خالد عبدالله خليفة يستعيد سيرة شقيقه الراحل لـ"عالم الشهرة": علي عبدالله خليفة كرّس حياته للشعر والتراث وخدمة الوطن
تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات واهتم بها نقاد وباحثون من مختلف دول العالم
لم أستوعب حتى الآن خبر رحيله وكنا نرافقه يومياً منذ دخوله المستشفى وحتى لحظاته الأخيرة


خبر رحيل الشاعر علي عبدالله خليفة لم يكن خبراً عابراً، ففور سماعي لنبأ وفاته تواصلت مع شقيقه الموسيقي خالد عبدالله خليفة لتقديم واجب العزاء. كان صوته مثقلاً بالحزن، وكانت الكلمات تخرج منه بصعوبة، فالفقد بالنسبة إليه لم يكن فقد شقيق فحسب، بل فقد رفيق عمر وقامة وطنية وثقافية ارتبط اسمها بتاريخ الحركة الأدبية في البحرين والخليج العربي.
وخلال حديثه لـ«عالم الشهرة»، استعاد خالد عبدالله خليفة سيرة شقيقه الراحل، قائلاً إن علي عبدالله خليفة لم يكن إنساناً عادياً، بل كان رمزاً من رموز البحرين الثقافية، وشخصية استثنائية جمعت بين الإبداع والتواضع ونبل الأخلاق، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بتاريخ الثقافة البحرينية الحديثة.
وقال: «كان علي يتمتع بصفات قلما تجتمع في شخص واحد، فقد كان متواضعاً إلى أبعد الحدود، حسن الخلق، محباً للناس، قريباً من الجميع، ويحمل بداخله نبل الفارس العربي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لم يكن يرى الثقافة وسيلة للشهرة أو الحضور الاجتماعي، بل كان يعتبرها رسالة ومسؤولية وطنية وإنسانية هدفها نشر الوعي والمعرفة وخدمة المجتمع».
وأضاف أن الراحل وُلد في مدينة المحرق في الرابع من مارس عام 1944 لأسرة بحرينية عُرفت بعلاقتها بالبحر والغوص وصيد اللؤلؤ، وهي البيئة التي تركت أثرها العميق على شخصيته وعلى تجربته الأدبية والفكرية لاحقاً. فمنذ سنواته الأولى كان شديد الارتباط بالمكان وبالناس وبالحكايات الشعبية التي كان يسمعها من الآباء والأجداد، كما امتلك شغفاً مبكراً بالقراءة والمعرفة، واعتمد إلى حد كبير على جهده الذاتي في بناء ثقافته الواسعة.
وأوضح أن شقيقه بدأ كتابة الشعر في سن مبكرة، ونشر أولى قصائده في البحرين ولبنان خلال أوائل ستينيات القرن الماضي، قبل أن يصدر عام 1969 ديوانه الأول «أنين الصواري» عن دار العلم للملايين في بيروت، وهو العمل الذي شكّل انطلاقة حقيقية لتجربته الشعرية ورسّخ حضوره بوصفه أحد الأصوات الأدبية البارزة في الخليج العربي، لتتوالى بعد ذلك إصداراته التي أسهمت في ترسيخ مكانته كشاعر وباحث ومثقف حمل هموم وطنه وقضايا مجتمعه في قصائده وأعماله.
وأشار خالد عبدالله خليفة إلى أن شقيقه لم يكن ينظر إلى الشعر باعتباره مجرد نصوص أدبية، بل كان يراه امتداداً لهوية الإنسان وذاكرة المكان، لذلك ظل البحر حاضراً في معظم أعماله، كما ظل التراث الشعبي والإنسان البحريني والوطن عناصر رئيسية في تجربته الإبداعية.
وأضاف: كان يؤمن بأن الثقافة هي الحصن الحقيقي للأمم، ولهذا لم يكتف بكتابة الشعر، بل أخذ على عاتقه منذ سبعينيات القرن الماضي، مع مجموعة من الشعراء والأدباء البحرينيين، مهمة بناء المؤسسات الثقافية في البحرين. كان من رواد الحركة الثقافية البحرينية الحديثة، وساهم في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب البحرينية التي شكلت محطة مهمة في تاريخ الأدب البحريني.
وتابع قائلاً: بعد ذلك أسس دار الغد للنشر والتوزيع، التي تُعد مشروعاً ثقافياً ووطنياً رائداً، ومن خلالها نشر أعمال العديد من الشباب البحرينيين المبدعين في مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة والدراسات الأدبية، وفتح الأبواب أمام أصوات جديدة كانت تبحث عن فرصة للظهور وإثبات حضورها في المشهد الثقافي.
وأوضح أن اهتمام الراحل بالتراث الشعبي لم يكن اهتماماً عابراً، بل مشروع عمر كامل، مشيراً إلى أنه اتجه بعد ذلك إلى تأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية في دولة قطر، حيث أمضى ما يقارب عشر إلى اثنتي عشرة سنة، عمل خلالها على تأسيس المركز وترسيخ مكانته بوصفه إحدى أهم المؤسسات الخليجية المتخصصة في توثيق التراث الشعبي ودراسته.
وقال: لقد أسس المركز على أسس علمية راسخة، وكان يرى أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُحفظ في الكتب، بل هو ذاكرة الشعوب وهويتها وروحها الحية. وبعد عودته إلى البحرين واصل مسيرته الثقافية، وأسهم في تأسيس مركز عبدالرحمن كانو الثقافي الذي أصبح اليوم واحداً من أبرز الصروح الثقافية والأدبية والفنية في المملكة.
وأشار إلى أن الراحل جمع بين الإبداع الشعري والعمل البحثي والإدارة الثقافية، فتولى العديد من المواقع المهمة، من بينها تأسيس وإدارة إدارة البحوث الثقافية بالديوان الملكي، ورئاسة مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، وإدارة أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر، ورئاسة تحرير مجلة «الثقافة الشعبية» المتخصصة، إضافة إلى عمله أميناً عاماً لجائزة عيسى لخدمة الإنسانية ورئيساً للمنظمة الدولية للفن الشعبي.
وعن نتاجه الأدبي، قال خالد عبدالله خليفة: أشعار علي عبدالله خليفة غنية عن التعريف، فقد تجاوزت حدود البحرين فوصلت إلى العالم، وتُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات، واهتم بها نقاد وباحثون من مختلف الدول، وصدرت حولها دراسات في دور نشر وجامعات عالمية مرموقة، كما تناولتها رسائل ماجستير ودكتوراه عديدة. وهذا أمر يدعو للفخر لأنه يعكس المكانة التي وصل إليها كشاعر بحريني وعربي.
وأضاف أن شقيقه أصدر العديد من الدواوين الشعرية التي أصبحت جزءاً من تاريخ الشعر البحريني الحديث، من بينها «عطش النخيل» و«إضاءة لذاكرة الوطن» و«في وداع السيدة الخضراء» و«حورية العاشق» و«لا يتشابه الشجر» و«تهويدة لنجمة البحر»، إلى جانب أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت عام 2019 بعنوان «خمسون عاماً من الشعر».
كما أشار إلى أن الراحل كانت تربطه علاقات واسعة بعدد من كبار الأدباء والمثقفين العرب، ومن بينهم الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي جمعته به صداقة طويلة امتدت لعقود، فضلاً عن علاقاته الثقافية والفكرية مع شخصيات عربية بارزة في مجالات الأدب والفكر والثقافة.
وتحدث خالد عبدالله خليفة بتأثر واضح عن الأيام الأخيرة في حياة شقيقه، قائلاً: «عانى علي من المرض خلال الفترة الأخيرة، وكما عرفه الجميع، لم يكن يحب الحديث عن مرضه أو الإعلان عنه، ولم يكن يقبل أن يتحدث أي فرد من أفراد أسرته عن حالته الصحية. كان يفضل أن يبقى الأمر بعيداً عن الإعلام والناس».
وأضاف: منذ بداية شهر رمضان الماضي بدأت حالته الصحية تتراجع تدريجياً، لكن خلال عيد الأضحى المبارك ازدادت حالته سوءاً بشكل أكبر، ما استدعى نقله إلى المستشفى، وهناك بدأت رحلة علاج استمرت لأسابيع.
وتابع قائلاً: خلال تلك الفترة التف حوله جميع أفراد العائلة، وكانت زوجته وأبناؤه وبناته إلى جانبه باستمرار. كما أن زوجة وأبناء وبنات شقيقي الراحل الأستاذ خليفة عبدالله خليفة كانوا إلى جانبه طيلة فترة مرضه حتى وفاته، وكذلك ابنه العزيز فهد الذي لم يفارقه وكان ملازماً له طوال رحلة العلاج. وكنت أنا وزوجتي وأبنائي أيضاً معه طوال فترة مرضه، نحرص على زيارته والاطمئنان عليه بشكل يومي، ونرافقه في تفاصيل تلك المرحلة الصعبة منذ دخوله المستشفى وحتى لحظاته الأخيرة.
وأضاف: بعد نحو ثلاثة أسابيع من دخوله المستشفى اشتد عليه المرض، وانتقل إلى جوار ربه يوم الإثنين الموافق 22 يونيو 2026، وحتى هذه اللحظة ما زلت غير مستوعب لخبر رحيله، وكذلك أفراد أسرته وأصدقاؤه ومحبوه، لأن رحيله صدمة كبيرة لنا جميعاً.
وأكد أن حجم الحزن الذي رافق خبر الوفاة يعكس المكانة التي كان يحظى بها الراحل بين الناس، قائلاً: «شقيقي لم يكن شخصية ثقافية تخص أسرته أو أصدقاءه فقط، بل كان شخصية وطنية أحبها الناس في البحرين والخليج والعالم العربي. وقد لمست حجم المحبة التي يكنها له الجميع من خلال الاتصالات والرسائل ومشاعر الحزن الصادقة التي وصلت إلينا منذ إعلان خبر وفاته».
وقال إن ما يبعث على الاعتزاز أن شقيقه حظي خلال حياته بتقدير واسع على المستويات المحلية والعربية والدولية، فنال جائزة الشعر الأولى من مجلة «هنا البحرين» عام 1966، ودرع الإبداع في يوم الشعر العالمي، والجائزة العالمية الكبرى في مجال الفنون في رومانيا، وجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي، وجائزة التواصل الثقافي العالمية من المجلس الأعلى للثقافة في جمهورية الصين.
وقال خالد خليفة إن شقيقه نال وسام الكفاءة من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة خلال مهرجان الشعر العربي عام 1973، ووسام أمير دولة البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة عام 2000، ووسام الكفاءة من الدرجة الأولى من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم عام 2002، إلى جانب العديد من الأوسمة والتكريمات التي جاءت تقديراً لإسهاماته الأدبية والثقافية والبحثية الممتدة لعقود.
واختتم الباحث الموسيقي خالد عبدالله خليفة حديثه قائلاً: رحل علي عبدالله خليفة جسداً، لكن ما تركه من شعر وفكر ومؤسسات ثقافية سيبقى حاضراً لأجيال طويلة. لقد عاش عمره كله مؤمناً بأن خدمة الوطن تكون بالعمل الصادق والعطاء المستمر، ولذلك سيظل اسمه جزءاً أصيلاً من ذاكرة البحرين الثقافية، وواحداً من أبرز من أسهموا في بناء نهضتها الأدبية والفكرية خلال العقود الماضية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك