القراء الأعزاء،
(زغردي يا خالتي يا أم جاسم) كانت أول جملة من قصيدة سمعتها في طفولتي، حين كان يحلو لوالديّ في الصباحات أن يتبادلا الأحاديث شعراً، لم أعلم وقتها اسم شاعرها ولا عن أهمية الشعر ولكني علمت بأنها كلمات كانت لصديق والدي ورفيقه في الدراسة والعمل والوطن، حيث كانت تجمعهما قواسم مشتركة كثيرة غير أن أبي لم يكتب الشعر ولكنه غرس بذرته في روحي.
التقيت الشاعر علي عبدالله خليفة في مراحل عمرية مختلفة، وأنا طفلة صغيرة أجلس في حضن والدي، وأنا مراهقة حينما التحقت بالدراسة الجامعية في سنّ مبكّرة جداً ثم وأنا امرأة شاعرة، وبين هذه وتلك التقيته كثيراً في دواوينه الشعرية التي لم تخل مكتبة والدي منها، ولكن أكثرها أهمية وأثراً في قلبي وذائقتي كان (عصافير المسا)، أتعلمون لماذا؟ لأنني اشتريته بمدخراتي الشخصية مما منحني شعوراً بأنني قد كبرت وأصبحت مقتدرة ومستقلة، فقرأته مئات المرات واستمعت إلى صوته وموسيقى وصوت الفنان خالد الشيخ أضعافها، ثم كانت هناك فترة أذكرها جيداً ولكن لا أعلم عن خفاياها أو أسبابها شيئا، والغريب هو أنني لم أسأله عنها أبداً، حيث بدأت تصلني وباسمي أعداد مجلة (المأثورات الشعبية وكان هو رئيس تحريرها حينئذ) عبر صندوق البريد، ثم توقفت الأعداد فجأة، علمت بعدها بأن مركز التراث الشعبي الخليجي الذي ترأسه الأستاذ علي فترة طويلة قد تم إغلاقه.
أما المحطة الأخيرة فقد كانت عندما التقيته في الملتقى الثقافي الأهلي (مركز عبدالرحمن كانو الثقافي حالياً) حيث ولدت في هذا الصرح الثقافي أسرة بحرينية ثقافية كبيرة لم تشهد البحرين مثلها لا قبلها ولا بعدها، حيث كان (علي) رئيس مجلس إدارة المركز الذي أسسه مع مجموعة من الأصدقاء المثقفين في (مجلس بوراشد) الوجيه المغفور له بإذن الله تعالى عبدالرحمن بن جاسم كانو، بعدها أصبحت عضو مجلس إدارة في هذا الصرح الثقافي سنوات طويلة منذ عام 2009 وحتى 2025، ومن جانب آخر كان قد سلّمني رئاسة فرع البحرين للمنظمة الدولية للفن الشعبي عام 2008 بعد أن أصبح هو الأمين العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ثم توليت رئاسة اللجنة القانونية في المنظمة، بعدها بدأت رحلة جديدة بعد أن فازت البحرين برئاسة المنظمة وأصبح رئيساً لها عام 2018 حتى قبل وفاته بشهرين.
خلال هذه الرحلة تعرفت على علي عبدالله خليفة من خلال المواقف وحكاياته عن تاريخه الزاخر بالعطاء والنجاحات والإبداعات التي كانت وليدة طموحاته وانضباطه وعمله الدؤوب، وقد كان راوياً قادراً على ربط مشاعرك برواياته التي جمعها من خبراته الحياتية فكان يحرص على سرد الحكايات التي تنتهي بالدهشة والضحكات، ولا تخلو صحبته من الشعر الذي حظيت بشهادة ولادة بعض نصوصه في مواقف أو أشخاص أو أماكن مررنا بها، وتعرّفت على شغفه الأكبر وهو الموروث الشعبي وحكاية غرابة لقائه بالسيد ألكسندر فايجل مؤسس المنظمة الدولية للفن الشعبي (IOV) في السويد، وقصة طباعة أول دواوينه والمطبعة الذائعة الصيت التي فوجئ بحقيقة واقعها في لبنان، وعن حُبّه لأمّه (حصة) التي كانت معلمته وقدوته و(دمعة المقهور) وقصص أخرى كثيرة.
كان يمسك بناصية الحديث مثل فارس يعسف رسن حصانه، ويُتقن استخدام المفردات التي توصله لمبتغاه مروراً بالقلب من شدّة اللطف الممتزج بصوتٍ شجيّ راسخ، ثابت ومطمئن، فيشعر مستمعه بالطمأنينة والأمان والثقة، ولم يتردد أبداً عن تقديم النصح والعون لأحد، بل وكان أول شخص تعلّمت منه بأن أُشعر كل شخص أمامي بأنه الأهم والأكثر تقديراً دون تمييز، وتعلمت منه الكثير أيضاً والأهم من كل ذلك هو أنه كتب لي يوماً مقدّمة أول إصداراتي الشعرية ديوان (إلى متى) رغم أنه امتنع عن فعل ذلك لسواي.
الأديب الشاعر علي عبدالله خليفة، كان إنساناً فخماً جداً لدرجة أنه يصعب أن تختصر تفاصيله الكثيرة في مقال واحد، لأنه شخصية متعددة الاهتمامات وعميقة الانخراط في كل شغف على حدة، ولكنه بلا شك فوق ذلك كلّه كان إنساناً لا يتكرر إذ (لا يتشابه البشر) أبداً.
وداعاً شاعر البحرين الكبير، وداعاً للأب، الصديق، المعلّم، المُلهم والباقي في ذاكرة التاريخ الشاعر علي عبدالله خليفة.
(أنا اشبيدي عليك تروح؟! وتتركني أهوجس في ظلام البيت!؟
غزالة ضيّعت في طلعة الصياد ضناها والقمر خابي!
أنا اشبيدي يا جرحٍ ما بعد يبرا إذا نزلت عليك جروح)
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك