العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

تدليس ولاية الفقيه.. حين يزف الهزيمةَ والعار في موكب الانتصار

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬رأيتُ‭ ‬أعجبَ‭ ‬من‭ ‬مهزومٍ‭ ‬يروي‭ ‬للناس‭ ‬خبرَ‭ ‬نصره،‭ ‬ولا‭ ‬أجرأَ‭ ‬من‭ ‬منكسرٍ‭ ‬يصف‭ ‬لهم‭ ‬صولةَ‭ ‬ظفره،‭ ‬ولا‭ ‬أضلَّ‭ ‬من‭ ‬قومٍ‭ ‬إذا‭ ‬خسروا‭ ‬الأرض‭ ‬قالوا‭: ‬ثبتنا،‭ ‬وإذا‭ ‬فقدوا‭ ‬القادة‭ ‬قالوا‭: ‬صمدنا،‭ ‬وإذا‭ ‬تحطّمت‭ ‬القوة‭ ‬قالوا‭: ‬انتصرنا؛‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬النصر‭ ‬عندهم‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬غلبةٍ‭ ‬ولا‭ ‬برهان،‭ ‬وإنما‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يصدر‭ ‬البيان،‭ ‬فتُسمّى‭ ‬النكسة‭ ‬فتحًا،‭ ‬والانكسار‭ ‬مجدًا،‭ ‬والخراب‭ ‬نصرًا‭.‬

ذلك‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه؛‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬النصر‭ ‬إلا‭ ‬اسمه،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬إلا‭ ‬رسمها،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬البطولة‭ ‬إلا‭ ‬صخبها‭. ‬فإن‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬فتح‭ ‬جبهةً‭ ‬في‭ ‬البيان‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬حادثةً‭ ‬عابرة،‭ ‬ولا‭ ‬زلّةَ‭ ‬لسانٍ‭ ‬طارئة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نهجٌ‭ ‬قديم،‭ ‬وسجلٌّ‭ ‬طويل،‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬الأمس‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬ومن‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬أختها،‭ ‬ومن‭ ‬النكسة‭ ‬إلى‭ ‬توأمتها‭.‬

وما‭ ‬التدليس‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬زلّةً‭ ‬في‭ ‬القول؛‭ ‬ولا‭ ‬عارضًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب،‭ ‬بل‭ ‬قاعدةٌ‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭. ‬وأصل‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬به‭ ‬يستر‭ ‬العار،‭ ‬ويزيّن‭ ‬الانكسار‭.‬

 

فإن‭ ‬رأى‭ ‬الناس‭ ‬جنده‭ ‬يتقهقر،‭ ‬قال‭ ‬لهم‭: ‬ذلك‭ ‬استدراج؛‭ ‬وإن‭ ‬رأوا‭ ‬أذرعه‭ ‬تتهاوى،‭ ‬قال‭: ‬ذلك‭ ‬تمويهٌ‭ ‬وخداع؛‭ ‬وإن‭ ‬سألوه‭ ‬عن‭ ‬ثمار‭ ‬النصر،‭ ‬أراهم‭ ‬الدمار؛‭ ‬ثم‭ ‬دعاهم‭ ‬إلى‭ ‬الهتاف‭ ‬قبل‭ ‬السؤال،‭ ‬وإلى‭ ‬التصديق‭ ‬قبل‭ ‬الاستدلال‭.‬

فحين‭ ‬اشتعلت‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬عراق‭ ‬صدام‭ ‬وإيران،‭ ‬ملأوا‭ ‬الآفاق‭ ‬وعيدًا،‭ ‬ووعدوا‭ ‬أتباعهم‭ ‬فتحًا‭ ‬جديدًا؛‭ ‬قالوا‭ ‬إن‭ ‬بغداد‭ ‬ستسقط،‭ ‬وإن‭ ‬النظام‭ ‬سيزول،‭ ‬وإن‭ ‬الثورة‭ ‬ستعبر‭ ‬الحدود،‭ ‬وإن‭ ‬المنطقة‭ ‬ستلبس‭ ‬ثوبهم‭ ‬وتدخل‭ ‬تحت‭ ‬رايتهم‭. ‬ثم‭ ‬امتدت‭ ‬الحرب‭ ‬ثماني‭ ‬سنين،‭ ‬فأكلت‭ ‬الرجال،‭ ‬واستنزفت‭ ‬الأموال،‭ ‬وأحرقت‭ ‬الحاضر،‭ ‬وأثقلت‭ ‬المستقبل؛‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬عام،‭ ‬حتى‭ ‬انتهى‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬الهزيمة‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬الخميني‭ ‬نفسه‭ ‬بتجرّع‭ ‬كأس‭ ‬السم،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عمّ‭ ‬الخراب‭ ‬الديار‭.‬

فأيُّ‭ ‬نصرٍ‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬بوعيد‭ ‬إسقاط‭ ‬بغداد،‭ ‬وينتهي‭ ‬بقبول‭ ‬ما‭ ‬رُفض‭ ‬أعوامًا؟‭ ‬وأيُّ‭ ‬ظفرٍ‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يُقاس‭ ‬بكثرة‭ ‬القبور،‭ ‬وفداحة‭ ‬الثبور،‭ ‬وضياع‭ ‬الأعمار‭ ‬والدهور؟‭ ‬وأيُّ‭ ‬فتحٍ‭ ‬يفتتح‭ ‬بالزحف‭ ‬وينتهي‭ ‬بالرجوع؟

وكان‭ ‬مقتضى‭ ‬العقل‭ ‬أن‭ ‬يعترفوا‭ ‬بسوء‭ ‬التقدير،‭ ‬ومقتضى‭ ‬الأمانة‭ ‬والصدق‭ ‬أن‭ ‬يقولوا‭ ‬للناس‭: ‬دخلنا‭ ‬بوعيدٍ‭ ‬عظيم،‭ ‬وخرجنا‭ ‬بعجزٍ‭ ‬أليم‭. ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يفعلوا؛‭ ‬بل‭ ‬نقلوا‭ ‬الكذبة‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬أوطان‭ ‬العرب،‭ ‬وصدّروا‭ ‬الوهم‭ ‬كما‭ ‬صدّروا‭ ‬السلاح‭ ‬والشر‭. ‬مدّوا‭ ‬أذرعهم‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب،‭ ‬وزرعوا‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬الشقاق‭ ‬والطائفية،‭ ‬ثم‭ ‬صنعوا‭ ‬منها‭ ‬حزبًا،‭ ‬ومن‭ ‬الحزب‭ ‬مليشيا،‭ ‬ومن‭ ‬المليشيا‭ ‬سلطةً‭ ‬فوق‭ ‬السلطة،‭ ‬ودولةً‭ ‬تنازع‭ ‬الدولة؛‭ ‬سلاحها‭ ‬خارج‭ ‬الشرعية،‭ ‬وولاؤها‭ ‬عابرٌ‭ ‬للحدود،‭ ‬وقرارها‭ ‬خارج‭ ‬الوطنية‭.‬

ثم‭ ‬سمّوا‭ ‬الإرهاب‭ ‬مقاومة،‭ ‬والفتنة‭ ‬ممانعة،‭ ‬والتبعية‭ ‬ولاية،‭ ‬واختطاف‭ ‬الأوطان‭ ‬حمايةً‭ ‬ورعاية‭. ‬فعندما‭ ‬دُحرت‭ ‬مليشياتهم‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وانحسر‭ ‬نفوذها،‭ ‬وتهاوت‭ ‬أدواتها،‭ ‬قالوا‭: ‬انتصرنا‭. ‬ولما‭ ‬ضُرب‭ ‬حزبهم‭ ‬اللبناني‭ ‬الإرهابي،‭ ‬وقُتل‭ ‬قادته،‭ ‬وتكسّرت‭ ‬قدراته،‭ ‬وتهاوت‭ ‬الهيبة‭ ‬التي‭ ‬نفخت‭ ‬فيها‭ ‬الدعاية‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬المخدوعين‭ ‬أسطورة،‭ ‬قالوا‭: ‬انتصرنا‭.‬

فإذا‭ ‬اعترض‭ ‬مواطنٌ‭ ‬عربيٌّ‭ ‬مخلصٌ‭ ‬أبيٌّ‭ ‬اتهموه،‭ ‬وإذا‭ ‬طالب‭ ‬بسيادة‭ ‬بلاده‭ ‬خوّنوه،‭ ‬وإذا‭ ‬رفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قراره‭ ‬مرهونًا‭ ‬بطهران‭ ‬حاصروه‭ ‬في‭ ‬دينه‭ ‬ووطنيته‭ ‬وضميره‭. ‬يريدون‭ ‬للعربي‭ ‬اسمَ‭ ‬وطنٍ‭ ‬بلا‭ ‬سيادة،‭ ‬ورايةً‭ ‬بلا‭ ‬إرادة،‭ ‬وأرضًا‭ ‬يسكنها‭ ‬وقرارًا‭ ‬لا‭ ‬يملكه؛‭ ‬يريدونه‭ ‬مواطنًا‭ ‬في‭ ‬الأوراق،‭ ‬تابعًا‭ ‬في‭ ‬الأعماق،‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬بلاده،‭ ‬ويهب‭ ‬أمره‭ ‬وولاءه‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬وطنه،‭ ‬ولا‭ ‬يستثمر‭ ‬في‭ ‬بنائه‭ ‬ولا‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬خرابه‭.‬

فهم‭ ‬ينتصرون‭ ‬إذا‭ ‬تقدّموا،‭ ‬وينتصرون‭ ‬إذا‭ ‬تراجعوا؛‭ ‬ينتصرون‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬أذرعهم،‭ ‬وينتصرون‭ ‬إذا‭ ‬قُطعت؛‭ ‬ينتصرون‭ ‬إذا‭ ‬هاجموا،‭ ‬وينتصرون‭ ‬إذا‭ ‬اختبأوا؛‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬إلا‭ ‬اسمه،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬إلا‭ ‬رسمه،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬إلا‭ ‬وهمه‭.‬

فالاعتراف‭ ‬عندهم‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬الهزيمة؛‭ ‬لأن‭ ‬الهزيمة‭ ‬تُفقدهم‭ ‬موقعًا،‭ ‬أما‭ ‬الاعتراف‭ ‬فيُسقط‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬أقاموا‭ ‬عليها‭ ‬مواقعهم‭ ‬وأتباعهم‭ ‬ومشروعهم‭. ‬ولذلك‭ ‬يضحّون‭ ‬بالحقيقة‭ ‬لينقذوا‭ ‬الحكاية،‭ ‬ويكابرون‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬ليحفظوا‭ ‬الدعاية؛‭ ‬لأنهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬سقوط‭ ‬السلاح‭ ‬قد‭ ‬يُعوّض،‭ ‬أما‭ ‬سقوط‭ ‬الوهم‭ ‬من‭ ‬عقول‭ ‬الأتباع‭ ‬فلا‭ ‬تستره‭ ‬خطبة،‭ ‬ولا‭ ‬تعيده‭ ‬خدعة‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬المستور،‭ ‬وفضحت‭ ‬المغرور،‭ ‬وهتكت‭ ‬ما‭ ‬نسجته‭ ‬الدعاية‭ ‬من‭ ‬ستور‭. ‬ضُربت‭ ‬المواقع،‭ ‬وحُطّمت‭ ‬القدرات،‭ ‬وتصدّعت‭ ‬البنية‭ ‬العسكرية،‭ ‬واشتد‭ ‬الخناق‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وظهر‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬صخب‭ ‬المنابر‭ ‬وحقيقة‭ ‬المخابئ،‭ ‬وبين‭ ‬زئير‭ ‬الخطاب‭ ‬وارتباك‭ ‬القرار‭.‬

قالوا‭: ‬سنزلزل‭ ‬الأرض‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬خصومنا؛‭ ‬فلما‭ ‬زُلزلت‭ ‬مواقعهم‭ ‬قالوا‭: ‬انتصرنا‭. ‬وقالوا‭: ‬سنحرق‭ ‬من‭ ‬يقترب‭ ‬منا؛‭ ‬فلما‭ ‬احترقت‭ ‬قدراتهم‭ ‬قالوا‭: ‬انتصرنا‭. ‬وقالوا‭: ‬ردّنا‭ ‬سيغيّر‭ ‬وجه‭ ‬المنطقة؛‭ ‬فلما‭ ‬جاء‭ ‬الرد‭ ‬محدودًا‭ ‬مردودًا،‭ ‬لا‭ ‬يردع‭ ‬ضاربًا،‭ ‬ولا‭ ‬يستعيد‭ ‬قدرةً،‭ ‬ولا‭ ‬يجبر‭ ‬كسرةً،‭ ‬عرضوه‭ ‬على‭ ‬الأتباع‭ ‬فتحًا‭ ‬لا‭ ‬يُضاهى،‭ ‬ونصرًا‭ ‬لا‭ ‬يُجارى‭.‬

وما‭ ‬أشبه‭ ‬منطقهم‭ ‬برجلٍ‭ ‬صفعه‭ ‬خصمه،‭ ‬فلما‭ ‬سأله‭ ‬الناس‭: ‬ماذا‭ ‬فعلت؟‭ ‬قال‭: ‬أتعبتُ‭ ‬يده‭ ‬بوجهي‭! ‬فإن‭ ‬ضحكوا‭ ‬من‭ ‬منطقه‭ ‬رماهم‭ ‬بالخيانة،‭ ‬وإن‭ ‬سخروا‭ ‬من‭ ‬حجته‭ ‬وصفهم‭ ‬بالعمالة،‭ ‬وإن‭ ‬سألوه‭ ‬عن‭ ‬شاهد‭ ‬نصره‭ ‬أراهم‭ ‬أثر‭ ‬الصفعة‭ ‬على‭ ‬وجهه،‭ ‬ثم‭ ‬أقسم‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬وسام،‭ ‬وأن‭ ‬الألم‭ ‬انتقام‭.‬

لقد‭ ‬قام‭ ‬مشروع‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬لا‭ ‬رابعة‭ ‬لها‭: ‬بيع‭ ‬الوهم،‭ ‬وتصدير‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وتزييف‭ ‬الهزيمة‭. ‬يبيعون‭ ‬الوهم‭ ‬للتابع‭ ‬حتى‭ ‬ينسى‭ ‬خسارته،‭ ‬ويصدّرون‭ ‬الإرهاب‭ ‬إلى‭ ‬الجار‭ ‬حتى‭ ‬يحجبوا‭ ‬فشلهم،‭ ‬ويزيّفون‭ ‬الهزيمة‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬الأتباع‭ ‬أسرى‭ ‬روايتهم‭.‬

فالوهم‭ ‬بضاعة‭ ‬الداخل،‭ ‬والإرهاب‭ ‬بضاعة‭ ‬الخارج،‭ ‬والكذب‭ ‬جسرٌ‭ ‬يصل‭ ‬بين‭ ‬البضاعتين؛‭ ‬يخدعون‭ ‬شعبهم‭ ‬بوعد‭ ‬القوة،‭ ‬فإذا‭ ‬جاع‭ ‬قالوا‭: ‬ذلك‭ ‬ثمن‭ ‬المقاومة،‭ ‬وإذا‭ ‬انهارت‭ ‬العملة‭ ‬قالوا‭: ‬تلك‭ ‬ضريبة‭ ‬الكرامة،‭ ‬وإذا‭ ‬ضاق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬قالوا‭: ‬حصارٌ‭ ‬ومؤامرة،‭ ‬وإذا‭ ‬ثار‭ ‬الناس‭ ‬قالوا‭: ‬فتنةٌ‭ ‬مدبّرة‭.‬

فلا‭ ‬هم‭ ‬أشبعوا‭ ‬جائعًا،‭ ‬ولا‭ ‬صانوا‭ ‬وطنًا،‭ ‬ولا‭ ‬حفظوا‭ ‬سيادةً،‭ ‬ولا‭ ‬حققوا‭ ‬وعدًا؛‭ ‬ولكنهم‭ ‬أحسنوا‭ ‬تحويل‭ ‬الفقر‭ ‬إلى‭ ‬بطولة،‭ ‬والحرمان‭ ‬إلى‭ ‬فضيلة،‭ ‬والفشل‭ ‬إلى‭ ‬قضية،‭ ‬والخسارة‭ ‬إلى‭ ‬تضحيةٍ‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬جدواها،‭ ‬ولا‭ ‬المحاسبة‭ ‬على‭ ‬نتائجها‭.‬

إنهم‭ ‬لا‭ ‬يصنعون‭ ‬النصر،‭ ‬بل‭ ‬يصنعون‭ ‬نشرته؛‭ ‬ولا‭ ‬يحققون‭ ‬الظفر،‭ ‬بل‭ ‬يحرّرون‭ ‬صيغته؛‭ ‬عندهم‭ ‬للوهم‭ ‬سوقٌ‭ ‬يسمّى‭ ‬مقاومة،‭ ‬وللكذب‭ ‬مجلسٌ‭ ‬ينسج‭ ‬الزور‭ ‬باسم‭ ‬الصيانة،‭ ‬وللهزيمة‭ ‬اسمٌ‭ ‬يسترها‭ ‬ووصفٌ‭ ‬يجمّلها‭.‬

فإن‭ ‬قُتل‭ ‬القادة‭ ‬قالوا‭: ‬دماؤهم‭ ‬حياة،‭ ‬وإن‭ ‬سقطت‭ ‬المواقع‭ ‬قالوا‭: ‬سقوطها‭ ‬بداية،‭ ‬وإن‭ ‬تقطّعت‭ ‬الأذرع‭ ‬قالوا‭: ‬ازداد‭ ‬المحور‭ ‬اتساعًا،‭ ‬وإن‭ ‬عادوا‭ ‬من‭ ‬المعركة‭ ‬بلا‭ ‬هدفٍ‭ ‬تحقق،‭ ‬ولا‭ ‬عدوٍّ‭ ‬اندحر،‭ ‬ولا‭ ‬أرضٍ‭ ‬تحررت،‭ ‬قالوا‭: ‬يكفينا‭ ‬أننا‭ ‬بقينا‭! ‬وكأن‭ ‬البقاء‭ ‬بعد‭ ‬الوعيد‭ ‬فتح،‭ ‬والنجاة‭ ‬بعد‭ ‬التهديد‭ ‬نصر،‭ ‬والعجز‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬المقاصد‭ ‬مجدٌ‭ ‬وفخر‭.‬

لكنّ‭ ‬للحقائق‭ ‬وجهًا‭ ‬لا‭ ‬تغيّره‭ ‬المساحيق،‭ ‬وللهزائم‭ ‬صوتًا،‭ ‬وللوقائع‭ ‬لسانًا‭ ‬لا‭ ‬تُسكته‭ ‬الخطب،‭ ‬وللتاريخ‭ ‬عينًا‭ ‬لا‭ ‬تنام،‭ ‬وذاكرةً‭ ‬لا‭ ‬تُشترى،‭ ‬ومحكمةً‭ ‬لا‭ ‬تخدعها‭ ‬البيانات،‭ ‬ولا‭ ‬ترشوها‭ ‬الشعارات‭. ‬وقد‭ ‬يخدع‭ ‬الكاذب‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬بعض‭ ‬الوقت،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يخدع‭ ‬الأيام،‭ ‬ولا‭ ‬يمحو‭ ‬الآثار،‭ ‬ولا‭ ‬يحوّل‭ ‬الأنقاض‭ ‬إلى‭ ‬انتصار‭.‬

فما‭ ‬كلُّ‭ ‬صائحٍ‭ ‬منتصرًا،‭ ‬ولا‭ ‬كلُّ‭ ‬صامتٍ‭ ‬منكسرًا،‭ ‬ولا‭ ‬تُقاس‭ ‬الحروب‭ ‬بارتفاع‭ ‬الصوت،‭ ‬ولا‭ ‬بكثرة‭ ‬الخطب‭ ‬والبيانات؛‭ ‬وقد‭ ‬خاب‭ ‬من‭ ‬صدّق‭ ‬كذبهم،‭ ‬واتبع‭ ‬خبثهم،‭ ‬ولبس‭ ‬ثوب‭ ‬زورهم؛‭ ‬وخسر‭ ‬من‭ ‬سلّم‭ ‬لهم‭ ‬عقله،‭ ‬وأعارهم‭ ‬سمعه،‭ ‬وأمر‭ ‬عينه‭ ‬أن‭ ‬تكذّب‭ ‬ما‭ ‬ترى‭ ‬لتصدّق‭ ‬ما‭ ‬يُروى‭. ‬فلا‭ ‬ضجيج‭ ‬الإعلام‭ ‬يبدّل‭ ‬الأحكام،‭ ‬ولا‭ ‬كثرة‭ ‬البيانات‭ ‬تغيّر‭ ‬النهايات،‭ ‬ولا‭ ‬تكرار‭ ‬‮«‬انتصرنا‮»‬‭ ‬يمحو‭ ‬من‭ ‬سجل‭ ‬التاريخ‭ ‬أنهم‭ ‬انهزموا‭.‬

ستبقى‭ ‬الهزيمة‭ ‬هزيمةً‭ ‬وإن‭ ‬زيّنوها،‭ ‬والانكسار‭ ‬انكسارًا‭ ‬وإن‭ ‬أنكروه،‭ ‬والكذبة‭ ‬كذبةً‭ ‬وإن‭ ‬كرّروها‭. ‬وسيبقى‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬كلما‭ ‬سقط‭ ‬له‭ ‬مشروع،‭ ‬واندحرت‭ ‬له‭ ‬مليشيا،‭ ‬وتحطّمت‭ ‬له‭ ‬قدرة،‭ ‬يفتّش‭ ‬في‭ ‬خزائن‭ ‬التدليس‭ ‬عن‭ ‬لفظٍ‭ ‬جديد،‭ ‬ووصفٍ‭ ‬جديد،‭ ‬وثوبٍ‭ ‬جديد؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الهزيمة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يسترها‭ ‬ثوب،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أبقى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمحوها‭ ‬كذب،‭ ‬والتاريخ‭ ‬أعدل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬النصر‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬يصنع‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬اسمه،‭ ‬ولم‭ ‬يملك‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬رسمه‭.‬

أفلا‭ ‬كان‭ ‬أولى‭ ‬بهذا‭ ‬النظام،‭ ‬وقد‭ ‬ملأ‭ ‬الجوار‭ ‬شرًّا‭ ‬ولم‭ ‬يملأ‭ ‬بيوت‭ ‬شعبه‭ ‬خبزًا،‭ ‬أن‭ ‬يكفَّ‭ ‬عن‭ ‬تصدير‭ ‬الإرهاب‭ ‬واستعداء‭ ‬الجوار،‭ ‬وأن‭ ‬يُشبع‭ ‬الجائع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسلّح‭ ‬التابع،‭ ‬ويعمّر‭ ‬الدار‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفاخر‭ ‬بالدمار؟‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا