زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
أحياء شكليا في المكاتب
ينجح القطاع الخاص فيما يفشل فيه القطاع العام، ليس بالضرورة لأن القطاع الخاص يجتذب العمالة الماهرة، ولكن أساسا لأنه لا يعاني من الترهل الوظيفي كما هو حال الإدارات الحكومية، كما أنه «ينشِّف ريق» العاملين فيه بمعنى أنه لا يسمح بالتسيب والسبهللية في العمل وإضاعة الوقت في غير ما هو مُجْدٍ.
شخصيا، ومثل كثيرين غيري شغلت لحين من الزمان وظائف عديمة الجدوى لي وللجهات التي كنت أعمل لديها، أي أنني كنت واحدا من «الأحياء الأموات»، وهم الموظفون الذين لا يحس أحد بوجودهم ولا يكلفهم أحد بمهمة ما، تأتي وتنصرف في المواعيد المحددة إلى ومن مكان العمل، دون أن يكلفوك بأي عمل وتتقاضى راتبك في نهاية كل شهر! في بداية الأمر يبدو تقاضي راتب نظير عدم فعل شيء ممتعا، ولكنك سرعان ما تحس بالتهميش والضآلة. (الاستثناء عن هذه القاعدة أمثال ذلك الشاب المصري الذي سبق لي الكتابة عنه. فقد توفي والده بعد أن عمل سنوات طويلة في الإذاعة، ومن باب المجاملة عرضت الإذاعة على الشاب العمل لديها، فوافق مسرورا ولكنه طلب أن يعمل في المناوبة/ الوردية الليلية.. قال له المدير: «ليه يا ابني ده أنت لسه شاب.. اشتغل بالنهار عشان تقدر تقضي وقتك مع أهلك واصحابك بالليل!!» ولكن الشاب قال للمدير – بكل بجاحة – إنه يعرف أن كل ما هو مطلوب منه في المناوبة المسائية هو تشغيل شريط موسيقي من الحادية عشرة ليلا حتى السابعة صباحا. وعلى كده أشغل الشريط وآخد راحتي في النوم). المشكلة هي أنك تستطيع إثبات وجودك في بيئات العمل الصغيرة التي تتألف من عدد محدود من الموظفين، حيث يكون اجتهادك وإخلاصك باديا للعيان، ولكنك قد تضيع في «الطوشة» إذا كنت تعمل -مثلا- في جهة بها آلاف الموظفين، فقد تكون مواظبا ومجِّدا ومخلصا، ولكن رؤساءك لا يلاحظون ذلك، بل يلاحظون أولئك الذين لا هم لهم سوى تسويق أنفسهم، فيحدثون جلبة وضجيجا للفت الأنظار إلى أنفسهم. يتقربون لرؤسائهم باقتراحات سمعوها من زملائهم «المجتهدين في صمت». يثرثرون كثيرا في الاجتماعات مما يعطي الانطباع بأنهم «فاهمون/ فهمانون».
في وضع كهذا يصبح أداء العمل أو إهماله سيان، ف«الإدارة» تكون معنية على نحو أساسي بمسائل شكلية غير ذات بال مثل مدى تمسك الموظف بمواعيد الحضور والانصراف، وتجد في معظم الدول العربية أنظمة إلكترونية لرصد مواعيد حضور الموظفين وانصرافهم في غياب أي نظام لرصد إنتاجيتهم وكفاءاتهم. وهكذا يجد موظف مؤهل نفسه محنطا في مكتب، لا أحد يوكل إليه مهمة ولا أحد يحاسبه على الجلوس ساهما وواجما، ومن ثم يبدأ هذا الموظف في ابتكار وسائل لنفي الملل، وإذا كانت لديه خدمة الإنترنت في الكمبيوتر الذي أمامه، فإنه يجعل البريد الإلكتروني وفيسبوك ومنصات التواصل أداة «أنس وترفيه»، ثم يدخل تويتر/ إكس ويوتيوب ويندمج في اللهو وقتل الوقت، وأحيانا قد يفاجأ بأن زملاءه غادروا المكتب بينما كان هو مندمجا في الإنترنت، ويخرج مهرولا فيراه رئيسه المباشر مصادفة ويستنتج أنه مجتهد ويعمل ساعات تفوق الساعات المقررة ويأخذ عنه انطباعا إيجابيا ويفاجأ ذلك الموظف عند التقييم السنوي أنه نال تقدير «ممتاز».
الإنسان ملول بطبعه وغالبية الناس تميل إلى تمضية الوقت في أداء عمل مفيد، بمعنى أنها ترحب بالأعباء الوظيفية التي تملأ الوقت، ولمقدم البرامج الحوارية في التلفزيونات الأمريكية المشهور الراحل جوني كارسون مقولة جميلة: «لا تؤد عملا لا تجد فيه متعة، وإذا كنت سعيدا بعملك فإنك ستشعر بالرضا عن النفس وراحة البال، وإذا كنت فوق كل ذلك في صحة جيدة فستكون قد حققت نجاحا ربما لم يخطر قط على بالك». ولكن الخواجة لا يعرف أن الأمور عندنا ليست بتلك السهولة: ليس من حقنا اختيار الوظائف التي نرغب فيها أو نتقنها. بل لا يملك معظمنا حتى حق اختيار شريك الحياة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك