زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
لماذا نخاف من الجديد؟
حقق أبناء وبنات دول مجلس التعاون الخليجي، سبقا وميِّزة على بقية الشعوب العربية، في مجال استخدام تكنولوجيا المعلومات/ «الانترنت»، فقد صار معظم المتعلمين في دول المنطقة يستخدمون الوسائل الالكترونية في حياتهم العامة وأعمالهم المعيشية، كما ان الوزارات الخليجية صارت تسير أعمالها بالإنترنت، وصار التعامل مع الشرطة والمستشفيات وشركات الطيران وغيرها يتم عبر منصات ذات كفاءة عالية.
وأتذكر لطم الخدود الذي مارسه الكثيرون على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة عندما دخلت خدمات الانترنت منطقة الخليج، باعتبار انها فيروس خبيث يتسلل الى البيوت والعقول ليخربها ويدمرها. عقولنا التي توقفت عن النمو منذ أكثر من عشرة قرون، لم تكن جاهزة لاستيعاب الطفرات الهائلة والمتتالية في دنيا الاتصالات والتكنولوجيا وخاصة خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، فقد تبرمجت عقولنا على سوء الظن بكل ما هو جديد وحديث. في صحيفة خليجية قرأت في تسعينيات القرن الماضي في بريد القراء رسالة من سيدة تقول فيها: ان «بنات القبائل والعوائل» لا يستخدمن الهاتف الجوال.
ويغلب الظن عندي ان تلك السيدة اضطرت لاحقا الى الانفصال عن بنات القبائل والعوائل، وصارت تمتلك موبايلات بألوان جميع فساتينها. ثم تخلت عنها واقتنت بلاكبيري، ثم آيفون آخر موديل.
مع بداية طرح خدمات الهاتف الجوال كنت رئيسا لقسم العلاقات العامة والترجمة في شركة اتصالات قطر، والتقيت ذات يوم في مدخل مبنى الشركة برجل كبير السن غاضب يطالب بلقاء المدير لأمر مهم، وجماعة الأمن يشرحون له ان المسألة «مو سايبة ومو بكيف كل واحد يقابل المدير»، وبحكم منصبي كمسؤول عن العلاقة مع الجمهور، فقد طيبت خاطر الرجل ودعوته الى مكتبي، بعد ان وعدته بترتيب لقاء له مع المدير إذا عجزت عن حل المسألة التي أغضبته، وما ان جلس حتى بادرني بالحديث: شوف يا ولدي (يا ولدي هذه رفعت معنوياتي فما من عبارة تضايقني مثل «يا عمي». أما لو قال لي خليجي «يا خال» فلن يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه السباب!).
شوف يا ولدي شركتكم هاي لازم تمنع اشتراك الحريم في خدمات الهاتف الجوال إلا بموافقة ولي الأمر. ما يصير حريمنا تتحكى وتضحك في الشوارع.
حاولت اقناعه بأن الموبايل لا يستخدم لتخصيب اليورانيوم، وبأنه خال من الفيروسات التي تفسد الاخلاق، وبأن الكلام لو صدر عن رجل او امرأة بصوت عال في الشوارع بجوال او بدونه، ليس من حسن الأدب. ضاق الرجل بكلامي وشتمني بعبارات أخفها وطأة «مالت عليك أنت وشركتك.
لا تعرفون معنى الشرف والفضيلة». قبلها كان هناك مأتم وعويل عند طرح خدمات النداء (البيجر/البليب)، وسوِّدت صفحات طوال عراض عن تأثيرها المدمر على الأخلاق وكتبت مقالا في صحيفة قطرية قلت فيه ان ذلك الجهاز لا يسبب الأذى ما لم تستخدمه لضرب شخص بقوة على رأسه، وأن السيارات تفسد الأخلاق إذا استخدمها سيئو الخلق لمعاكسة الفتيات او تهريب الخمور والمخدرات وان البيوت تفسد الاخلاق إذا استخدمت جدرانها وغرفها لممارسة الرذيلة او تعاطي المواد التي تذهب بالعقل.
عندما علمت أم الجعافر أنني أتواصل مع آخرين عبر فيسبوك على الانترنت استنكرت الأمر وقالت إن ذلك شغل عيال لا يليق بي، وبعد جهد أقنعتها بأن تجلس جواري لنقلب صفحات فيسبوك الخاصة بي لتتأكد أنها تتعلق بعلاقتي بالقراء، ولكنها لاحظت وجود عدد من البنات اللواتي يشي مكياجهن بأنهن «قليلات حياء» فاستنجدت بعيالي ليؤكدوا لها ان معظم البنات العربيات لا يضعن صورهن الحقيقية في فيسبوك ويستعرن صور ممثلات او مطربات (وكل واحدة وحظها.
فقد تختار احداهن هيفاء وهبي فتلبس فيها تهمة قلة الحياء تماما كما يختار بعض شباب فيسبوك صور شعبولا فتلبس فيهم تهمة فساد الذوق في اختيار الملابس).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك