العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

ملحمة الصمود الوطني

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مجموعة‭ ‬خليجية‭ ‬تضم‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬المهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬العام،‭ ‬وردت‭ ‬لي‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬أخت‭ ‬خليجية‭ ‬عزيزة‭ ‬كتبت‭ ‬فيها‭: ‬‮«‬أحب‭ ‬البحرين‭ ‬لأنها‭ ‬جميلة،‭ ‬ولأن‭ ‬لجمالها‭ ‬شيئاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬المكان‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬يسكن‭ ‬القلب‭. ‬وأحب‭ ‬البحرينيين‭ ‬لأنهم‭ ‬طيبون،‭ ‬ولهجتهم‭ ‬تدخل‭ ‬النفس‭ ‬بمحبة‭ ‬وعفوية‭. ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أحببتهم‭ ‬أكثر‭ ‬عندما‭ ‬رأيت‭ ‬التفافهم‭ ‬حول‭ ‬قادتهم‭ ‬وما‭ ‬جسدوه‭ ‬من‭ ‬ولاء‭ ‬صادق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‮»‬‭.‬

ابتسمت‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬رسالتها‭. ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬أسمع‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى،‭ ‬فقد‭ ‬سمعته‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬أشقاء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬أحبوا‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬لكن‭ ‬لأنني‭ ‬رأيت‭ ‬البحرين‭ ‬بعينيها‭ ‬للحظة‭. ‬رأيتها‭ ‬كما‭ ‬يراها‭ ‬الآخرون؛‭ ‬وطناً‭ ‬صغيراً‭ ‬في‭ ‬حجمه،‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬مشاعره،‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يختصر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭.‬

وخلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬امتلأت‭ ‬الصحف‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بصور‭ ‬الأسر‭ ‬البحرينية‭ ‬وهي‭ ‬تتوافد‭ ‬لتوثيق‭ ‬الولاء‭. ‬آباء‭ ‬وأمهات‭ ‬وأبناء‭ ‬وأحفاد‭ ‬يجتمعون‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬واحد‭. ‬وبين‭ ‬صورة‭ ‬وأخرى‭ ‬كنت‭ ‬أتوقف‭ ‬متأملة‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الناس‭ ‬يتحركون‭ ‬بهذه‭ ‬العفوية‭ ‬نحو‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬شعور‭ ‬مشترك؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الولاء‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬القلوب‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬الجميلة؟

وأنا‭ ‬أتأمل‭ ‬تلك‭ ‬الصور،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬الوثائق‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬الناس‭. ‬هنا‭ ‬تذكرت‭ ‬أحد‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬علم‭ ‬البصائر‭ ‬السلوكية‭: ‬لماذا‭ ‬يتصرف‭ ‬الناس‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتصرفون‭ ‬بها؟

فهذا‭ ‬العلم‭ ‬يحاول‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يقف‭ ‬خلف‭ ‬السلوك‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬وقيم‭ ‬وتجارب،‭ ‬ويقودنا‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬لما‭ ‬نراه‭ ‬أمامنا‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬وتصرفات‭.‬

هكذا‭ ‬رأيت‭ ‬وثيقة‭ ‬الولاء‭. ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬وطنية‭ ‬أو‭ ‬توقيعاً‭ ‬على‭ ‬وثيقة،‭ ‬بل‭ ‬مساحة‭ ‬عبّر‭ ‬فيها‭ ‬الناس‭ ‬بطريقتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬حملوها‭ ‬معهم‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭. ‬فبعض‭ ‬المشاعر‭ ‬تبقى‭ ‬هادئة‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬لحظة‭ ‬مناسبة‭ ‬فتظهر‭ ‬ببساطة‭ ‬وصدق‭.‬

ومن‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬حملته‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬حضور‭ ‬الأسرة‭ ‬البحرينية‭. ‬فعندما‭ ‬يجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬واحدة،‭ ‬فإن‭ ‬الصورة‭ ‬تروي‭ ‬حكاية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المناسبة‭ ‬نفسها‭. ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬تنتقل‭ ‬بهدوء‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء،‭ ‬وعن‭ ‬معانٍ‭ ‬تكبر‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليومية‭.‬

وأكثر‭ ‬ما‭ ‬شدني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬أنها‭ ‬بدت‭ ‬طبيعية‭ ‬وعفوية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭. ‬كانت‭ ‬تشبه‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬نحتفظ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬ألبومات‭ ‬العائلة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تشبه‭ ‬صور‭ ‬المناسبات‭ ‬الرسمية‭. ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬كانت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بذكرى‭ ‬جميلة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬ذاكرتها‭. ‬فبعض‭ ‬اللحظات‭ ‬تبقى‭ ‬معنا‭ ‬لأنها‭ ‬لامست‭ ‬القلب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلامس‭ ‬الكاميرا‭.‬

كما‭ ‬أعادت‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬التذكير‭ ‬بقوة‭ ‬الرموز‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭. ‬فاللباس‭ ‬الوطني،‭ ‬والترابط‭ ‬العائلي،‭ ‬والعبارات‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬وثائق‭ ‬الولاء،‭ ‬حملت‭ ‬معها‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والمشاعر‭ ‬المشتركة‭. ‬ولهذا‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬الناس‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬واحد‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬أعمارهم‭ ‬وخلفياتهم‭.‬

ومن‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬البصائر‭ ‬السلوكية‭ ‬بـ«العدوى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الإيجابية‮»‬‭. ‬فالمشاعر‭ ‬الصادقة‭ ‬لها‭ ‬قدرة‭ ‬عجيبة‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬وعندما‭ ‬يرى‭ ‬الإنسان‭ ‬الفرح‭ ‬في‭ ‬وجوه‭ ‬الآخرين،‭ ‬والاعتزاز‭ ‬في‭ ‬كلماتهم،‭ ‬والمحبة‭ ‬التي‭ ‬يحملونها‭ ‬لوطنهم،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬بصورة‭ ‬تلقائية‭. ‬وهكذا‭ ‬اتسعت‭ ‬المشاركة‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬وكأن‭ ‬القلوب‭ ‬كانت‭ ‬تتحدث‭ ‬اللغة‭ ‬نفسها‭ ‬وتلتقي‭ ‬حول‭ ‬المعنى‭ ‬ذاته‭.‬

وتبدو‭ ‬قيمة‭ ‬وثيقة‭ ‬الولاء‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أرقام‭ ‬المشاركة‭ ‬وإحصاءاتها‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬رصيد‭ ‬عميق‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬والوفاء‭ ‬والمحبة‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن،‭ ‬وعن‭ ‬مشاعر‭ ‬تراكمت‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الناس‭.‬

وفي‭ ‬أثناء‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬صدر‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬بإنشاء‭ ‬لجنة‭ ‬لتوثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‭. ‬وتوقفت‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬كثيراً،‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬حفظ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬بطريقة‭ ‬تجعلها‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الباحث‭ ‬والمؤرخ‭ ‬والإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬فالأحداث‭ ‬تمر،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يُوثق‭ ‬منها‭ ‬فيبقى‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬شعر‭ ‬به‭ ‬الناس‭ ‬وكيف‭ ‬عبروا‭ ‬عنه‭.‬

فالذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالوقائع‭ ‬وحدها‭. ‬هناك‭ ‬لحظات‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬يتجاوز‭ ‬زمنها،‭ ‬وتتحول‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭ ‬إلى‭ ‬حكايات‭ ‬يرويها‭ ‬الآباء‭ ‬لأبنائهم،‭ ‬والأجداد‭ ‬لأحفادهم،‭ ‬لتبقى‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬الوطن‭.‬

وعندما‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬تلك‭ ‬الأخت‭ ‬الخليجية‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬أدركت‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬وثيقة‭ ‬ولاء‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬شعب‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬وطنية‭ ‬قصة‭ ‬إنسانية‭ ‬رآها‭ ‬الآخرون‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرويها‭ ‬لأبنائه‭. ‬فقد‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬والتواقيع،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬وطنية‭ ‬عابرة‭. ‬رأت‭ ‬شعباً‭ ‬يعبر‭ ‬بعفويته‭ ‬المعهودة‭ ‬عن‭ ‬وفائه،‭ ‬ورأت‭ ‬وطناً‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬أبنائه،‭ ‬ورأت‭ ‬الولاء‭ ‬وهو‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬إلى‭ ‬السلوك،‭ ‬ومن‭ ‬السلوك‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطنية‭ ‬ستبقى‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬جميلة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا