في مجموعة خليجية تضم نخبة من المهتمين بالشأن العام، وردت لي رسالة من أخت خليجية عزيزة كتبت فيها: «أحب البحرين لأنها جميلة، ولأن لجمالها شيئاً يتجاوز المكان إلى شعور يسكن القلب. وأحب البحرينيين لأنهم طيبون، ولهجتهم تدخل النفس بمحبة وعفوية. إلا أنني أحببتهم أكثر عندما رأيت التفافهم حول قادتهم وما جسدوه من ولاء صادق في هذه الأيام».
ابتسمت وأنا أقرأ رسالتها. ليس لأنني أسمع هذا الكلام عن البحرين للمرة الأولى، فقد سمعته كثيراً من أشقاء وأصدقاء أحبوا هذا الوطن، لكن لأنني رأيت البحرين بعينيها للحظة. رأيتها كما يراها الآخرون؛ وطناً صغيراً في حجمه، كبيراً في مشاعره، قادراً على أن يختصر الكثير من المعاني في صورة واحدة.
وخلال الأيام الماضية امتلأت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي بصور الأسر البحرينية وهي تتوافد لتوثيق الولاء. آباء وأمهات وأبناء وأحفاد يجتمعون حول معنى واحد. وبين صورة وأخرى كنت أتوقف متأملة: ما الذي يجعل الناس يتحركون بهذه العفوية نحو التعبير عن شعور مشترك؟ وما الذي يجعل الولاء ينتقل من القلوب إلى الواقع بهذه الصورة الجميلة؟
وأنا أتأمل تلك الصور، لم أكن أفكر في الوثائق بقدر ما كنت أفكر في الناس. هنا تذكرت أحد الأسئلة التي يطرحها علم البصائر السلوكية: لماذا يتصرف الناس بالطريقة التي يتصرفون بها؟
فهذا العلم يحاول فهم ما يقف خلف السلوك من مشاعر وقيم وتجارب، ويقودنا إلى قراءة أعمق لما نراه أمامنا من مواقف وتصرفات.
هكذا رأيت وثيقة الولاء. لم أرها مجرد مناسبة وطنية أو توقيعاً على وثيقة، بل مساحة عبّر فيها الناس بطريقتهم الخاصة عن مشاعر حملوها معهم عبر السنين. فبعض المشاعر تبقى هادئة في القلب، ثم تأتي لحظة مناسبة فتظهر ببساطة وصدق.
ومن أجمل ما حملته تلك الأيام حضور الأسرة البحرينية. فعندما يجتمع أكثر من جيل في صورة واحدة، فإن الصورة تروي حكاية أكبر من المناسبة نفسها. تحكي عن قيم تنتقل بهدوء من الآباء إلى الأبناء، وعن معانٍ تكبر مع الزمن حتى تصبح جزءاً من حياة الناس اليومية.
وأكثر ما شدني في تلك الصور أنها بدت طبيعية وعفوية إلى حد بعيد. كانت تشبه الصور التي نحتفظ بها في ألبومات العائلة أكثر مما تشبه صور المناسبات الرسمية. شعرت أن كثيراً من الأسر كانت تحتفظ بذكرى جميلة تريد أن تبقى طويلاً في ذاكرتها. فبعض اللحظات تبقى معنا لأنها لامست القلب قبل أن تلامس الكاميرا.
كما أعادت هذه الصور التذكير بقوة الرموز في حياة المجتمعات. فاللباس الوطني، والترابط العائلي، والعبارات التي حملتها وثائق الولاء، حملت معها شيئاً من الذاكرة والتاريخ والمشاعر المشتركة. ولهذا استطاعت أن تجمع الناس حول معنى واحد رغم اختلاف أعمارهم وخلفياتهم.
ومن أجمل ما يمكن قراءته في هذا الحدث ما يعرف في البصائر السلوكية بـ«العدوى الاجتماعية الإيجابية». فالمشاعر الصادقة لها قدرة عجيبة على الانتقال بين الناس. وعندما يرى الإنسان الفرح في وجوه الآخرين، والاعتزاز في كلماتهم، والمحبة التي يحملونها لوطنهم، يجد نفسه جزءاً من هذا الشعور بصورة تلقائية. وهكذا اتسعت المشاركة يوماً بعد يوم، وكأن القلوب كانت تتحدث اللغة نفسها وتلتقي حول المعنى ذاته.
وتبدو قيمة وثيقة الولاء أكبر من أرقام المشاركة وإحصاءاتها. فقد كشفت عن رصيد عميق من الثقة والوفاء والمحبة لهذا الوطن، وعن مشاعر تراكمت عبر السنوات حتى أصبحت من المعاني الراسخة في نفوس الناس.
وفي أثناء الانتهاء من كتابة هذا المقال، صدر الأمر الملكي بإنشاء لجنة لتوثيق ملحمة الصمود الوطني. وتوقفت عند هذا الخبر كثيراً، لأنني كنت أفكر منذ بداية هذه الأيام في أهمية حفظ مثل هذه اللحظات للأجيال القادمة، بطريقة تجعلها قريبة من الباحث والمؤرخ والإنسان البسيط على حد سواء. فالأحداث تمر، أما ما يُوثق منها فيبقى شاهداً على ما شعر به الناس وكيف عبروا عنه.
فالذاكرة الوطنية لا تُبنى بالوقائع وحدها. هناك لحظات تترك أثراً يتجاوز زمنها، وتتحول مع مرور السنوات إلى حكايات يرويها الآباء لأبنائهم، والأجداد لأحفادهم، لتبقى جزءاً من قصة الوطن.
وعندما عدت إلى رسالة تلك الأخت الخليجية بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال، أدركت أنها لم تكن تتحدث عن وثيقة ولاء بقدر ما كانت تتحدث عن شعب استطاع أن يجعل من لحظة وطنية قصة إنسانية رآها الآخرون قبل أن يرويها لأبنائه. فقد رأت في تلك الصور ما هو أبعد من الوثائق والتواقيع، وما هو أعمق من مناسبة وطنية عابرة. رأت شعباً يعبر بعفويته المعهودة عن وفائه، ورأت وطناً حاضراً في قلوب أبنائه، ورأت الولاء وهو ينتقل من الشعور إلى السلوك، ومن السلوك إلى ذاكرة وطنية ستبقى شاهدة على مرحلة جميلة من تاريخ البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك