالت في بعض البيوت صورة النجاح مختصرة في طريق واحد: اجتهد، احصل على شهادة، ثم ابحث عن وظيفة، ويفضل أن تكون في جهة حكومية. هذه الصورة مفهومة في سياقها، فقد ارتبطت الوظيفة الحكومية طويلاً بالاستقرار والطمأنينة والمكانة الاجتماعية.
لكن واقع العمل تغير. الشهادة مازالت مهمة، والوظيفة مازالت خياراً كريماً، غير أن سوق العمل أصبح أوسع وأسرع تغيراً. هناك مهن تظهر، وأخرى تتراجع، وأعمال تبدأ من مهارة صغيرة، أو خدمة يحتاج إليها الناس، أو فكرة يعرف صاحبها كيف يقدمها.
ليست المشكلة في أن يبحث الشاب عن وظيفة.. العمل حق، والاستقرار مطلب، والطموح إلى وظيفة كريمة أمر طبيعي. المشكلة تبدأ حين تصبح الوظيفة الطريق الوحيد في ذهنه، ويتحول انتظارها إلى خطة كاملة للحياة.
فالذي لا يرى أمامه إلا باباً واحداً، سيشعر بالعجز إذا تأخر ذلك الباب. أما من تربى على أن الحياة فيها أكثر من طريق، فسيتعلم أن يبدأ بما يعرف، وأن يطور ما يملك، وأن يبحث عن فرصة أو يصنعها.
من هنا تأتي أهمية ثقافة صناعة الفرصة والمقصود بها أن يتعلم الشاب أن في يده شيئاً يمكن أن يبدأ منه؛ مهارة يطورها، أو معرفة ينفع بها غيره، أو خدمة يقدمها، أو فكرة صغيرة تكبر مع الوقت. ليست دعوة إلى أن يصبح الجميع أصحاب مشاريع، وليست بديلاً عن الوظيفة، إنما هي طريقة أوسع في التفكير.
حين يفهم الطالب أن ما يعرفه يمكن أن ينفع غيره، تتغير نظرته إلى نفسه. لا يبقى معلقاً على قرار لا يملكه، ولا محصوراً في صورة واحدة عن النجاح. يبدأ في السؤال: ماذا أجيد؟ ماذا أستطيع أن أتعلم؟ وكيف أفتح لنفسي طريقاً كريماً إذا لم تأتني الطريق جاهزة؟
ولا ينطلق هذا الحديث من إنكار الجهود القائمة في البحرين في تمكين الشباب، وتعزيز الوعي المالي، وتقريب الطلبة من سوق العمل. فهذه جهود مقدرة وتستحق البناء عليها. غير أن القضية ليست في وجود الفرص والبرامج وحدها، وإنما في الثقافة التي تصل إلى الطالب والأسرة والمجتمع: هل نربي أبناءنا على انتظار الفرصة، أم على الاستعداد لها وصناعتها؟
ولسان حالي كحال كثير من الآباء والأمهات: لا نريد أن نرى أبناءنا بعد سنوات أرقاماً جديدة في قوائم الباحثين عن عمل، ثم نبدأ في البحث عن حلول لاحقة من تقييم وإرشاد وتدريب. هذه الجهود مهمة في وقتها، لكنها تأتي متأخرة إذا لم تسبقها ثقافة تبنى منذ الصغر.
البداية الصحيحة أن نعلّم أبناءنا ألا يكونوا متلقين للفرص فقط، ينتظرون من يمنحهم الطريق، وإنما أصحاب قدرة على التعلم، والمبادرة، وصناعة الفرصة.
ما نحتاجه اليوم هو توسيع الرسالة التي تصل إلى أبنائنا. أن نقول لهم: ادرسوا حتى تعرفوا أنفسكم، وتتقنوا عملاً، وتملكوا مهارة، وتكونوا قادرين على الوقوف متى تغيرت الظروف. فالوظيفة مهمة، والشهادة ضرورية، غير أن الإنسان لا ينبغي أن يبقى متلقياً لما تمنحه له الحياة متى كان قادراً على أن يسعى ويتعلم ويجرب.
لقد خسرنا كثيراً حين جعلنا بعض الأعمال أقل شأناً في نظر أبنائنا؛ حين أوحينا لهم أن المكتب أكثر احتراماً من الورشة، وأن المسمى أهم من المهارة، وأن الراتب الثابت وحده هو دليل النجاح. المجتمع القوي يحتاج إلى الطبيب والمعلم والمهندس والموظف والحرفي والمبرمج وصاحب المشروع، ويحتاج أيضاً إلى احترام العمل في كل صوره.
نريد جيلاً لا يرفض الوظيفة، ولا يغامر من دون وعي، ولا يخاصم الدولة. نريد جيلاً يعرف أن الدولة سند، وأن الوظيفة خيار كريم، ويعرف في الوقت ذاته أن حياته لا ينبغي أن تتوقف عند باب واحد.
من ينتظر الوظيفة إذن؟
ينتظرها من لم يتعلم أن لديه شيئاً يبدأ به. وينتظرها من نشأ على أن الطريق واحد. وينتظرها من لم يسمع في صغره أن المهارة باب، وأن العمل الشريف كرامة، وأن المحاولة بداية لا عيب.
السؤال الحقيقي ليس: هل سيجد أبناؤنا وظائف؟
السؤال الأهم: هل ربيناهم على أن يكونوا قادرين على البدء، لا على الانتظار فقط؟ وهل علمناهم أن الحياة لا تعاش بعقلية المتلقي، وإنما بعقلية من يعرف كيف يصنع فرصته حين تضيق الخيارات؟
فالأجيال لا تدخل الحياة بالشهادات وحدها، وإنما بما تعلمته عن معنى العمل، واحترام الجهد، وشجاعة المحاولة.
ويبقى سؤال آخر: إذا كانت المشكلة ليست في غياب الجهود، وإنما في الثقافة التي تحكم نظرتنا إلى العمل والنجاح، فمن يغير هذه الثقافة؟ وكيف ننتقل بأبنائنا من انتظار الفرصة إلى القدرة على صناعتها؟
هنا يبدأ حديث آخر.. وللحديث بقية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك