العدد : ١٧٦٣٧ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٧ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

مجلس التعاون.. حين تصير السيادة درعا والمصير عهدا

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬تموج‭ ‬خرائطُ‭ ‬الإقليم‭ ‬بما‭ ‬اضطرب‭ ‬من‭ ‬أنبائه،‭ ‬وتضيق‭ ‬آفاقُه‭ ‬بما‭ ‬تكاثف‭ ‬من‭ ‬غُبرائه،‭ ‬وتعلو‭ ‬في‭ ‬أرجائه‭ ‬أصواتُ‭ ‬الوعيد،‭ ‬رعودًا‭ ‬بلا‭ ‬غيث،‭ ‬وبروقًا‭ ‬بلا‭ ‬هدى،‭ ‬وصواعقَ‭ ‬بلا‭ ‬مدى؛‭ ‬وحين‭ ‬تمضي‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬غيّها‭ ‬العتيق،‭ ‬ونهجها‭ ‬المريق،‭ ‬لا‭ ‬تملُّ‭ ‬عدوانًا،‭ ‬ولا‭ ‬تشبع‭ ‬تدخّلًا،‭ ‬ولا‭ ‬تكفُّ‭ ‬تحريضًا،‭ ‬كأن‭ ‬الجوار‭ ‬عندها‭ ‬ميدانُ‭ ‬مكيدة،‭ ‬والسيادةَ‭ ‬سورٌ‭ ‬للثُّلمة،‭ ‬والقانونَ‭ ‬قيدٌ‭ ‬للكسر،‭ ‬والمواثيقَ‭ ‬حبرٌ‭ ‬للهدر؛‭ ‬عندئذٍ‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬حديثَ‭ ‬قاعاتٍ‭ ‬تُفتح،‭ ‬ولا‭ ‬بياناتٍ‭ ‬تُتلى،‭ ‬ولا‭ ‬صورٍ‭ ‬تُلتقط،‭ ‬ولا‭ ‬عباراتٍ‭ ‬تُنمّق؛‭ ‬بل‭ ‬حديثَ‭ ‬دارٍ‭ ‬إذا‭ ‬قُرع‭ ‬بابُها‭ ‬نهض‭ ‬أهلُها،‭ ‬وصفٍّ‭ ‬إذا‭ ‬نُودي‭ ‬اشتدَّ‭ ‬بنيانُه،‭ ‬وحصنٍ‭ ‬إذا‭ ‬أقبل‭ ‬الخطرُ‭ ‬عليه‭ ‬ازداد‭ ‬ارتفاعُه،‭ ‬ومصيرٍ‭ ‬إذا‭ ‬أحاطت‭ ‬به‭ ‬النوازل‭ ‬اجتمعت‭ ‬عليه‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬البنود،‭ ‬وتقدّمت‭ ‬فيه‭ ‬العزائم‭ ‬على‭ ‬العبارات،‭ ‬وثبتت‭ ‬عنده‭ ‬المواقف‭ ‬قبل‭ ‬المقالات‭.‬

فمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬بيتٌ‭ ‬خليجيٌّ‭ ‬لا‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬الريح‭ ‬فتقوضه،‭ ‬بل‭ ‬تمتحنه‭ ‬فتُظهر‭ ‬أصلَه؛‭ ‬ولا‭ ‬تُحدق‭ ‬به‭ ‬الأخطار‭ ‬فتُضعفه،‭ ‬بل‭ ‬تُزاحمه‭ ‬فتُبرز‭ ‬فضلَه؛‭ ‬ولا‭ ‬تنزل‭ ‬به‭ ‬الشدائد‭ ‬فتُنقصه،‭ ‬بل‭ ‬تصهره‭ ‬فتزيده‭ ‬صلابةً‭ ‬ونُبلًا؛‭ ‬ولا‭ ‬تتوالى‭ ‬عليه‭ ‬التهديدات‭ ‬فتُربكه،‭ ‬بل‭ ‬توقظه‭ ‬فتزيد‭ ‬صفَّه‭ ‬التئامًا،‭ ‬وموقفَه‭ ‬إحكامًا،‭ ‬وطريقَه‭ ‬ثباتًا‭ ‬واستقامة‭.‬

وليست‭ ‬دولُ‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬جوارًا‭ ‬خطَّه‭ ‬المداد،‭ ‬ولا‭ ‬اجتماعًا‭ ‬دعته‭ ‬الضرورة‭ ‬ثم‭ ‬يصرفه‭ ‬الاعتياد،‭ ‬ولا‭ ‬أسماءً‭ ‬تُجمع‭ ‬في‭ ‬بيانٍ‭ ‬ثم‭ ‬تفترق‭ ‬في‭ ‬الميدان؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أهلُ‭ ‬دارٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬ونخوةُ‭ ‬ساحلٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ووشيجةُ‭ ‬قربى‭ ‬لا‭ ‬تقطعها‭ ‬الحدود،‭ ‬ورابطةُ‭ ‬مصيرٍ‭ ‬لا‭ ‬تضعفها‭ ‬العهود‭. ‬فيها‭ ‬سيادةٌ‭ ‬تصون،‭ ‬وعزةٌ‭ ‬تسند،‭ ‬ووفاءٌ‭ ‬يشهد،‭ ‬وعزمٌ‭ ‬ينهض،‭ ‬وحكمةٌ‭ ‬ترشد،‭ ‬وحميةٌ‭ ‬تثبت؛‭ ‬تتعدد‭ ‬الرايات‭ ‬ولا‭ ‬يتعدد‭ ‬الأصل،‭ ‬وتختلف‭ ‬العواصم‭ ‬ولا‭ ‬يختلف‭ ‬النبض،‭ ‬وتتنوع‭ ‬الديار‭ ‬ولا‭ ‬تتفرق‭ ‬الدار‭. ‬فإذا‭ ‬مُسّت‭ ‬سيادةُ‭ ‬دولةٍ‭ ‬منها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬خدشًا‭ ‬في‭ ‬حدٍّ‭ ‬مرسوم،‭ ‬بل‭ ‬مساسًا‭ ‬بعهدٍ‭ ‬معلوم؛‭ ‬وإذا‭ ‬رُوّع‭ ‬أمنُ‭ ‬بلدٍ‭ ‬منها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬خبرًا‭ ‬يمرّ،‭ ‬بل‭ ‬نذيرًا‭ ‬يقرع‭ ‬السمع،‭ ‬ويوقظ‭ ‬الجمع،‭ ‬ويستنفر‭ ‬الحزم،‭ ‬ويشدّ‭ ‬العزم‭. ‬وقد‭ ‬خاب‭ ‬من‭ ‬حسب‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬أبوابًا‭ ‬متباعدة،‭ ‬أو‭ ‬ظنها‭ ‬عرىً‭ ‬متراخية،‭ ‬أو‭ ‬توهّمه‭ ‬قلوبًا‭ ‬متجافية؛‭ ‬فهي‭ ‬إذا‭ ‬لان‭ ‬الزمن‭ ‬أخوّةٌ‭ ‬ومودّة،‭ ‬وإذا‭ ‬خشن‭ ‬الزمن‭ ‬قوةٌ‭ ‬وعدّة،‭ ‬وإذا‭ ‬أقبل‭ ‬الطامع‭ ‬وجدها‭ ‬بنيانًا‭ ‬لا‭ ‬تُخلخله‭ ‬المكيدة،‭ ‬وصفًّا‭ ‬لا‭ ‬تشقّه‭ ‬الدعاية،‭ ‬ودرعًا‭ ‬لا‭ ‬تلين‭ ‬حوافُّه،‭ ‬وموقفًا‭ ‬لا‭ ‬يصدأ‭ ‬في‭ ‬الغمد،‭ ‬ولا‭ ‬يرتجف‭ ‬في‭ ‬اليد،‭ ‬ولا‭ ‬يساوم‭ ‬على‭ ‬سيادةٍ‭ ‬صانها‭ ‬الحق،‭ ‬وحرسها‭ ‬العهد،‭ ‬وأحكمتها‭ ‬وحدة‭ ‬المصير‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الأصل‭ ‬الراسخ‭ ‬جاء‭ ‬البيانُ‭ ‬الوزاري‭ ‬المشترك‭ ‬للاجتماع‭ ‬بين‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬خبرًا‭ ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬الأخبار،‭ ‬ولا‭ ‬ورقةً‭ ‬تُضمّ‭ ‬إلى‭ ‬الأوراق،‭ ‬ولا‭ ‬لغةً‭ ‬دبلوماسيةً‭ ‬تُقال‭ ‬ثم‭ ‬تُطوى؛‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬موقفٍ‭ ‬استوى‭ ‬بنيانُه،‭ ‬واتضح‭ ‬بيانُه،‭ ‬واشتدّ‭ ‬برهانُه‭. ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬البيانُ‭ ‬صريحَ‭ ‬العبارة،‭ ‬مستقيمَ‭ ‬الإشارة،‭ ‬واضحَ‭ ‬الدلالة،‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬أمنَ‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬ليس‭ ‬موضعَ‭ ‬مداراة،‭ ‬وسيادتها‭ ‬ليست‭ ‬محلَّ‭ ‬مساومة،‭ ‬واستقرارَ‭ ‬شعوبها‭ ‬ليس‭ ‬ساحةً‭ ‬للتجربة،‭ ‬ولا‭ ‬مادةً‭ ‬للمغامرة‭. ‬وحين‭ ‬يؤكد‭ ‬البيان‭ ‬رفضَ‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وصونَ‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة،‭ ‬وحمايةَ‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة،‭ ‬والتصديَ‭ ‬لكل‭ ‬ممارسةٍ‭ ‬تمس‭ ‬الأمن‭ ‬أو‭ ‬تعبث‭ ‬بالاستقرار،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يعلن‭ ‬موقفًا‭ ‬طارئًا،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬قاعدةٍ‭ ‬ثابتة‭: ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إذا‭ ‬تكلّم‭ ‬في‭ ‬أمنه‭ ‬لم‭ ‬يتلعثم،‭ ‬وإذا‭ ‬نهض‭ ‬لسيادته‭ ‬لم‭ ‬يتردد،‭ ‬وإذا‭ ‬اجتمع‭ ‬على‭ ‬حقه‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬للباطل‭ ‬بابًا‭ ‬يدخل‭ ‬منه،‭ ‬ولا‭ ‬للعدوان‭ ‬ظلًا‭ ‬يستتر‭ ‬به،‭ ‬ولا‭ ‬للفتنة‭ ‬منفذًا‭ ‬تتسلل‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الصف‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬وليدَ‭ ‬ساعةٍ‭ ‬عارضة،‭ ‬ولا‭ ‬ثمرةَ‭ ‬ظرفٍ‭ ‬داهم،‭ ‬ولا‭ ‬صدى‭ ‬لاجتماعٍ‭ ‬محدود؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتدادُ‭ ‬نهجٍ‭ ‬رسّخته‭ ‬القيادات،‭ ‬ومسارٌ‭ ‬شدّدت‭ ‬عليه‭ ‬العهود،‭ ‬ووعيٌ‭ ‬سبق‭ ‬الأحداث‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكشفه‭ ‬الشدائد‭. ‬وفي‭ ‬طليعة‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬دأبت‭ ‬عليه‭ ‬الكلماتُ‭ ‬السامية‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬من‭ ‬تأكيدٍ‭ ‬رصينٍ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ليس‭ ‬إطارًا‭ ‬للمجاملة،‭ ‬ولا‭ ‬منبرًا‭ ‬للمداولة،‭ ‬ولا‭ ‬جسرًا‭ ‬تعبره‭ ‬المصالح‭ ‬إذا‭ ‬شاءت‭ ‬ثم‭ ‬تنصرف؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ركيزةُ‭ ‬أمنٍ‭ ‬لا‭ ‬تُهمل،‭ ‬وعمادُ‭ ‬استقرارٍ‭ ‬لا‭ ‬يُخذل،‭ ‬وسبيلُ‭ ‬تكاملٍ‭ ‬لا‭ ‬يُؤجَّل‭. ‬فقد‭ ‬نظر‭ ‬جلالته‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بعين‭ ‬القائد‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬اللحظة،‭ ‬ويدرك‭ ‬ما‭ ‬تحت‭ ‬السطح،‭ ‬ويقرأ‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الأيام‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تقرؤه‭ ‬العيون‭ ‬العجلى؛‭ ‬فأكد‭ ‬أن‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬ليست‭ ‬خيارًا‭ ‬بين‭ ‬خيارات،‭ ‬بل‭ ‬ضرورةٌ‭ ‬تمليها‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬وتزكيها‭ ‬الأخوة،‭ ‬وتحرسها‭ ‬الحكمة،‭ ‬ويشدّها‭ ‬المصير‭ ‬المشترك‭ ‬إذا‭ ‬أقبل‭ ‬الخطر،‭ ‬واشتد‭ ‬الأمر،‭ ‬واستبان‭ ‬وجه‭ ‬الطامع‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ستار‭ ‬القول‭ ‬وشعار‭ ‬السلام‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬الكلماتُ‭ ‬السامية‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وفي‭ ‬مناسبات‭ ‬عدة،‭ ‬كلماتِ‭ ‬بصيرةٍ‭ ‬لا‭ ‬عباراتِ‭ ‬مناسبة،‭ ‬وموازينَ‭ ‬حكمةٍ‭ ‬لا‭ ‬زخارفَ‭ ‬خطاب؛‭ ‬تتكرر‭ ‬فيها‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬لا‭ ‬تكرارَ‭ ‬اللفظ،‭ ‬بل‭ ‬بوصلة‭ ‬الضرورة،‭ ‬وتتجدد‭ ‬فيها‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬التكامل‭ ‬لا‭ ‬مجاملةَ‭ ‬المجلس،‭ ‬بل‭ ‬صيانةَ‭ ‬المصير‭. ‬فحين‭ ‬تحدّث‭ ‬جلالته‭ ‬عن‭ ‬الترابط،‭ ‬أراد‭ ‬به‭ ‬ترابطَ‭ ‬السند‭ ‬لا‭ ‬تماسَّ‭ ‬الحدود؛‭ ‬وحين‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬التقارب،‭ ‬أراد‭ ‬به‭ ‬تقاربَ‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬تقاربَ‭ ‬الجوار؛‭ ‬وحين‭ ‬أكد‭ ‬الاتحاد،‭ ‬لم‭ ‬يجعله‭ ‬أمنيةً‭ ‬مؤجلةً‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬السياسة،‭ ‬بل‭ ‬جعله‭ ‬حاجةً‭ ‬حاضرةً‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬الأمن،‭ ‬وضرورةً‭ ‬قائمةً‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬التاريخ،‭ ‬وسبيلًا‭ ‬تحفظ‭ ‬به‭ ‬الشعوب‭ ‬مكتسباتها،‭ ‬وتصون‭ ‬به‭ ‬الدول‭ ‬سيادتها،‭ ‬وتردّ‭ ‬به‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬طامعٍ‭ ‬أرادها‭ ‬متفرقةَ‭ ‬الكلمة،‭ ‬متباعدةَ‭ ‬الراية،‭ ‬مستباحةَ‭ ‬القرار‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬صوت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬صوتَ‭ ‬وفاءٍ‭ ‬لا‭ ‬يتبدل،‭ ‬ووعيٍ‭ ‬لا‭ ‬يتردد،‭ ‬وعزمٍ‭ ‬لا‭ ‬يلين؛‭ ‬يقرأ‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬دارًا‭ ‬لا‭ ‬دهليزًا،‭ ‬وعمقًا‭ ‬لا‭ ‬هامشًا،‭ ‬ومصيرًا‭ ‬لا‭ ‬مصلحةً‭ ‬عابرة،‭ ‬وطريقًا‭ ‬إذا‭ ‬سار‭ ‬فيه‭ ‬الأشقاءُ‭ ‬معًا‭ ‬ضاقت‭ ‬على‭ ‬الطامعين‭ ‬مسالكُ‭ ‬الوهم،‭ ‬واتسعت‭ ‬لأهله‭ ‬آفاقُ‭ ‬الأمن‭ ‬والعز‭ ‬والاقتدار‭.‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬إبراز‭ ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ليس‭ ‬عملًا‭ ‬خبريًا‭ ‬محدود‭ ‬الأثر،‭ ‬ولا‭ ‬واجبًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬ولا‭ ‬ترديدًا‭ ‬لبيانٍ‭ ‬صدر‭ ‬وانقضى؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حراسةٌ‭ ‬للوعي‭ ‬من‭ ‬التشويش،‭ ‬وصيانةٌ‭ ‬للحقيقة‭ ‬من‭ ‬التلبيس،‭ ‬وتثبيتٌ‭ ‬للصورة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬لها‭ ‬الاضطراب‭ ‬والتدليس‭. ‬فالإعلام،‭ ‬حين‭ ‬يصدق‭ ‬في‭ ‬رسالته،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬ناقلًا‭ ‬لما‭ ‬وقع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كاشفًا‭ ‬لما‭ ‬وراءه،‭ ‬ومبيّنًا‭ ‬لما‭ ‬يحيط‭ ‬به،‭ ‬وحارسًا‭ ‬لمعنى‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬كثر‭ ‬فيه‭ ‬اللغط،‭ ‬وتكاثرت‭ ‬فيه‭ ‬المنابر،‭ ‬واختلط‭ ‬فيه‭ ‬الخبر‭ ‬بالغرض،‭ ‬والقول‭ ‬بالهوى،‭ ‬والحقيقة‭ ‬بالتهويل‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬وجب‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬الصف‭ ‬الخليجي‭ ‬كما‭ ‬هو‭: ‬صفًا‭ ‬لا‭ ‬تشقّه‭ ‬الدعاية،‭ ‬ووعيًا‭ ‬لا‭ ‬تخدعه‭ ‬الشعارات،‭ ‬وموقفًا‭ ‬لا‭ ‬تُربكه‭ ‬الأصوات،‭ ‬وإرادةً‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يفرّط‭ ‬في‭ ‬أمنه‭ ‬فرّط‭ ‬في‭ ‬قراره،‭ ‬ومن‭ ‬يساوم‭ ‬على‭ ‬سيادته‭ ‬ساوم‭ ‬على‭ ‬وجوده،‭ ‬ومن‭ ‬يترك‭ ‬روايته‭ ‬لخصومه‭ ‬سلّم‭ ‬لهم‭ ‬بعض‭ ‬سلاحه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬المواجهة‭.‬

وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬صخبٍ‭ ‬يعلو،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬موقفٍ‭ ‬يثبت؛‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬انفعالٍ‭ ‬يزول،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬اتزانٍ‭ ‬يطول؛‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬لغةٍ‭ ‬تستعير‭ ‬حدّتها‭ ‬من‭ ‬الغضب،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬قرارٍ‭ ‬يستمد‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬الحق،‭ ‬وسنده‭ ‬من‭ ‬القانون،‭ ‬ووقاره‭ ‬من‭ ‬السيادة‭. ‬فإيران،‭ ‬بما‭ ‬تمضي‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬اعتداءٍ‭ ‬وتدخلٍ‭ ‬وتحريض،‭ ‬لا‭ ‬تختبر‭ ‬صبر‭ ‬دولةٍ‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬تختبر‭ ‬صلابة‭ ‬منظومة،‭ ‬ولا‭ ‬تقيس‭ ‬حدود‭ ‬أرضٍ‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تقيس‭ ‬حدود‭ ‬إرادةٍ‭ ‬كاملة،‭ ‬ولا‭ ‬تواجه‭ ‬بيانًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تواجه‭ ‬وعيًا‭ ‬خليجيًا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬أمنه‭ ‬لا‭ ‬يُجزّأ،‭ ‬وأن‭ ‬سيادته‭ ‬لا‭ ‬تُستعار،‭ ‬وأن‭ ‬استقراره‭ ‬لا‭ ‬يُترك‭ ‬رهينةً‭ ‬لوكيلٍ‭ ‬مأجور،‭ ‬أو‭ ‬خطابٍ‭ ‬مأزوم،‭ ‬أو‭ ‬مغامرةٍ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬إلا‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الرد‭ ‬الأبلغ‭ ‬على‭ ‬العدوان‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬الصوت،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬انتظام‭ ‬الصف؛‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬الوعيد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬وضوح‭ ‬الموقف؛‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬مجاراة‭ ‬الفوضى،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬الدولة،‭ ‬وصون‭ ‬السيادة،‭ ‬وحراسة‭ ‬الملاحة،‭ ‬وحماية‭ ‬الإنسان،‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ثابتَ‭ ‬القرار،‭ ‬عزيزَ‭ ‬الجوار،‭ ‬محفوظَ‭ ‬الديار،‭ ‬لا‭ ‬تُربكه‭ ‬المكائد،‭ ‬ولا‭ ‬تُرهبه‭ ‬الشدائد،‭ ‬ولا‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬صفّه‭ ‬عواصفُ‭ ‬العدوان‭ ‬ولا‭ ‬أراجيفُ‭ ‬الخذلان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا