العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أحياء شكليا في المكاتب

ينجح‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬فيما‭ ‬يفشل‭ ‬فيه‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬لأن‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬يجتذب‭ ‬العمالة‭ ‬الماهرة،‭ ‬ولكن‭ ‬أساسا‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الترهل‭ ‬الوظيفي‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الإدارات‭ ‬الحكومية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ينشِّف‭ ‬ريق‮»‬‭ ‬العاملين‭ ‬فيه‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بالتسيب‭ ‬والسبهللية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وإضاعة‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مُجْدٍ‭.‬

شخصيا،‭ ‬ومثل‭ ‬كثيرين‭ ‬غيري‭ ‬شغلت‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬وظائف‭ ‬عديمة‭ ‬الجدوى‭ ‬لي‭ ‬وللجهات‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬لديها،‭ ‬أي‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأحياء‭ ‬الأموات‮»‬،‭ ‬وهم‭ ‬الموظفون‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحس‭ ‬أحد‭ ‬بوجودهم‭ ‬ولا‭ ‬يكلفهم‭ ‬أحد‭ ‬بمهمة‭ ‬ما،‭ ‬تأتي‭ ‬وتنصرف‭ ‬في‭ ‬المواعيد‭ ‬المحددة‭ ‬إلى‭ ‬ومن‭ ‬مكان‭ ‬العمل،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكلفوك‭ ‬بأي‭ ‬عمل‭ ‬وتتقاضى‭ ‬راتبك‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬شهر‭! ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬تقاضي‭ ‬راتب‭ ‬نظير‭ ‬عدم‭ ‬فعل‭ ‬شيء‭ ‬ممتعا،‭ ‬ولكنك‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحس‭ ‬بالتهميش‭ ‬والضآلة‭. (‬الاستثناء‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬أمثال‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬الكتابة‭ ‬عنه‭. ‬فقد‭ ‬توفي‭ ‬والده‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عمل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الإذاعة،‭ ‬ومن‭ ‬باب‭ ‬المجاملة‭ ‬عرضت‭ ‬الإذاعة‭ ‬على‭ ‬الشاب‭ ‬العمل‭ ‬لديها،‭ ‬فوافق‭ ‬مسرورا‭ ‬ولكنه‭ ‬طلب‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬المناوبة‭/ ‬الوردية‭ ‬الليلية‭.. ‬قال‭ ‬له‭ ‬المدير‭: ‬‮«‬ليه‭ ‬يا‭ ‬ابني‭ ‬ده‭ ‬أنت‭ ‬لسه‭ ‬شاب‭.. ‬اشتغل‭ ‬بالنهار‭ ‬عشان‭ ‬تقدر‭ ‬تقضي‭ ‬وقتك‭ ‬مع‭ ‬أهلك‭ ‬واصحابك‭ ‬بالليل‭!!‬‮»‬‭ ‬ولكن‭ ‬الشاب‭ ‬قال‭ ‬للمدير‭ ‬–‭ ‬بكل‭ ‬بجاحة‭ ‬–‭ ‬إنه‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬المناوبة‭ ‬المسائية‭ ‬هو‭ ‬تشغيل‭ ‬شريط‭ ‬موسيقي‭ ‬من‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬ليلا‭ ‬حتى‭ ‬السابعة‭ ‬صباحا‭. ‬وعلى‭ ‬كده‭ ‬أشغل‭ ‬الشريط‭ ‬وآخد‭ ‬راحتي‭ ‬في‭ ‬النوم‭). ‬المشكلة‭ ‬هي‭ ‬أنك‭ ‬تستطيع‭ ‬إثبات‭ ‬وجودك‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬اجتهادك‭ ‬وإخلاصك‭ ‬باديا‭ ‬للعيان،‭ ‬ولكنك‭ ‬قد‭ ‬تضيع‭ ‬في‭ ‬‮«‬الطوشة‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تعمل‭ -‬مثلا‭- ‬في‭ ‬جهة‭ ‬بها‭ ‬آلاف‭ ‬الموظفين،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬مواظبا‭ ‬ومجِّدا‭ ‬ومخلصا،‭ ‬ولكن‭ ‬رؤساءك‭ ‬لا‭ ‬يلاحظون‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬يلاحظون‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬هم‭ ‬لهم‭ ‬سوى‭ ‬تسويق‭ ‬أنفسهم،‭ ‬فيحدثون‭ ‬جلبة‭ ‬وضجيجا‭ ‬للفت‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬أنفسهم‭. ‬يتقربون‭ ‬لرؤسائهم‭ ‬باقتراحات‭ ‬سمعوها‭ ‬من‭ ‬زملائهم‭ ‬‮«‬المجتهدين‭ ‬في‭ ‬صمت‮»‬‭.  ‬يثرثرون‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬الاجتماعات‭ ‬مما‭ ‬يعطي‭ ‬الانطباع‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬فاهمون‭/ ‬فهمانون‮»‬‭.‬

في‭ ‬وضع‭ ‬كهذا‭ ‬يصبح‭ ‬أداء‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬إهماله‭ ‬سيان،‭ ‬ف«الإدارة‮»‬‭ ‬تكون‭ ‬معنية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أساسي‭ ‬بمسائل‭ ‬شكلية‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬بال‭ ‬مثل‭ ‬مدى‭ ‬تمسك‭ ‬الموظف‭ ‬بمواعيد‭ ‬الحضور‭ ‬والانصراف،‭ ‬وتجد‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أنظمة‭ ‬إلكترونية‭ ‬لرصد‭ ‬مواعيد‭ ‬حضور‭ ‬الموظفين‭ ‬وانصرافهم‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬لرصد‭ ‬إنتاجيتهم‭ ‬وكفاءاتهم‭. ‬وهكذا‭ ‬يجد‭ ‬موظف‭ ‬مؤهل‭ ‬نفسه‭ ‬محنطا‭ ‬في‭ ‬مكتب،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يوكل‭ ‬إليه‭ ‬مهمة‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يحاسبه‭ ‬على‭ ‬الجلوس‭ ‬ساهما‭ ‬وواجما،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يبدأ‭ ‬هذا‭ ‬الموظف‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬وسائل‭ ‬لنفي‭ ‬الملل،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬لديه‭ ‬خدمة‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬الذي‭ ‬أمامه،‭ ‬فإنه‭ ‬يجعل‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وفيسبوك‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬أداة‭ ‬‮«‬أنس‭ ‬وترفيه‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬يدخل‭ ‬تويتر‭/ ‬إكس‭ ‬ويوتيوب‭ ‬ويندمج‭ ‬في‭ ‬اللهو‭ ‬وقتل‭ ‬الوقت،‭ ‬وأحيانا‭ ‬قد‭ ‬يفاجأ‭ ‬بأن‭ ‬زملاءه‭ ‬غادروا‭ ‬المكتب‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬مندمجا‭ ‬في‭ ‬الإنترنت،‭ ‬ويخرج‭ ‬مهرولا‭ ‬فيراه‭ ‬رئيسه‭ ‬المباشر‭ ‬مصادفة‭ ‬ويستنتج‭ ‬أنه‭ ‬مجتهد‭ ‬ويعمل‭ ‬ساعات‭ ‬تفوق‭ ‬الساعات‭ ‬المقررة‭ ‬ويأخذ‭ ‬عنه‭ ‬انطباعا‭ ‬إيجابيا‭ ‬ويفاجأ‭ ‬ذلك‭ ‬الموظف‭ ‬عند‭ ‬التقييم‭ ‬السنوي‭ ‬أنه‭ ‬نال‭ ‬تقدير‭ ‬‮«‬ممتاز‮»‬‭.‬

الإنسان‭ ‬ملول‭ ‬بطبعه‭ ‬وغالبية‭ ‬الناس‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تمضية‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬عمل‭ ‬مفيد،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬ترحب‭ ‬بالأعباء‭ ‬الوظيفية‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬الوقت،‭ ‬ولمقدم‭ ‬البرامج‭ ‬الحوارية‭ ‬في‭ ‬التلفزيونات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المشهور‭ ‬الراحل‭ ‬جوني‭ ‬كارسون‭ ‬مقولة‭ ‬جميلة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تؤد‭ ‬عملا‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬فيه‭ ‬متعة،‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬سعيدا‭ ‬بعملك‭ ‬فإنك‭ ‬ستشعر‭ ‬بالرضا‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬وراحة‭ ‬البال،‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬جيدة‭ ‬فستكون‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬نجاحا‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬قط‭ ‬على‭ ‬بالك‮»‬‭. ‬ولكن‭ ‬الخواجة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬عندنا‭ ‬ليست‭ ‬بتلك‭ ‬السهولة‭: ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حقنا‭ ‬اختيار‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬نرغب‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬نتقنها‭. ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬معظمنا‭ ‬حتى‭ ‬حق‭ ‬اختيار‭ ‬شريك‭ ‬الحياة‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا