العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٩ - الخميس ٠٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

علي عبدالله خليفة في ذاكرتي

بقلم: د. هنادي عيسى الجودر

الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،

‭(‬زغردي‭ ‬يا‭ ‬خالتي‭ ‬يا‭ ‬أم‭ ‬جاسم‭) ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬سمعتها‭ ‬في‭ ‬طفولتي،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يحلو‭ ‬لوالديّ‭ ‬في‭ ‬الصباحات‭ ‬أن‭ ‬يتبادلا‭ ‬الأحاديث‭ ‬شعراً،‭ ‬لم‭ ‬أعلم‭ ‬وقتها‭ ‬اسم‭ ‬شاعرها‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬الشعر‭ ‬ولكني‭ ‬علمت‭ ‬بأنها‭ ‬كلمات‭ ‬كانت‭ ‬لصديق‭ ‬والدي‭ ‬ورفيقه‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل‭ ‬والوطن،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تجمعهما‭ ‬قواسم‭ ‬مشتركة‭ ‬كثيرة‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أبي‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬الشعر‭ ‬ولكنه‭ ‬غرس‭ ‬بذرته‭ ‬في‭ ‬روحي‭.‬

التقيت‭ ‬الشاعر‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬عمرية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وأنا‭ ‬طفلة‭ ‬صغيرة‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬والدي،‭ ‬وأنا‭ ‬مراهقة‭ ‬حينما‭ ‬التحقت‭ ‬بالدراسة‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬مبكّرة‭ ‬جداً‭ ‬ثم‭ ‬وأنا‭ ‬امرأة‭ ‬شاعرة،‭ ‬وبين‭ ‬هذه‭ ‬وتلك‭ ‬التقيته‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬دواوينه‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تخل‭ ‬مكتبة‭ ‬والدي‭ ‬منها،‭ ‬ولكن‭ ‬أكثرها‭ ‬أهمية‭ ‬وأثراً‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬وذائقتي‭ ‬كان‭ (‬عصافير‭ ‬المسا‭)‬،‭ ‬أتعلمون‭ ‬لماذا؟‭ ‬لأنني‭ ‬اشتريته‭ ‬بمدخراتي‭ ‬الشخصية‭ ‬مما‭ ‬منحني‭ ‬شعوراً‭ ‬بأنني‭ ‬قد‭ ‬كبرت‭ ‬وأصبحت‭ ‬مقتدرة‭ ‬ومستقلة،‭ ‬فقرأته‭ ‬مئات‭ ‬المرات‭ ‬واستمعت‭ ‬إلى‭ ‬صوته‭ ‬وموسيقى‭ ‬وصوت‭ ‬الفنان‭ ‬خالد‭ ‬الشيخ‭ ‬أضعافها،‭ ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فترة‭ ‬أذكرها‭ ‬جيداً‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬عن‭ ‬خفاياها‭ ‬أو‭ ‬أسبابها‭ ‬شيئا،‭ ‬والغريب‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أسأله‭ ‬عنها‭ ‬أبداً،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬تصلني‭ ‬وباسمي‭ ‬أعداد‭ ‬مجلة‭ (‬المأثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها‭ ‬حينئذ‭) ‬عبر‭ ‬صندوق‭ ‬البريد،‭ ‬ثم‭ ‬توقفت‭ ‬الأعداد‭ ‬فجأة،‭ ‬علمت‭ ‬بعدها‭ ‬بأن‭ ‬مركز‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬الخليجي‭ ‬الذي‭ ‬ترأسه‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬إغلاقه‭.‬

أما‭ ‬المحطة‭ ‬الأخيرة‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬عندما‭ ‬التقيته‭ ‬في‭ ‬الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الأهلي‭ (‬مركز‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬كانو‭ ‬الثقافي‭ ‬حالياً‭) ‬حيث‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬الثقافي‭ ‬أسرة‭ ‬بحرينية‭ ‬ثقافية‭ ‬كبيرة‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬البحرين‭ ‬مثلها‭ ‬لا‭ ‬قبلها‭ ‬ولا‭ ‬بعدها،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ (‬علي‭) ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬المركز‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ (‬مجلس‭ ‬بوراشد‭) ‬الوجيه‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬بن‭ ‬جاسم‭ ‬كانو،‭ ‬بعدها‭ ‬أصبحت‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬الثقافي‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬وحتى‭ ‬2025،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬سلّمني‭ ‬رئاسة‭ ‬فرع‭ ‬البحرين‭ ‬للمنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭  ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬ثم‭ ‬توليت‭ ‬رئاسة‭ ‬اللجنة‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬المنظمة،‭ ‬بعدها‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فازت‭ ‬البحرين‭ ‬برئاسة‭ ‬المنظمة‭ ‬وأصبح‭ ‬رئيساً‭ ‬لها‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬وفاته‭ ‬بشهرين‭.‬

خلال‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المواقف‭ ‬وحكاياته‭ ‬عن‭ ‬تاريخه‭ ‬الزاخر‭ ‬بالعطاء‭ ‬والنجاحات‭ ‬والإبداعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬وليدة‭ ‬طموحاته‭ ‬وانضباطه‭ ‬وعمله‭ ‬الدؤوب،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬راوياً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬مشاعرك‭ ‬برواياته‭ ‬التي‭ ‬جمعها‭ ‬من‭ ‬خبراته‭ ‬الحياتية‭ ‬فكان‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬سرد‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬بالدهشة‭ ‬والضحكات،‭ ‬ولا‭ ‬تخلو‭ ‬صحبته‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬حظيت‭ ‬بشهادة‭ ‬ولادة‭ ‬بعض‭ ‬نصوصه‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬أو‭ ‬أشخاص‭ ‬أو‭ ‬أماكن‭ ‬مررنا‭ ‬بها،‭ ‬وتعرّفت‭ ‬على‭ ‬شغفه‭ ‬الأكبر‭ ‬وهو‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬وحكاية‭ ‬غرابة‭ ‬لقائه‭ ‬بالسيد‭ ‬ألكسندر‭ ‬فايجل‭ ‬مؤسس‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭ (‬IOV‭) ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬وقصة‭ ‬طباعة‭ ‬أول‭ ‬دواوينه‭ ‬والمطبعة‭ ‬الذائعة‭ ‬الصيت‭ ‬التي‭ ‬فوجئ‭ ‬بحقيقة‭ ‬واقعها‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وعن‭ ‬حُبّه‭ ‬لأمّه‭ (‬حصة‭) ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬معلمته‭ ‬وقدوته‭ ‬و‭(‬دمعة‭ ‬المقهور‭) ‬وقصص‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭.‬

كان‭ ‬يمسك‭ ‬بناصية‭ ‬الحديث‭ ‬مثل‭ ‬فارس‭ ‬يعسف‭ ‬رسن‭ ‬حصانه،‭ ‬ويُتقن‭ ‬استخدام‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬توصله‭ ‬لمبتغاه‭ ‬مروراً‭ ‬بالقلب‭ ‬من‭ ‬شدّة‭ ‬اللطف‭ ‬الممتزج‭ ‬بصوتٍ‭ ‬شجيّ‭ ‬راسخ،‭ ‬ثابت‭ ‬ومطمئن،‭ ‬فيشعر‭ ‬مستمعه‭ ‬بالطمأنينة‭ ‬والأمان‭ ‬والثقة،‭ ‬ولم‭ ‬يتردد‭ ‬أبداً‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬النصح‭ ‬والعون‭ ‬لأحد،‭ ‬بل‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬شخص‭ ‬تعلّمت‭ ‬منه‭ ‬بأن‭ ‬أُشعر‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬أمامي‭ ‬بأنه‭ ‬الأهم‭ ‬والأكثر‭ ‬تقديراً‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬وتعلمت‭ ‬منه‭ ‬الكثير‭ ‬أيضاً‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬كتب‭ ‬لي‭ ‬يوماً‭ ‬مقدّمة‭ ‬أول‭ ‬إصداراتي‭ ‬الشعرية‭ ‬ديوان‭ (‬إلى‭ ‬متى‭) ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬امتنع‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬لسواي‭.‬

الأديب‭ ‬الشاعر‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة،‭ ‬كان‭ ‬إنساناً‭ ‬فخماً‭ ‬جداً‭ ‬لدرجة‭ ‬أنه‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬تختصر‭ ‬تفاصيله‭ ‬الكثيرة‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬واحد،‭ ‬لأنه‭ ‬شخصية‭ ‬متعددة‭ ‬الاهتمامات‭ ‬وعميقة‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شغف‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬ولكنه‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬فوق‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬كان‭ ‬إنساناً‭ ‬لا‭ ‬يتكرر‭ ‬إذ‭ (‬لا‭ ‬يتشابه‭ ‬البشر‭) ‬أبداً‭.‬

وداعاً‭ ‬شاعر‭ ‬البحرين‭ ‬الكبير،‭ ‬وداعاً‭ ‬للأب،‭ ‬الصديق،‭ ‬المعلّم،‭ ‬المُلهم‭ ‬والباقي‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬الشاعر‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭.‬

‭(‬أنا‭ ‬اشبيدي‭ ‬عليك‭ ‬تروح؟‭! ‬وتتركني‭ ‬أهوجس‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬البيت‭!‬؟‭ ‬

غزالة‭ ‬ضيّعت‭ ‬في‭ ‬طلعة‭ ‬الصياد‭ ‬ضناها‭ ‬والقمر‭ ‬خابي‭! ‬

أنا‭ ‬اشبيدي‭ ‬يا‭ ‬جرحٍ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬يبرا‭ ‬إذا‭ ‬نزلت‭ ‬عليك‭ ‬جروح‭)‬

 

hanadialjowder@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا