لم تعد الهواتف المحمولة القديمة مجرد أجهزة منسية في الأدراج أو نفايات إلكترونية ينتهي بها المطاف في مكبّات القمامة، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر اقتصادي واعد لما يُعرف بـ «التعدين الحضري»، وهو مفهوم يقوم على استخراج المعادن الثمينة من المخلفات الإلكترونية وإعادة إدخالها إلى دورة الإنتاج، بما في ذلك صناعات المجوهرات الراقية. وبين هذه المعادن، يبرز الذهب بوصفه أحد أكثر العناصر قيمة وأهمية، مما يجعل ملايين الهواتف المستهلكة حول العالم بمثابة مناجم صغيرة تختزن ثروات غير متوقعة.
و تعتمد صناعة الإلكترونيات على هذا المعدن النفيس في تصنيع الوصلات الدقيقة ولوحات الدوائر المطبوعة، نظراً لخصائصه الفريدة التي تجمع بين كفاءة التوصيل الكهربائي العالية ومقاومة التآكل والاستقرار الكيميائي. وعلى الرغم من أن كمية الذهب في الجهاز الواحد لا تتجاوز أجزاء من الغرام، فإن الحجم الهائل للأجهزة المتداولة عالمياً يجعل من هذا المورد المتراكم مصدراً غير متوقع للثروة.
وتشير تقديرات بيئية وصناعية، من بينها تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، إلى أن طنّاً واحداً من الهواتف المحمولة المستعملة يمكن أن يحتوي على تركيز من الذهب قد يفوق ما يتم استخراجه من طن من الخام الطبيعي في بعض المناجم التقليدية، إلى جانب معادن استراتيجية أخرى مثل الفضة والنحاس والبلاديوم، وهي عناصر تُستخدم أيضاً على نطاق واسع في صناعة المجوهرات الفاخرة لدورها في تحسين الصلابة واللمعان وإمكانية تشكيل السبائك.
وتبدأ عملية استعادة الذهب من الهواتف القديمة بسلسلة دقيقة من المراحل الصناعية، تبدأ بجمع الأجهزة وفرزها وفق نوع المكونات، ثم تفكيكها لاستخراج الأجزاء الإلكترونية المصنوعة من المعادن الثمينة. بعد ذلك تُخضع هذه المكونات لعمليات معالجة ميكانيكية لفصل المواد، تليها تقنيات استخلاص تعتمد على المعالجة الكيميائية أو الحرارية بهدف عزل الذهب وتنقيته إلى مستويات عالية من النقاء تسمح بإعادة استخدامه في التطبيقات الصناعية أو إعادة صهره في سبائك جديدة.
وفي السنوات الأخيرة، شهد هذا المجال تطوراً ملحوظاً نحو اعتماد تقنيات أكثر استدامة، مع توجه متزايد لاستخدام بدائل أقل سمّية من المواد الكيميائية التقليدية مثل السيانيد في بعض مراحل الاستخلاص، إضافة إلى تطوير أنظمة مغلقة تقلل من الانبعاثات والنفايات الثانوية. هذا التطور جعل الذهب المستخرج من النفايات الإلكترونية أكثر قابلية للاندماج في قطاعات حساسة مثل صناعة الساعات والمجوهرات الراقية، حيث تزداد أهمية مصادر الذهب «المسؤولة» بيئياً ضمن معايير الاستدامة الحديثة في عالم الفخامة.
ومع الزيادة المستمرة في معدلات استبدال الأجهزة الذكية عالمياً، تتضخم كميات النفايات الإلكترونية بشكل لافت، ما يفرض تحدياً مزدوجاً يتمثل في إدارة هذا التدفق من جهة، واستثماره من جهة أخرى كمصدر بديل للمعادن الثمينة. وهنا تتقاطع الصناعة مع مفاهيم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة تدوير الموارد بدلاً من استخراجها من مصادر جديدة.
ختاماً، لم يعد الذهب مجرد معدن يُستخرج من أعماق الأرض ،بل أصبح أيضاً جزءاً من دورة حياة رقمية تبدأ من الهاتف وتنتهي في ورشة تنقية، ليعود لاحقاً إلى عالم الفخامة في حلة جديدة. وبينما تواصل دور المجوهرات تعزيز معايير الاستدامة في سلاسل التوريد، يبرز الذهب المستخرج من النفايات الإلكترونية كمصدر واعد يعيد تعريف العلاقة بين التكنولوجيا، والبيئة، وصناعة المجوهرات الراقية.
هل تعتقد أن النفايات الإلكترونية يمكن أن تصبح مناجم ذهب المستقبل؟ شاركونا بآرائكم ونتطلع إلى مقترحاتكم للمواضيع القادمة والاجابة على تساؤلاتكم على البريد الالكتروني:
seemajewelsbh@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك