قبل أيام، كنت في مجلس صار فيه حديث النتائج ضيف المساء الأول.. ما هي إلا لحظات حتى تحوّل كل طالب إلى رقم يتنقل بين الألسن. هذا ارتفع معدله، وهذه نقصت درجة، وآخر تعثر في مادة واحدة. ثم بدأت المقارنات، وتتابعت الأحكام، وانشغل الجميع بكشف الدرجات. في تلك اللحظة حضر سؤال لا يمكن تجاهله: متى صار الرقم أكبر من الطالب؟ ومتى تحولت النتيجة من مؤشر دراسي إلى حكم واسع على إنسان لا يزال في أول الطريق؟
من الإنصاف أن نقول إن التفوق الدراسي قيمة حقيقية والطالب الذي يصل إلى درجة عالية لا يصل إليها صدفة اذ إن وراء تلك النتيجة ساعات من المذاكرة، وتنظيم للوقت، وصبر على التعب، ومقاومة للملل، ومحاولة متكررة حتى يثبت قدمه. من حق هذا الطالب أن نفرح له، وأن نحتفي بتعبه، وأن يسمع كلمة تقدير واضحة وصادقة. فالمجتهد يحتاج أن يرى أثر اجتهاده، ويحتاج أن يشعر أن من حوله قرأوا تعبه كما قرأوا نتيجته.
غير أن الخطأ يبدأ حين نختصر النجاح كله في ورقة، ونختصر الطالب كله في رقم. الامتحان يقيس جانباً مهماً من التحصيل، لكنه لا يقيس الصورة كاملة. لا يقيس قوة الشخصية، ولا طريقة التعامل، ولا القدرة على النهوض بعد التعثر، ولا الذكاء الاجتماعي، ولا هدوء الإنسان حين يواجه ضغطاً أو خيبة أو اختلافاً. وهذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن تأجيلها، وإنما جزء أصيل من النجاح في الدراسة والعمل والحياة.
الحياة لا تسأل أبناءنا فقط عما حفظوه، وإنما تسألهم أيضاً كيف يتحدثون، وكيف يصغون، وكيف يختلفون من غير إساءة، وكيف يعملون مع الآخرين، وكيف يعترفون بالخطأ حين يخطئون، وكيف يتعلمون من خسارة صغيرة قبل أن تتحول إلى هزيمة داخلية كبيرة. لذلك لم تعد المهارات الناعمة أمراً زائداً عن الحاجة، ولا باباً جانبياً في التربية. صارت ضرورة لا تقل أهمية عن التحصيل الدراسي فالعلم يزداد جمالاً حين يصحبه تواضع وحسن تعامل، والذكاء يصبح أنفع حين يعرف صاحبه كيف يسمع، وكيف يلين في الحوار، وكيف يثبت من غير أن يجرح أو يتعالى.
وفي الجهة الأخرى، لا يصح أن نمر سريعاً على من لم يأتوا في صدارة القوائم، وكأنهم بلا ملامح تذكر. كم من طالب لم يحصل على الدرجة الكاملة، لكنه يملك أدباً في الحديث، وثباتاً في المواقف، وروح مبادرة، وقدرة على كسب الناس والعمل معهم. هذه الصفات لا تظهر كلها في الشهادة، لكنها تظهر لاحقاً حين تتسع الحياة، وحين يصبح المطلوب أكثر من إجابة صحيحة داخل قاعة اختبار.
أما الطالب الذي خرج بنتيجة أقل مما كان يرجو، فآخر ما يحتاج إليه أن يقتنع بأن قيمته نقصت. الدرجة قد تنخفض، لكن القيمة لا تنخفض معها. التعثر وارد، وهو جزء من طريق طويل يتعلم فيه الإنسان كيف يراجع نفسه، وكيف يعدل طريقته، وكيف يعود أقوى. أحياناً تكون المشكلة في أسلوب المذاكرة، وأحياناً في إدارة الوقت، وأحياناً في القلق، وأحياناً في فجوات صغيرة تراكمت ولم تُفهم في وقتها. وكل ذلك يمكن مراجعته ومعالجته وتحسينه. الورقة تقول كيف كان الاختبار، لكنها لا تقول من يكون صاحبها.
لهذا لا ينبغي أن يصف الطالب نفسه بالفشل إذا جاءت النتيجة على غير ما أراد. الأصدق والأعدل أن يقول: هذه نتيجة لا ترضيني، وسأفهم سببها، وسأعمل على تغييرها. الفرق بين العبارتين كبير. الأولى تغلق الأبواب من الداخل، والثانية تفتح طريقاً جديداً. وما أكثر النتائج التي أوجعت أصحابها مرة، ثم كانت بداية نضجهم الحقيقي بعد ذلك.
ويبقى دور الأهل هو الأهم في لحظة إعلان النتائج. الطالب المتعثر لا يحتاج إلى محكمة، ولا إلى مقارنة موجعة، ولا إلى تكرار أسماء المتفوقين أمامه على سبيل التوبيخ، إنما يحتاج إلى وجه هادئ، وصوت متزن، وسؤال مسؤول: ماذا حدث؟ وأين الخلل؟ وكيف نبدأ من هنا؟ هناك فرق كبير بين أن نرفض التقصير، وبين أن نهدم صاحبه. وهناك فرق أكبر بين أن نطلب الأفضل، وبين أن نجعل الابن أو الابنة يشعران بأن المحبة معلقة برقم في ورقة.
المقارنة لا ترفع الهمة كما يظن بعض الناس، وإنما تترك في النفس جرحاً قد يطول بقاؤه. والعتاب القاسي لا يصنع دائماً طالباً أفضل، وقد يصنع في المقابل خوفاً أو انسحاباً، أو شعوراً ثقيلاً بأن الإنسان لا يُرى إلا حين ينجح. وهذا من أقسى ما قد يشعر به ابن أو ابنة في بيت يفترض أن يكون أول مكان للأمان.
من الحكمة أن نفرح بالمتفوق، فهذا حقه، وأن نساند من تعثر، فهذا حقه أيضاً. الفرح بالأول لا يحتاج إلى كسر الثاني، والاهتمام بالمتعثر لا يعني التقليل من شأن المجتهد. ما نحتاج إليه حقاً هو تربية متوازنة تعلم أبناءنا قيمة الاجتهاد، وتبني فيهم في الوقت نفسه شخصية تعرف الاحترام، والصبر، والانضباط، والقدرة على البدء من جديد إذا تعثروا.
في النهاية، الدرجة مهمة، نعم، لكنها ليست الحقيقة كلها. هي محطة في الطريق، وليست الطريق كله. قد تفتح الدرجة العالية باباً، لكن الذي يثبت الإنسان بعد ذلك هو وعيه، وأخلاقه، وقدرته على التعلم، والتكيف، والمواصلة. أما من نقصت درجته اليوم، فليس مطلوباً منه أن ينحني أمام الورقة، بل يقرأها بصدق، ويتعلم منها، ثم ينهض. فالنتائج تقيس ما جرى في اختبار واحد، أما قيمة الطالب الحقيقية فتظهر في الطريق الذي يكمله بعده، وفي الطريقة التي ينهض بها كلما تعثر، وفيما يبنيه في نفسه مع كل بداية جديدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك