العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

مساحة رمادية:
دموع الجد والحفيد

الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬انطلاق‭ ‬مباريات‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الكرة‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتصدر‭ ‬المشهد،‭ ‬بل‭ ‬ثمة‭ ‬لحظات‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الرياضة‭ ‬إلى‭ ‬معانٍ‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬رسوخًا‭.‬

دقائق‭ ‬قليلة‭ ‬تسبق‭ ‬صافرة‭ ‬البداية،‭ ‬لكنها‭ ‬تختزل‭ ‬قصة‭ ‬وطن‭ ‬بأكمله،‭ ‬لاعبون‭ ‬تترقرق‭ ‬الدموع‭ ‬في‭ ‬أعينهم‭ ‬وهم‭ ‬يرددون‭ ‬السلام‭ ‬الوطني،‭ ‬وجماهير‭ ‬ترفع‭ ‬الأعلام‭ ‬في‭ ‬المدرجات‭ ‬بفخر،‭ ‬وأطفال‭ ‬يحفظون‭ ‬كلمات‭ ‬النشيد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحفظوا‭ ‬أسماء‭ ‬نجوم‭ ‬اللعبة‭.‬

إنها‭ ‬مشاهد‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها؛‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬لقب،‭ ‬وإنما‭ ‬مناسبة‭ ‬عالمية‭ ‬لإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬معنى‭ ‬الانتماء‭.‬

العالم،‭ ‬خلال‭ ‬كأس‭ ‬العالم،‭ ‬يتحدث‭ ‬لغة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬لكن‭ ‬القلوب‭ ‬تتحدث‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬الوطن‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المشاهد‭ ‬دلالة‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬جدًّا‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬حفيده‭ ‬في‭ ‬المدرجات،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يردد‭ ‬السلام‭ ‬الوطني‭ ‬بالحماسة‭ ‬نفسها‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تنتقل‭ ‬مجرد‭ ‬كلمات‭ ‬نشيد،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطن،‭ ‬وإحساس‭ ‬بالانتماء،‭ ‬وقيم‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬دروس‭ ‬نظرية‭.‬

هذه‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بها‭ ‬الرموز‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬أدركها‭ ‬قادة‭ ‬كثيرون؛‭ ‬ففي‭ ‬نهائي‭ ‬كأس‭ ‬فرنسا‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬غادر‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬الراحل‭ ‬جاك‭ ‬شيراك‭ ‬المنصة‭ ‬الرسمية‭ ‬احتجاجًا‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬صافرات‭ ‬الاستهجان‭ ‬أثناء‭ ‬عزف‭ ‬النشيد‭ ‬الوطني‭ ‬الفرنسي،‭ ‬لم‭ ‬يعتبر‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬تصرف‭ ‬جماهيري‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬مساسًا‭ ‬برمز‭ ‬يجمع‭ ‬الفرنسيين‭ ‬جميعًا،‭ ‬ووصف‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬غير‭ ‬معقول‭ ‬وغير‭ ‬مقبول‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬تأخر‭ ‬انطلاق‭ ‬المباراة‭ ‬واعتذر‭ ‬اللاعبون‭ ‬رسميًّا‭ ‬قبل‭ ‬استئنافها‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬موقفًا‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬احترام‭ ‬العلم‭ ‬والسلام‭ ‬الوطني‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬بروتوكوليًّا،‭ ‬وإنما‭ ‬قيمة‭ ‬وطنية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬المساومة‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا،‭ ‬وإنما‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لبناء‭ ‬المواطنة،‭ ‬فهي‭ ‬تجسد‭ ‬الانتماء‭ ‬عندما‭ ‬يلتف‭ ‬الجميع‭ ‬حول‭ ‬المنتخب‭ ‬الوطني،‭ ‬وترفع‭ ‬اسم‭ ‬الدولة‭ ‬عاليًا‭ ‬عندما‭ ‬يحقق‭ ‬الرياضيون‭ ‬الإنجازات،‭ ‬وتغرس‭ ‬قيم‭ ‬الانضباط‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي‭ ‬واحترام‭ ‬التنوع‭ ‬وقبول‭ ‬الآخر،‭ ‬وهي‭ ‬القيم‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬المجتمعات‭ ‬لبناء‭ ‬وحدتها‭ ‬واستقرارها‭.‬

ويشير‭ ‬الباحث‭ ‬الرياضي‭ ‬جون‭ ‬إي‭. ‬فوكس،‭ ‬المحاضر‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بريستول،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بطولات‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الدولية‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الانتماء‭ ‬الوطني‭ ‬الجماعي،‭ ‬إذ‭ ‬تتحول‭ ‬الملاعب‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬تلتقي‭ ‬فيه‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬كافة‭ ‬حول‭ ‬رمز‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬المنتخب‭ ‬الوطني،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ويقوي‭ ‬الهوية‭ ‬المشتركة‭.‬

كما‭ ‬تؤكد‭ ‬الباحثة‭ ‬نوربرت‭ ‬كيرستينغ‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ستيلينبوش‭ ‬أن‭ ‬البطولات‭ ‬الكبرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وسيلة‭ ‬لترسيخ‭ ‬الوطنية‭ ‬الإيجابية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬التنوع،‭ ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬دراستها‭ ‬عن‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬كيف‭ ‬نجحت‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الاعتزاز‭ ‬الوطني‭ ‬رغم‭ ‬تعدد‭ ‬أصول‭ ‬لاعبي‭ ‬المنتخب‭ ‬الألماني،‭ ‬لتصبح‭ ‬الرياضة‭ ‬جسرًا‭ ‬يجمع‭ ‬ولا‭ ‬يفرق‭.‬

ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2026،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تبدو‭ ‬فيه‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬أمام‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬لخفض‭ ‬التوترات‭ ‬وفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬للحوار،‭ ‬تبدو‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬وكأنها‭ ‬تمنح‭ ‬البشرية‭ ‬استراحة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬المدافع،‭ ‬لتعلو‭ ‬بدلا‭ ‬منها‭ ‬صيحات‭ ‬الجماهير‭ ‬وأصوات‭ ‬الأقدام‭ ‬فوق‭ ‬المستطيل‭ ‬الأخضر،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الرياضة‭ ‬إنهاء‭ ‬الصراعات،‭ ‬لكنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تذكير‭ ‬الشعوب‭ ‬بما‭ ‬يجمعها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يفرقها‭.‬

لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬مشاهد‭ ‬الدموع‭ ‬أثناء‭ ‬عزف‭ ‬السلام‭ ‬الوطني،‭ ‬والأعلام‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬المدرجات،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لقطات‭ ‬عاطفية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬دروسا‭ ‬مجانية‭ ‬في‭ ‬الوطنية،‭ ‬إنها‭ ‬رسائل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تستثمرها‭ ‬الأسرة،‭ ‬والمدرسة،‭ ‬والإعلام،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الرياضية،‭ ‬لترسيخ‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة؛‭ ‬فالوطنية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالشعارات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بالمواقف‭ ‬والمشاهد‭ ‬التي‭ ‬تلامس‭ ‬الوجدان‭.‬

ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدمه‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬لنا،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأهداف‭ ‬والكؤوس،‭ ‬أنه‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬الوطن‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نبكي‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬فرحًا،‭ ‬وأن‭ ‬نقف‭ ‬احترامًا‭ ‬لسلامه‭ ‬الوطني،‭ ‬وأن‭ ‬نرفع‭ ‬علمه‭ ‬بفخر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محفل‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬العلم‭ ‬هو‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬الجميع،‭ ‬تكون‭ ‬الرياضة‭ ‬قد‭ ‬أدت‭ ‬أعظم‭ ‬أدوارها،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأبطال‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأوطان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا