في تاريخ الشعوب والأمم محطّات زاهرات ومراحل ناضرات، تبلغ فيها أمجادها أسنى القمم، وينداح فيها صيتها إلى آفاق كل طود أشم وإلى أسحاق كل يمّ خضم، بفضل زعامات عتيدة وقيادات رشيدة، ديدنها الإعمار والبناء وشعارها الإنجاز والنماء، وناموسها تحويل المِحن إلى مِنح والإحن إلى سَنح.
ولعل منصفا يرسل اليوم البصر الحديد أو يلقي السمع وهو شهيد، لن يجد من طينة هؤلاء القادة والزعماء إلا النزر اللّمم، ممن جعلوا الإنجاز مُغنيا عن الكلَم، وخطّوا أمجاد بلادهم بيَراع القلم، وبلغوا بذلك في نياط قلوب شعوبهم مبلغا تقصر عنه أعلى الهمم.
وعلى الذرى من هؤلاء جميعا، جلالةُ الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظّم، حفظه الله ورعاه، العاهل الذي قيّض له خُلقا رفيعا وآتاه من لدنه ذهنا ضليعا وفضلا وسيعا، فكان لأهله حصنا منيعا، وفي الذبّ عن حياض وطنه مِقداما شجيعا.
فمنذ أن ولّاه الله مقاليد البحرين خلفا لأسلافه البررة الميامين، حمل جلالة المَلك حمد أمانة المُلك بلا وَصب ولا كبَد، داعيا إلى ما ينفع الناس والبلد، مُعرِضا عن جُفاء الزَبد. فاستحكم في عهده البنيان واشتدت بفضله الأركان واستقامت على يديه دولة القانون وحقوق الإنسان. فأطلق للإبداع كل عنان واستحث ما في الشباب من طاقات وعنفوان، حتى صارت البحرين نموذجا يشار إليه بالبنان.
فقد حرص جلالته على أن يستهل عهده الزاهر السعيد بالتوافق على عقد اجتماعي جديد. فتم استفتاء الشعب البحريني الأبيّ على ميثاق العمل الوطني، فقاربت الموافقة الشعبية الاجماع بما ينمّ عما بلغته الوحدة الوطنية من اتساع. وفي كنف العقد الاجتماعي الجديد صدر التعديل الدستوري تكريسا للمشروع الإصلاحي العتيد. فتم إقرار الحكم الملكي واعتماد نظام المجلسين واستكمِلت المؤسسات واستعادت المرأة من حقوقها السياسية ما كان قد فات. ونشأت المحكمة الدستورية وأرسِيت دعائم المشروعية وتوافرت مقومات الديمقراطية وتعزز مبدأ السيادة الشعبية.
فكانت المحكمة الدستورية صرحا منيفا وأرست قضاءً عادلا حصيفا. وكان أعضاؤها سدنة للشرعية ولسيادة الدستور، يمنعون تحيّف رسومه أو الاجتراء على مرسومه. يصدرون أحكامهم باسم العاهل الهُمام، وهي أحكام ملزمة لجميع السلطات وكافة الأنام، عصيّة من ثمّ على الطعن وعنوانَ حقيقة على الدوام.
ولقد شرّفني جلالة الملك المعظّم بتعييني عضوا بالمحكمة الدستورية، وأكرمني بتجديده، في تكليف حرصتُ فيه على حسن الأداء، وتشريف بلغتُ به عنان السماء. وأشهِد الله على أن جلالته- وهو الحامي لشرعية الحكم وسيادة الدستور- لم يتدخل يوما في قضاء المحكمة ولا فيما اختصها الدستور والقانون من صلاحيات وشؤون، احتراما منه لأعلى مدارج الشرعية وإعلاءً من لدنه لموجبات المشروعية، فكان بذلك- حفظه الله ورعاه- أسوة للاقتداء ونبراسا للاهتداء في احترام استقلال القضاء، الذي يفصل في كل المنازعات بالعدل والسوية والانتصاف، وما فتئ يبلغ أعلى المراتب والمصاف، بفضل تكامل جهود المجلس الأعلى للقضاء، ووزارة العدل والشؤون الاسلامية والأوقاف.
وكما حباني الله بالثقة الملكية قاضيا في المحكمة الدستورية، فقد قيّض لي كذلك سبل العمل في أكناف السلطة التشريعية، لأقف شاهدا على رجاحة الرؤية الملكية في إرساء نظام المجلسين، حيث يتعاضد أعضاء مجلسي الشورى والنواب، سواء من كان منهم بالإرادة الملكية السامية منتجَبا أو كان بالاقتراع الشعبي منتخَبا. إذ هم في تمثيل الشعب البحريني سِيّان، وفي القيام بأمانة التشريع صنوان.
وقد كان ذلك خير جُنّة لي لمعاضدة الجهد البديع لرئيس وأعضاء مجلس الشورى، الغرفة العليا في سلطة التشريع، المستمدة مكانتها من تعيين أعضائها بأداة الأمر الملكي ذي الشأن الرفيع، والمشكّلة من أصحاب الخبرة النوعية المديدة والمعارف العلمية العتيدة. ليكون المجلس، بمعيّة مَثيله مجلس النواب، موئل التشريع الحصيف وصرحه الشامخ المنيف.
ومن باب القيام بالقسط والشهادة لله، فقد كفل نظام المجلسين للتجربة البرلمانية لمملكة البحرين أن تتجاوز ما قد يثور في نظيراتها من تحديات وتتعالى عن كل شنآن أو معوّقات، مستمرةٌ فصولُها دون انقطاع، بالغٌ صيتها كل الأصقاع. ولعَمري فإن هذا منجز مَجيد للمشروع الإصلاحي العتيد الذي ضمِن استمرار وتيرة عمل البرلمان باضطراد وانتظام وأمان. حيث أضحى مقضيّا في ضوء التجارب الدستورية أن نظام المجلسين أكثر من نظام المجلس الواحد استقرارا واطول منه أعمارا.
وقد أتاح لي عملي في مؤسستين رفيعتين تنتميان إلى سلطتين دستوريتين، الوقوف بالعيان على متانة ما استقامت عليه العلاقة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في مملكة البحرين من متانة البنيان، حيث تتعاون السلطات في كل مجال دون تفريط إحداها فيما كفله لها الدستور من استقلال. دأبُها جميعا التكامل والتآزر من دون أن يكون لأي منها على غيرها لا صولة ظاهرة ولا سطوة ناهرة. بل تعاضدٌ وتكامل في أداء الأمانة الوطنية تحت عين الدستور الساهرة.
وإذ تربو مواكبتي للمشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم على ربع قرن من عمره المديد، وهي فترة تناهز مُقامي في هذا البلد السعيد، فإني أشهد شهادة صدق غير مجروحة، وليس دونها مندوحة، أنّ هذا المشروع الحضاري العتيد- الذي وضع جلالة الملك أركانه إبداعا لا اتباعا، إذ يمكن إرجاع جذوره الفكرية إلى رؤى جلالته في كتابه «الضوء الأول»، إلماعا، وإلى قيم نظام الحكم وقواعده الواردة في وصايا حكام البحرين إلى أولياء عهودهم، المتعاقبة تِباعا- وما انبجس عنه من تنظيم دستوري رشيد قد كفل للمواطن البحريني حرمته وضمن للوطن عزّته وللاقتصاد نهضته، حتى أضحت البحرين نموذجا للنجاح وعنوانا للفلاح تربط حاضرها السعيد بأمجاد ماضيها التليد الذي كان فيه الحاكم دوما درعا للمحكوم وملاذا للمكلوم، منذ عهد المؤسس أحمد الفاتح مرورا بعهد عيسى الكبير وصولا إلى العهد الزاهر والحاضر الباهر لجلالة الملك حمد بن عيسى المعظم. المحفوظ بالألطاف الربانية، المُوطأ الأكناف بالسّجية. ملك البناء والتشييد وعاهل التطوير والترشيد، وصاحب الإنجازات على كل صعيد. وهي انجازات قمينة بأن تخط بالنور على المآقي والأحداق لا بالحبر على الصحائف والأوراق.
وإذا لم يكن لمن اتخذ البحرين موئلا وجعلها لأبنائه مثابةً وملتحدا ومولدا، إلا خدمةٌ مديدة بالقسطاس المستقيم أسداها، وتكليفٌ بمهمة مؤازرة جيل من خيرة شباب البحرين، بالإخلاص أدّاها، وفاءً لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين المعظم، حفظه الله ورعاه، سليل المجد الوائلي الأصيل، وصانع صيت البحرين الجميل. لكان له بها من الفخر والسؤدد ما يرجع عنه الطرف وهو كليل.
وفي الختام، ولمّا كان العيان قد أغنى عن الصفة، وكان الحق أبلجاً عند كل ذي عين منصفة، وكان واجب العرفان لمن قلدهم الله زمام الملك فوفّروا لأوطانهم وشعوبهم الرغد والرخاء والأمن والأمان، إنما تجيش به الأفئدة واللواعج، ولا يقاس بالمغانم أو المغارم أو المباهج، فإن ما أسبغه الكريم المنّان على البحرين من سحائب الآلاء في هذا العهد السعيد، وما أغدقه سبحانه على شعبها من شآبيب النعماء على يد عاهلها ذي النهج الرشيد، يجعل التضرّع بالدعاء لجلالة العاهل الممجد الكريم والجهر بالولاء والوفاء لمقامه السامي العظيم، واجبٌ أساس في السراء وفي الضرّاء وحين الباس. وهو بعدُ لكل ذي لبّ من أوكد المندوب ومن أشد المطلوب. لا سيما إذا اشرأبّت المخاطر وادلهمّت الخطوب. وهذا ديدن المقسطين، والحقُ خصيمٌ للقاسطين.
رئيس هيئة المستشارين- مجلس الشورى
عضو المحكمة الدستورية (2009/2019)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك