العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لماذا نخاف من الجديد؟

حقق‭ ‬أبناء‭ ‬وبنات‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬سبقا‭ ‬وميِّزة‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬استخدام‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭/ ‬‮«‬الانترنت‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬معظم‭ ‬المتعلمين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬يستخدمون‭ ‬الوسائل‭ ‬الالكترونية‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬العامة‭ ‬وأعمالهم‭ ‬المعيشية،‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬الوزارات‭ ‬الخليجية‭ ‬صارت‭ ‬تسير‭ ‬أعمالها‭ ‬بالإنترنت،‭ ‬وصار‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الشرطة‭ ‬والمستشفيات‭ ‬وشركات‭ ‬الطيران‭ ‬وغيرها‭ ‬يتم‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬ذات‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭.‬

وأتذكر‭ ‬لطم‭ ‬الخدود‭ ‬الذي‭ ‬مارسه‭ ‬الكثيرون‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬وشاشات‭ ‬التلفزة‭ ‬عندما‭ ‬دخلت‭ ‬خدمات‭ ‬الانترنت‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬باعتبار‭ ‬انها‭ ‬فيروس‭ ‬خبيث‭ ‬يتسلل‭ ‬الى‭ ‬البيوت‭ ‬والعقول‭ ‬ليخربها‭ ‬ويدمرها‭. ‬عقولنا‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬النمو‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬قرون،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جاهزة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬الطفرات‭ ‬الهائلة‭ ‬والمتتالية‭ ‬في‭ ‬دنيا‭ ‬الاتصالات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وخاصة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاثين‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فقد‭ ‬تبرمجت‭ ‬عقولنا‭ ‬على‭ ‬سوء‭ ‬الظن‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬وحديث‭. ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬خليجية‭ ‬قرأت‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬بريد‭ ‬القراء‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬سيدة‭ ‬تقول‭ ‬فيها‭: ‬ان‭ ‬‮«‬بنات‭ ‬القبائل‭ ‬والعوائل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يستخدمن‭ ‬الهاتف‭ ‬الجوال‭. ‬

ويغلب‭ ‬الظن‭ ‬عندي‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬اضطرت‭ ‬لاحقا‭ ‬الى‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬بنات‭ ‬القبائل‭ ‬والعوائل،‭ ‬وصارت‭ ‬تمتلك‭ ‬موبايلات‭ ‬بألوان‭ ‬جميع‭ ‬فساتينها‭. ‬ثم‭ ‬تخلت‭ ‬عنها‭ ‬واقتنت‭ ‬بلاكبيري،‭ ‬ثم‭ ‬آيفون‭ ‬آخر‭ ‬موديل‭.‬

مع‭ ‬بداية‭ ‬طرح‭ ‬خدمات‭ ‬الهاتف‭ ‬الجوال‭ ‬كنت‭ ‬رئيسا‭ ‬لقسم‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬والترجمة‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬اتصالات‭ ‬قطر،‭ ‬والتقيت‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬مدخل‭ ‬مبنى‭ ‬الشركة‭ ‬برجل‭ ‬كبير‭ ‬السن‭ ‬غاضب‭ ‬يطالب‭ ‬بلقاء‭ ‬المدير‭ ‬لأمر‭ ‬مهم،‭ ‬وجماعة‭ ‬الأمن‭ ‬يشرحون‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬المسألة‭ ‬‮«‬مو‭ ‬سايبة‭ ‬ومو‭ ‬بكيف‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬يقابل‭ ‬المدير‮»‬،‭ ‬وبحكم‭ ‬منصبي‭ ‬كمسؤول‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الجمهور،‭ ‬فقد‭ ‬طيبت‭ ‬خاطر‭ ‬الرجل‭ ‬ودعوته‭ ‬الى‭ ‬مكتبي،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬وعدته‭ ‬بترتيب‭ ‬لقاء‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬المدير‭ ‬إذا‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬المسألة‭ ‬التي‭ ‬أغضبته،‭ ‬وما‭ ‬ان‭ ‬جلس‭ ‬حتى‭ ‬بادرني‭ ‬بالحديث‭: ‬شوف‭ ‬يا‭ ‬ولدي‭ (‬يا‭ ‬ولدي‭ ‬هذه‭ ‬رفعت‭ ‬معنوياتي‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬عبارة‭ ‬تضايقني‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬يا‭ ‬عمي‮»‬‭. ‬أما‭ ‬لو‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬خليجي‭ ‬‮«‬يا‭ ‬خال‮»‬‭ ‬فلن‭ ‬يسلم‭ ‬الشرف‭ ‬الرفيع‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬حتى‭ ‬يراق‭ ‬على‭ ‬جوانبه‭ ‬السباب‭!). ‬

شوف‭ ‬يا‭ ‬ولدي‭ ‬شركتكم‭ ‬هاي‭ ‬لازم‭ ‬تمنع‭ ‬اشتراك‭ ‬الحريم‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الهاتف‭ ‬الجوال‭ ‬إلا‭ ‬بموافقة‭ ‬ولي‭ ‬الأمر‭. ‬ما‭ ‬يصير‭ ‬حريمنا‭ ‬تتحكى‭ ‬وتضحك‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭. ‬

حاولت‭ ‬اقناعه‭ ‬بأن‭ ‬الموبايل‭ ‬لا‭ ‬يستخدم‭ ‬لتخصيب‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬وبأنه‭ ‬خال‭ ‬من‭ ‬الفيروسات‭ ‬التي‭ ‬تفسد‭ ‬الاخلاق،‭ ‬وبأن‭ ‬الكلام‭ ‬لو‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬او‭ ‬امرأة‭ ‬بصوت‭ ‬عال‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬بجوال‭ ‬او‭ ‬بدونه،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الأدب‭. ‬ضاق‭ ‬الرجل‭ ‬بكلامي‭ ‬وشتمني‭ ‬بعبارات‭ ‬أخفها‭ ‬وطأة‭ ‬‮«‬مالت‭ ‬عليك‭ ‬أنت‭ ‬وشركتك‭. ‬

لا‭ ‬تعرفون‭ ‬معنى‭ ‬الشرف‭ ‬والفضيلة‮»‬‭. ‬قبلها‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬مأتم‭ ‬وعويل‭ ‬عند‭ ‬طرح‭ ‬خدمات‭ ‬النداء‭ (‬البيجر‭/‬البليب‭)‬،‭ ‬وسوِّدت‭ ‬صفحات‭ ‬طوال‭ ‬عراض‭ ‬عن‭ ‬تأثيرها‭ ‬المدمر‭ ‬على‭ ‬الأخلاق‭ ‬وكتبت‭ ‬مقالا‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬قطرية‭ ‬قلت‭ ‬فيه‭ ‬ان‭ ‬ذلك‭ ‬الجهاز‭ ‬لا‭ ‬يسبب‭ ‬الأذى‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تستخدمه‭ ‬لضرب‭ ‬شخص‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬رأسه،‭ ‬وأن‭ ‬السيارات‭ ‬تفسد‭ ‬الأخلاق‭ ‬إذا‭ ‬استخدمها‭ ‬سيئو‭ ‬الخلق‭ ‬لمعاكسة‭ ‬الفتيات‭ ‬او‭ ‬تهريب‭ ‬الخمور‭ ‬والمخدرات‭ ‬وان‭ ‬البيوت‭ ‬تفسد‭ ‬الاخلاق‭ ‬إذا‭ ‬استخدمت‭ ‬جدرانها‭ ‬وغرفها‭ ‬لممارسة‭ ‬الرذيلة‭ ‬او‭ ‬تعاطي‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬تذهب‭ ‬بالعقل‭.‬

عندما‭ ‬علمت‭ ‬أم‭ ‬الجعافر‭ ‬أنني‭ ‬أتواصل‭ ‬مع‭ ‬آخرين‭ ‬عبر‭ ‬فيسبوك‭ ‬على‭ ‬الانترنت‭ ‬استنكرت‭ ‬الأمر‭ ‬وقالت‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬شغل‭ ‬عيال‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بي،‭ ‬وبعد‭ ‬جهد‭ ‬أقنعتها‭ ‬بأن‭ ‬تجلس‭ ‬جواري‭ ‬لنقلب‭ ‬صفحات‭ ‬فيسبوك‭ ‬الخاصة‭ ‬بي‭ ‬لتتأكد‭ ‬أنها‭ ‬تتعلق‭ ‬بعلاقتي‭ ‬بالقراء،‭ ‬ولكنها‭ ‬لاحظت‭ ‬وجود‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البنات‭ ‬اللواتي‭ ‬يشي‭ ‬مكياجهن‭ ‬بأنهن‭ ‬‮«‬قليلات‭ ‬حياء‮»‬‭ ‬فاستنجدت‭ ‬بعيالي‭ ‬ليؤكدوا‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬معظم‭ ‬البنات‭ ‬العربيات‭ ‬لا‭ ‬يضعن‭ ‬صورهن‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬فيسبوك‭ ‬ويستعرن‭ ‬صور‭ ‬ممثلات‭ ‬او‭ ‬مطربات‭ (‬وكل‭ ‬واحدة‭ ‬وحظها‭. ‬

فقد‭ ‬تختار‭ ‬احداهن‭ ‬هيفاء‭ ‬وهبي‭ ‬فتلبس‭ ‬فيها‭ ‬تهمة‭ ‬قلة‭ ‬الحياء‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬يختار‭ ‬بعض‭ ‬شباب‭ ‬فيسبوك‭ ‬صور‭ ‬شعبولا‭ ‬فتلبس‭ ‬فيهم‭ ‬تهمة‭ ‬فساد‭ ‬الذوق‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الملابس‭).‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا