العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

ملحمة الصمود الوطني… بيعةٌ في الأعناق وولاءٌ في الدماء

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الثلاثاء ٢٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

فليعذرني‭ ‬القارئ‭ ‬إن‭ ‬سبق‭ ‬الوجدانُ‭ ‬البيان،‭ ‬وغلب‭ ‬سلطانُ‭ ‬الوفاء‭ ‬سلطانَ‭ ‬اللسان،‭ ‬واستولى‭ ‬معنى‭ ‬الولاء‭ ‬على‭ ‬القلب‭ ‬والجَنان؛‭ ‬حتى‭ ‬ضاق‭ ‬اللفظُ‭ ‬بما‭ ‬اتسع‭ ‬له‭ ‬الصدر،‭ ‬وقصر‭ ‬القولُ‭ ‬عمّا‭ ‬طال‭ ‬فيه‭ ‬الشكر،‭ ‬وعجز‭ ‬القلمُ‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬أودعه‭ ‬الفؤاد‭ ‬من‭ ‬حبٍّ‭ ‬وذكر‭. ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬ليس‭ ‬حديثَ‭ ‬مُلكٍ‭ ‬وسلطان،‭ ‬ولا‭ ‬حديثَ‭ ‬حكمٍ‭ ‬وديوان،‭ ‬ولا‭ ‬حديثَ‭ ‬قائدٍ‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الزمان؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حديثُ‭ ‬مقامٍ‭ ‬عظيم،‭ ‬وعهدٍ‭ ‬كريم،‭ ‬وملكٍ‭ ‬حكيم،‭ ‬اجتمع‭ ‬فيه‭ ‬حزمُ‭ ‬الدولة‭ ‬وهيبتُها،‭ ‬وحكمةُ‭ ‬التاريخ‭ ‬ورصانتُها،‭ ‬ورحمةُ‭ ‬الأب‭ ‬وحنانُه،‭ ‬ووقارُ‭ ‬الملك‭ ‬وجلالُه؛‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬البحرين‭ ‬عهدًا‭ ‬لا‭ ‬يُنسى،‭ ‬وصوته‭ ‬في‭ ‬وجدانها‭ ‬نداءً‭ ‬لا‭ ‬يُعصى،‭ ‬وأمره‭ ‬السامي‭ ‬ميثاقًا‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬بالحروف‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يُتلى‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬من‭ ‬محبة،‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬الأعناق‭ ‬من‭ ‬بيعة،‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬من‭ ‬وفاء،‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬الدماء‭ ‬من‭ ‬ولاء‭.‬

وحين‭ ‬يصدر‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬بإنشاء‭ ‬وتشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬توثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني،‭ ‬فليس‭ ‬ذلك‭ ‬أمرًا‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬القرار،‭ ‬ولا‭ ‬خبرًا‭ ‬يمرُّ‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬الأخبار،‭ ‬ولا‭ ‬مادةً‭ ‬تُقرأ‭ ‬ثم‭ ‬تُطوى‭ ‬في‭ ‬الأسفار؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نداءُ‭ ‬ذاكرة،‭ ‬وإعلانُ‭ ‬بصيرة،‭ ‬وتثبيتُ‭ ‬مسيرة،‭ ‬أراد‭ ‬به‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬أيده‭ ‬الله،‭ ‬أن‭ ‬يُخرج‭ ‬الصمود‭ ‬من‭ ‬حيز‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬مقام‭ ‬الشهادة،‭ ‬ومن‭ ‬دفء‭ ‬الصدور‭ ‬إلى‭ ‬صون‭ ‬السطور،‭ ‬ومن‭ ‬حديث‭ ‬المجالس‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬الدولة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬حقٌّ‭ ‬بين‭ ‬غفلة‭ ‬ونسيان،‭ ‬ولا‭ ‬يختلط‭ ‬صدقٌ‭ ‬بزور‭ ‬وبهتان،‭ ‬ولا‭ ‬تبقى‭ ‬ملحمة‭ ‬البحرين‭ ‬نهبًا‭ ‬لمن‭ ‬جهل‭ ‬قدرها،‭ ‬أو‭ ‬جحد‭ ‬فضلها،‭ ‬أو‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يطمس‭ ‬نورها‭.‬

وما‭ ‬أعمقها‭ ‬من‭ ‬تسمية‭ ‬حين‭ ‬سمّاها‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني؛‭ ‬فإن‭ ‬الصمود‭ ‬ليس‭ ‬حجرًا‭ ‬جامدًا،‭ ‬ولا‭ ‬موقفًا‭ ‬باردًا،‭ ‬ولا‭ ‬ثباتًا‭ ‬بلا‭ ‬روح،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حبٌّ‭ ‬إذا‭ ‬امتحن‭ ‬ثبت،‭ ‬وولاءٌ‭ ‬إذا‭ ‬نودي‭ ‬أجاب،‭ ‬وبيعةٌ‭ ‬إذا‭ ‬اشتد‭ ‬الخطب‭ ‬ازدادت‭ ‬رسوخًا‭ ‬واحتسابًا‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬صمود‭ ‬البحرين‭ ‬إلا‭ ‬صورةً‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬ذلك‭ ‬الحب‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬ملكٍ‭ ‬أحب‭ ‬شعبه‭ ‬فأكرمه،‭ ‬وشعبٍ‭ ‬أحب‭ ‬ملكه‭ ‬فأخلص‭ ‬له؛‭ ‬حبٌّ‭ ‬لا‭ ‬تلوّنه‭ ‬المصالح،‭ ‬ولا‭ ‬تضعفه‭ ‬العواصف،‭ ‬ولا‭ ‬تشوبه‭ ‬شائبة‭ ‬الرياء،‭ ‬ولا‭ ‬يداخله‭ ‬دخان‭ ‬النفاق؛‭ ‬لأنه‭ ‬حبٌّ‭ ‬وطنيٌّ‭ ‬صادق،‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬البيوت،‭ ‬وسرى‭ ‬في‭ ‬الدماء،‭ ‬واستقر‭ ‬في‭ ‬الضمائر،‭ ‬وتوارثته‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكتبه‭ ‬الأقلام‭.‬

إن‭ ‬البحريني‭ ‬المخلص‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬ولائه‭ ‬على‭ ‬حرفٍ‭ ‬يردده،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬شعارٍ‭ ‬يرفعه،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬مناسبةٍ‭ ‬ينتظرها؛‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬البيعة‭ ‬في‭ ‬عنقه‭ ‬حمل‭ ‬الأمانة،‭ ‬ويحفظ‭ ‬العهد‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬حفظ‭ ‬الديانة،‭ ‬ويرى‭ ‬في‭ ‬جلالة‭ ‬الملك،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬رمز‭ ‬الدولة‭ ‬وعنوانها،‭ ‬وراعي‭ ‬النهضة‭ ‬وبانيها،‭ ‬وحكيم‭ ‬البحرين‭ ‬وأمين‭ ‬مجدها،‭ ‬ووالد‭ ‬شعبها‭ ‬وسند‭ ‬وحدتها‭. ‬فإذا‭ ‬قيل‭: ‬الصمود،‭ ‬قال‭ ‬البحريني‭: ‬هذا‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬نملك‭. ‬وإذا‭ ‬قيل‭: ‬الولاء،‭ ‬قال‭: ‬هذا‭ ‬أصل‭ ‬ما‭ ‬ورثنا‭. ‬وإذا‭ ‬قيل‭: ‬البيعة،‭ ‬قال‭: ‬هذه‭ ‬في‭ ‬أعناقنا‭ ‬كابرًا‭ ‬عن‭ ‬كابر،‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬طارئٌ‭ ‬فينقضها،‭ ‬ولا‭ ‬عابرٌ‭ ‬فيبددها،‭ ‬ولا‭ ‬دخيلٌ‭ ‬فيساوم‭ ‬عليها‭.‬

فالبيعة‭ ‬لآل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬ورقةً‭ ‬في‭ ‬دفتر،‭ ‬ولا‭ ‬أثرًا‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الأمس،‭ ‬ولا‭ ‬قولًا‭ ‬يقال‭ ‬ثم‭ ‬يزول؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ميراث‭ ‬آباء،‭ ‬ووصية‭ ‬أجداد،‭ ‬وعهد‭ ‬رجال،‭ ‬وناموس‭ ‬دار‭. ‬نتوارثها‭ ‬كما‭ ‬نتوارث‭ ‬أسماءنا،‭ ‬ونحفظها‭ ‬كما‭ ‬نحفظ‭ ‬أنسابنا،‭ ‬ونحملها‭ ‬كما‭ ‬نحمل‭ ‬دماءنا‭ ‬في‭ ‬عروقنا،‭ ‬ونصونها‭ ‬كما‭ ‬نصون‭ ‬عاداتنا‭ ‬وتقاليدنا‭ ‬ومبادئنا‭. ‬فمن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬البحرين‭ ‬فليعرف‭ ‬هذا‭ ‬السر؛‭ ‬أن‭ ‬الولاء‭ ‬فيها‭ ‬ليس‭ ‬طارئًا‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬ساكنا‭ ‬في‭ ‬النفوس؛‭ ‬وليس‭ ‬ضيفًا‭ ‬على‭ ‬التاريخ،‭ ‬بل‭ ‬صاحب‭ ‬بيتٍ‭ ‬فيه؛‭ ‬وليس‭ ‬صوتًا‭ ‬عند‭ ‬الرخاء‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬موقفا‭ ‬عند‭ ‬الشدة،‭ ‬وثباتا‭ ‬عند‭ ‬العاصفة،‭ ‬ووفاء‭ ‬حين‭ ‬تُطلب‭ ‬معادن‭ ‬الرجال‭.‬

ولقد‭ ‬جاءت‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬لتوثق‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وقائع،‭ ‬بل‭ ‬معاني‭ ‬الوقائع؛‭ ‬لا‭ ‬صور‭ ‬الأحداث‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬روح‭ ‬الأحداث؛‭ ‬لا‭ ‬اعتداءاتٍ‭ ‬واجهتها‭ ‬البحرين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وحدةً‭ ‬صنعت‭ ‬الرد،‭ ‬وقيادةً‭ ‬رسمت‭ ‬الطريق،‭ ‬ومؤسساتٍ‭ ‬أدت‭ ‬الأمانة،‭ ‬وشعبًا‭ ‬وقف‭ ‬حيث‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقف‭. ‬فهي‭ ‬لجنةٌ‭ ‬تحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬المؤسسية،‭ ‬وترسخ‭ ‬السردية‭ ‬البحرينية‭ ‬الموثقة،‭ ‬وتجمع‭ ‬الشواهد‭ ‬بالحقائق‭ ‬والأدلة،‭ ‬وتودعها‭ ‬في‭ ‬الأرشيف‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬لتنام‭ ‬بين‭ ‬الرفوف،‭ ‬بل‭ ‬لتنهض‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الأبناء،‭ ‬وتضيء‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم،‭ ‬وتحضر‭ ‬في‭ ‬منابر‭ ‬الإعلام،‭ ‬وتستقر‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬البحث،‭ ‬شاهدةً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬من‭ ‬اعتدى،‭ ‬ولا‭ ‬تغفل‭ ‬عمّن‭ ‬تآمر،‭ ‬ولا‭ ‬تفرّط‭ ‬في‭ ‬حقٍّ‭ ‬أثبته‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬كرامةٍ‭ ‬صانتها‭ ‬الدولة‭.‬

وإن‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬أنه‭ ‬يردُّ‭ ‬على‭ ‬العدوان‭ ‬بالحقيقة،‭ ‬وعلى‭ ‬الزيف‭ ‬بالوثيقة،‭ ‬وعلى‭ ‬التشويه‭ ‬بالسجل،‭ ‬وعلى‭ ‬النسيان‭ ‬بالحفظ‭. ‬فالعدو‭ ‬قد‭ ‬يهاجم‭ ‬حدود‭ ‬الأرض،‭ ‬أما‭ ‬الزيف‭ ‬فيحاول‭ ‬أن‭ ‬يهاجم‭ ‬حدود‭ ‬الذاكرة؛‭ ‬والاعتداء‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬وينتهي،‭ ‬أما‭ ‬التزييف‭ ‬فقد‭ ‬يمتد‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يوقفه‭ ‬بالحجة‭ ‬والبرهان‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتجلى‭ ‬حكمة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك،‭ ‬أيده‭ ‬الله،‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬الحاضر‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يحمي‭ ‬ذاكرة‭ ‬الحاضر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُسرق،‭ ‬ويحمي‭ ‬مستقبل‭ ‬الأبناء‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُربّى‭ ‬على‭ ‬روايةٍ‭ ‬ناقصة،‭ ‬أو‭ ‬شهادةٍ‭ ‬مبتورة،‭ ‬أو‭ ‬حقيقةٍ‭ ‬بلا‭ ‬أرشيف‭.‬

هكذا‭ ‬يكون‭ ‬القائد‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الحدث،‭ ‬وأبعد‭ ‬نظرًا‭ ‬من‭ ‬اللحظة،‭ ‬وأعمق‭ ‬قراءةً‭ ‬من‭ ‬ظاهر‭ ‬الخبر‭. ‬وهكذا‭ ‬يكون‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭: ‬قائدًا‭ ‬إذا‭ ‬أمر‭ ‬جمع،‭ ‬وإذا‭ ‬وجّه‭ ‬أنار،‭ ‬وإذا‭ ‬نظر‭ ‬أبصر‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يبصره‭ ‬غيره؛‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬التوثيق‭ ‬أمنًا‭ ‬للذاكرة،‭ ‬وفي‭ ‬الأرشفة‭ ‬صونًا‭ ‬للسيادة،‭ ‬وفي‭ ‬التعليم‭ ‬بناءً‭ ‬للوعي،‭ ‬وفي‭ ‬الإعلام‭ ‬حراسةً‭ ‬للحقيقة،‭ ‬وفي‭ ‬البحث‭ ‬تثبيتًا‭ ‬للبرهان‭. ‬فليس‭ ‬غريبًا‭ ‬على‭ ‬ملكٍ‭ ‬جعل‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬دولةً‭ ‬راسخة‭ ‬البنيان،‭ ‬سامية‭ ‬المكان،‭ ‬عزيزة‭ ‬الشأن،‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصمود‭ ‬ملحمة،‭ ‬ومن‭ ‬الملحمة‭ ‬وثيقة،‭ ‬ومن‭ ‬الوثيقة‭ ‬مدرسة،‭ ‬ومن‭ ‬المدرسة‭ ‬عهدًا‭ ‬لا‭ ‬يبلى‭.‬

وقد‭ ‬واجهت‭ ‬البحرين‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الغاشمة‭ ‬لا‭ ‬بوهنٍ‭ ‬ولا‭ ‬وجل،‭ ‬ولا‭ ‬بترددٍ‭ ‬ولا‭ ‬خذلان،‭ ‬بل‭ ‬واجهتها‭ ‬بقيادةٍ‭ ‬ثابتة،‭ ‬ومؤسساتٍ‭ ‬يقظة،‭ ‬وشعبٍ‭ ‬وفيّ،‭ ‬ووعيٍ‭ ‬وطنيٍّ‭ ‬عصيٍّ‭ ‬على‭ ‬الاختراق‭. ‬وكانت‭ ‬وحدة‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب‭ ‬هي‭ ‬السور‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُثلم،‭ ‬والحصن‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُهدم،‭ ‬والراية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنكس‭. ‬فكلما‭ ‬ظنّ‭ ‬المعتدي‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬منفذًا،‭ ‬وجد‭ ‬أمامه‭ ‬وطنًا‭ ‬واحدًا؛‭ ‬وكلما‭ ‬توهّم‭ ‬أن‭ ‬الولاء‭ ‬فيها‭ ‬قابلٌ‭ ‬للقسمة،‭ ‬وجده‭ ‬كتلةً‭ ‬صلبةً‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الكسر؛‭ ‬وكلما‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يبعثر‭ ‬الصف،‭ ‬ازداد‭ ‬الصف‭ ‬انتظامًا؛‭ ‬وكلما‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يطفئ‭ ‬النور،‭ ‬ازداد‭ ‬النور‭ ‬اتقادًا‭.‬

وليس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عجب؛‭ ‬فالشعوب‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬ملوكها‭ ‬لا‭ ‬تضل‭ ‬طريقها،‭ ‬والأمم‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬بيعتها‭ ‬لا‭ ‬تبيع‭ ‬عهدها،‭ ‬والأوطان‭ ‬التي‭ ‬تتربى‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الدعاية‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬شرك‭ ‬الخيانة‭. ‬ومملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬منذ‭ ‬عرفها‭ ‬التاريخ،‭ ‬دار‭ ‬عهدٍ‭ ‬لا‭ ‬غدر،‭ ‬ودار‭ ‬وفاءٍ‭ ‬لا‭ ‬جحود،‭ ‬ودار‭ ‬ولاءٍ‭ ‬لا‭ ‬ازدواج‭. ‬لها‭ ‬ملكٌ‭ ‬يحنو‭ ‬عليها‭ ‬حنو‭ ‬الأب‭ ‬على‭ ‬أبنائه،‭ ‬ويحفظها‭ ‬حفظ‭ ‬الراعي‭ ‬لرعيته،‭ ‬ويقودها‭ ‬قيادة‭ ‬الحكيم‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬متى‭ ‬يحزم‭ ‬ومتى‭ ‬يرحم،‭ ‬ومتى‭ ‬يرفع‭ ‬الصوت‭ ‬ومتى‭ ‬يغلب‭ ‬الحلم،‭ ‬ومتى‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الحدث‭ ‬عبرة،‭ ‬ومن‭ ‬العبرة‭ ‬ذاكرة،‭ ‬ومن‭ ‬الذاكرة‭ ‬مجدًا‭.‬

فيا‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬إن‭ ‬قلتم‭: ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني،‭ ‬قلنا‭: ‬نعم،‭ ‬هي‭ ‬ملحمة‭ ‬صمود؛‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬أعماقها‭ ‬ملحمة‭ ‬حبٍّ‭ ‬لجلالتكم‭ ‬لا‭ ‬يخبو،‭ ‬وولاءٍ‭ ‬صادقٍ‭ ‬لجلالتكم‭ ‬لا‭ ‬ينحني،‭ ‬وبيعةٍ‭ ‬لجلالتكم‭ ‬لا‭ ‬تنقضي‭. ‬وإن‭ ‬أمرتم‭ ‬بتوثيقها‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الوطن،‭ ‬فقد‭ ‬وثقها‭ ‬البحرينيون‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قلوبهم،‭ ‬ونقشوها‭ ‬في‭ ‬ضمائرهم،‭ ‬وحملوها‭ ‬في‭ ‬أعناقهم‭. ‬وإن‭ ‬أُودعت‭ ‬في‭ ‬الأرشيف‭ ‬الوطني‭ ‬وثيقةً‭ ‬وشهادة،‭ ‬فهي‭ ‬مودعةٌ‭ ‬في‭ ‬دماء‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬عهدًا‭ ‬للوطن،‭ ‬ووفاءً‭ ‬لجلالتكم،‭ ‬وإخلاصًا‭ ‬للراية‭.‬

حفظ‭ ‬الله‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬وأدامه‭ ‬للبحرين‭ ‬عزًا‭ ‬وسندًا،‭ ‬وذخرًا‭ ‬ومجدًا،‭ ‬ووالدًا‭ ‬وقائدًا،‭ ‬وراعيًا‭ ‬وحكيمًا‭. ‬وستبقى‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬جلالته‭ ‬وطنًا‭ ‬لا‭ ‬يُكسر،‭ ‬ورايةً‭ ‬لا‭ ‬تُنكس،‭ ‬وبيعةً‭ ‬لا‭ ‬تُنقض،‭ ‬وولاءً‭ ‬لا‭ ‬يُشترى،‭ ‬وصمودًا‭ ‬لا‭ ‬يُنسى؛‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬أعناق‭ ‬أهلها‭ ‬عهدًا‭ ‬موروثًا،‭ ‬وفي‭ ‬صدورهم‭ ‬حبًا‭ ‬مغروسًا،‭ ‬وفي‭ ‬دمائهم‭ ‬وفاءً‭ ‬موصولًا،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخهم‭ ‬اسمًا‭ ‬جامعًا‭ ‬لا‭ ‬يختلفون‭ ‬عليه‭ ‬ولا‭ ‬يفترقون‭ ‬دونه‭: ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬ملكها‭ ‬المعظم،‭ ‬ماضيةٌ‭ ‬بعزتها،‭ ‬ثابتةٌ‭ ‬بسيادتها،‭ ‬شامخةٌ‭ ‬بولائها،‭ ‬خالدةٌ‭ ‬بصمودها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا