يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
لبعض الرفاق صهيل الجياد
في وداع حارس ثقافة البحرين العربية علي عبدالله خليفة
ليس هناك أقسى على المرء من أن يفقد صديقا عزيزا يحبه ويقدره. وليس هناك خسارة للوطن أكثر فداحة من أن يفقد مبدعا ومثقفا كبيرا يعبر عن وجدانه الوطني، وحارسا أمينا على ثقافته الوطنية.
كان الرحيل الصادم المفاجئ لعلي عبدالله خليفة مؤلما أشد ما يكون الألم لي شخصيا إذ فقدت واحدا من أحب وأعز الأصدقاء.
خسارة البحرين وثقافتها الوطنية برحيل علي عبدالله خليفة خسارة لا تعوض بعد كل ما أبدعه وما قدمه عبر عقود.
حارس الثقافة
عرفت علي عبدالله خليفة على المستوى الشخصي منذ أكثر من أربعين عاما. عبر هذه العقود توثقت علاقتي به كصديق عزيز. لم يكن يمضي أسبوع أو أقل إلا ونتحدث ويكتب لي أو أكتب له.
كان تقديري الكبير لعلي عبدالله خليفة ليس فقط بسبب خصاله الشخصية النبيلة التي يعرفها حتما كل من عرفه عن قرب، لكن أيضا لأنه كان بالنسبة لي نموذجا للمثقف الفاعل المؤثر.
لم يكن علي عبدالله خليفة من نوع المثقفين الذين يتفلسفون ويثرثرون كثيرا من دون أن يفعلوا شيئا، وما أكثرهم. ولم يكن من نوع المثقفين الذين يهتمون فقط بالمجاملات والكلام الإنشائي الذي لا يقدم ولا يؤخر.
علي عبدالله خليفة قضى حياته كلها يعمل ويعمل من أجل الثقافة الوطنية عموما والشعبية خصوصا. أنشأ مؤسسات وأصدر مجلات وعقد مؤتمرات.. إلخ وجعل للثقافة الشعبية البحرينية حضورا عالميا.
سبق لي أن وصفت الشاعر الكبير علي عبدالله خليفة بأنه «من أكبر حراس الثقافة الشعبية في الوطن العربي». وكتبت عنه وعن دوره في هذا المجال ما يلي: «ما قدمه للثقافة الشعبية العربية عبر عقود يحتاج إلى صفحات طوال للحديث عنه. يكفي أن نشير هنا إلى أن الثقافة الشعبية تعتبر الشغل الشاغل لعلي عبدالله خليفة منذ أن كان طالبا في الثانوية في ستينيات القرن الماضي .. منذ ذلك الوقت المبكر، لم تتوقف جهود علي عبدالله خليفة الهائلة في خدمة الثقافة الشعبية العربية. وكان أبرز محطات إسهامه تأسيسه مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية عام 1982 وتولي إدارته، وإصدار مجلة «المأثورات الشعبية» الشهيرة. وآخر محطات إسهاماته تأسيسه وإدارته إدارة البحوث الثقافية بالديوان الملكي عام 2001، وتأسيس «أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر»، وإصدار المجلة البديعة، مجلة «الثقافة الشعبية». وتوج جهد علي عبدالله خليفة بانتخابه رئيسا للمنظمة الدولية للفن الشعبي عن جدارة واستحقاق».
هذه بعض جوانب إرث علي عبدالله خليفة.
حين حصل على جائزة التميز الإبداعي في الإنجاز الثقافي العالمي لعام 2024، من مركز دراسات التراث الشعبي بجامعة «مسينا»، إحدى كبريات الجامعات الأوروبية في الجنوب الإيطالي، ذكرت اللجنة التي منحته الجائزة حيثيات منحها له بالقول إنها جاءت لتميز أعمال الشاعر علي عبدالله خليفة البحثية وجهوده الموفقة لأكثر من خمسين عامًا في مجال حفظ التراث الشعبي لبلاده، ووصله بمنجز التراث الثقافي غير المادي بالعالم والثقافة الشعبية والتراث الشعبي على الأصعدة البحرينية والعربية والعالمية. كما حرصت على التنويه بجهوده الكبيرة على الصعيد العالمي في مجال الثقافة الشعبية والتراث الشعبي.
◾ ◾ ◾
الوصية الوطنية
قبل فترة ألقى علي عبدالله خليفة محاضرة مهمة في الجامعة الأهلية بعنوان «التراث الشعبي الخليجي: ظروف التجربة والمآل».
حرصت في ذلك الوقت على الكتابة عن المحاضرة التي تضمنت ما يمكن اعتباره وصية وطنية لعلي عبدالله خلفية وقلت:
في المحاضرة تحدث عن دوره في مجال الحفاظ على التراث الشعبي الخليجي، ولفت الأنظار إلى مسألة خطيرة. قال إن ارث التراث الشعبي الخليجي فقد الجانب الأكبر منه بسبب غياب الوعي بأهميته، وغياب الوعي بدوره التاريخي والحضاري والقيمي. ودعا إلى الاهتمام بحفظ التراث الشعبي وتوثيقه وتكريس الوعي العام به.
هذه الدعوة التي أطلقها يجب أن نتوقف عندها مطولا نظرا إلى أهميتها الوطنية البالغة.
الاهتمام بالتراث الشعبي في البحرين والخليج وكل الدول ليس ترفا، بل هو ضرورة وطنية.
التراث الشعبي بكل صوره، المادية وغير المادية، هو الذي يعبر عن جوهر الهوية الوطنية للشعوب والدول والأمم.
التراث الشعبي هو الذي يجسد السمات الوطنية الخاصة لكل شعب ودولة وأمة، وجوهر القيم والمبادئ والمعتقدات والأعراف وأسلوب الحياة، والتي تمثل في النهاية التعبير الأمثل لخصوصية الشعب والدولة والأمة، وهويتها المتميزة.
التراث الشعبي هو أكبر عوامل الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي وأكبر عوامل تعزيز الولاء الوطني الجامع.
التراث الشعبي هو أكبر أعمدة صناعة المستقبل الوطني.
ولهذا، يعتبر الحفاظ على التراث الشعبي والاهتمام بجمعه وتوثيقه ونشره، والاهتمام بالثقافة الشعبية عموما بكل صورها وتجلياتها هو في الوقت نفسه حفظ للهوية الوطنية وتعزيز لها لدى كل الأجيال، وترسيخ لقيم الولاء الوطني والاعتزاز بالوطن.
كل هذا يبرز الأهمية الوطنية البالغة للدعوة التي أطلقها علي عبدالله خليفة بالعمل على إنقاذ التراث الشعبي من الضياع وحفظه وتوثيقه وتكريس الوعي العام به.
هذه الدعوة جاءت في وقتها بالضبط بالنسبة لنا في البحرين.
نعلم أن جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة أعطى توجيهات بالعمل على تأصيل الهوية الوطنية البحرينية وطالب جلالته بإعداد دراسات بهذا الخصوص. وأي مبادرة أو دراسة عن الهوية الوطنية البحرينية لا بد أن تقوم في جانب أساسي منها على إحياء وحفظ التراث الشعبي البحريني وتوثيقه وإشاعة الوعي العام به .
لا بد أن أتوقف هنا خصوصا عند إنجاز وطني كبير لعلي عبدالله خليفة في الحفاظ على التراث الشعبي البحريني، وهو إصدار موسوعة «الحكايات الشعبية البحرينية.. ألف حكاية وحكاية»، وهي الموسوعة التي كانت محصلة مشروع ضخم للجمع والتدوين الجماعي للحكايات الشعبية البحرينية. الموسوعة أشرفت على إصدارها الدكتورة ضياء عبدالله الكعبي، وشارك فيها 100 طالب وطالبة من قسم اللغة العربية بجامعة البحرين جمعوا مرويات 1200 راوٍ وراوية تتراوح أعمارهم بين 50 و82 سنة من مواطني مملكة البحرين من مختلف الأجناس.
هذه الموسوعة مثال رائد لما يجب ويمكن عمله في مجال حفظ وتوثيق التراث الشعبي البحريني بأسلوب علمي وجهد جماعي.
عموما، دعوة علي عبدالله خليفة تنبيه إلى أنه في الجدل الحالي حول الهوية الوطنية البحرينية، فإن أي مبادرة في هذا الخصوص لا بد أن يمثل الاهتمام بالتراث الشعبي ركنا أساسيا من أركانها.
◾ ◾ ◾
ثقافة البحرين تستحق
ثقافة البحرين الوطنية ثقافة عريقة ترسخت معالمها عبر مئات السنين. هي ثقافة ثرية تتسم بالتعددية والتنوع واحتضان كل الثقافات والحضارات في العالم.
لهذا تجسد ثقافة البحرين أرقى القيم الإنسانية.. قيم احترام الآخر واحترام الإنسان والتعايش والتسامح والتعدد.
جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة دائم التنبيه إلى ضرورة الاهتمام إلى اقصى حد بالثقافة الشعبية البحرينية باعتبارها تعبيرا عن جوهر الهوية الوطنية البحرينية وإبراز القيم النبيلة التي تجسدها وتحتضنها.
وجلالة الملك ترجم هذا الاهتمام بالثقافة البحرينية وقيمها في شكل مبادرات عالمية رائدة مشهودة أطلقها جلالته للتعايش السلمي وحوار الحضارات والأديان والمبادرات الإنسانية.
من المفروض أن ندرك أن ثقافة البحرين الشعبية تمثل قوة ناعمة هائلة للبحرين.
يعني هذا أن النهوض الثقافي في البحرين وتشجيع المثقفين البحرينيين وإبداعاتهم هدف يجب أن تكون له أولوية كبرى في العمل الوطني وفي الاهتمام الرسمي.
ويعني أنه يجب أن تكون هناك خطة للنهوض الثقافي ولتعزيز الحضور الثقافي البحريني في العالم دعما لقوة البحرين الناعمة.
وحضور المثقفين في المشهد العام الوطني يجب أن يكون أكبر من هذا.
◾ ◾ ◾
لبعض الرفاق
قبل أشهر حين أراد علي عبدالله خليفة أن ينشر قصائده اختار «أخبار الخليج»، واتصل بي وقلت له إنه يشرفنا أن ننشر قصائد شاعر كبير مثلك.
خصصنا له زاوية أسبوعية لنشر قصائده، وكان له صدى كبير لدى القراء إذ كانت -كما هي عادته- قصائد بديعة.
كان سعيدا جدا بردود الفعل التي يتلقاها من القراء على قصائده، وكان يكتب لي أن ردود الفعل هذه أكدت له أن الشعر مازال له قراء ومحبون.
في إحدى المرات حين كتبت عمودا عنه وعن دوره، أرسل لي على سبيل الشكر قصيدة له بعنوان «لبعض الرفاق». لم أكن قرأتها من قبل، وقد هزتني القصيدة وتأثرت به جدا. قلت له في مكالمة هاتفية: أستاذ علي، حين أموت أريدك أن تنشر قصيدة «لبعض الرفاق» في رثائي. قال أطال الله في عمرك.. من يدري ربما تنشرها أنت في رثائي.
وشاءت إرادة الله، التي لا راد لها، أن يرحل علي عبدالله خليفة إلى جوار ربه، وأن أنشر القصيدة في وداعه وفي رثائه.
اقرا عزيزي القارئ القصيدة وستدرك أن ما قاله فيها يسجل موقعه هو بالذات في الذاكرة الوطنية البحرينية.
لـبـعـض الـرفـاق

لبعض الرفاق صهيلُ الجياد
وخفقُ جناح النسور إلى القمم العالية
لبعض الرفاق أغاريدُ حبٍ تفيض حنوا
ويسمو بها في الزّمان الحنين
لبعضِ الرفاقِ
انتعاشُ نسيـمٍ
يهبُّ على شَجرٍ عامرٍ في الفؤاد
لهُم مكمنٌ دافئٌ
في الحنايا ..
لهُم وهَـجُ الـنّـجْمِ
في زُرقة الذّاكرة.
لبعض الرفاقِ يَـدٌ ساحِرة
إذا ما التقينا تُحِسُّ بكلّ العروقِ
بها نابضَة
ويلقاكَ بالوُدِّ وجهٌ تُـشعُّ به الروحُ
مُستَبشرة.
لبعض الرّفاقِ، وإنْ غادروكَ
ظلالٌ تَـفيءُ عليكَ، وتبقى لهمْ
تلكُمُ الألْـفَـةُ النادرة.
لبعض الرّفاق ومن بعضهم وردةٌ
لا يطال شذاها الذبول
ومن بعضهم شجرٌ ضاربٌ
مَدَّ ما بينهم في الجذورِ
وراحَ يُعمِّقُ حتىّ الأقاصي
ليُـعطيكَ من وهَـج الرّوحِ
شيئا يَعزُّ
وما كنتَ يوماً إليه تـقـول
علي عبدالله خليفة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك