العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

من يقود المستقبل: الإنسان أم الخوارزمية؟

بقلم: د. جاسم حاجي

الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬كل‭ ‬عصر‭ ‬من‭ ‬عصور‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري،‭ ‬أعادت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تشكيل‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬بها‭ ‬الناس‭ ‬ويعملون‭ ‬ويفهمون‭ ‬بها‭ ‬ذواتهم‭. ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬المطبعة‭ ‬في‭ ‬إتاحة‭ ‬المعرفة‭ ‬للجميع،‭ ‬وأحدث‭ ‬المحرك‭ ‬البخاري‭ ‬تحولاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬بينما‭ ‬أعاد‭ ‬الإنترنت‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬التواصل‭ ‬العالمي‭. ‬واليوم،‭ ‬يقف‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬باعتباره‭ ‬القوة‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التصورات‭ ‬المستقبلية‭ ‬الخيالية؛‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬المقالات،‭ ‬وتشخيص‭ ‬الأمراض،‭ ‬وتأليف‭ ‬الموسيقى،‭ ‬وقيادة‭ ‬المركبات،‭ ‬وحتى‭ ‬محاكاة‭ ‬الحوار‭ ‬البشري‭.‬

هذا‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭ ‬يمس‭ ‬صميم‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭: ‬ماذا‭ ‬سيحدث‭ ‬للإنسان‭ ‬الطبيعي‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬متغلغلاً‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة؟‭ ‬هل‭ ‬سيكون‭ ‬أداة‭ ‬لتمكين‭ ‬الإنسان‭ ‬أم‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬تراجعه؟‭ ‬وهل‭ ‬سيعزز‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬أم‭ ‬يضعف‭ ‬جوهر‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬بشراً؟

تكمن‭ ‬أعظم‭ ‬وعود‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬الإمكانات‭ ‬البشرية‭. ‬ففي‭ ‬المجال‭ ‬الطبي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أظهرت‭ ‬أبحاث‭ ‬أجرتها‭ ‬جامعة‭ ‬ستانفورد‭ ‬أن‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬سرطان‭ ‬الجلد‭ ‬بدقة‭ ‬تضاهي‭ ‬دقة‭ ‬أطباء‭ ‬الجلدية‭ ‬ذوي‭ ‬الخبرة‭. ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم،‭ ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬اليونسكو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المساعدين‭ ‬التعليميين‭ ‬المدعومين‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يمكنهم‭ ‬توفير‭ ‬تعلم‭ ‬شخصي‭ ‬للأطفال‭ ‬الأقل‭ ‬حظاً،‭ ‬مما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوات‭ ‬التعليمية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬خصماً‭ ‬للإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار‭ ‬البشري‭. ‬فالبعض‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬آخر‭ ‬اختراع‭ ‬رئيسي‭ ‬يبتكره‭ ‬الإنسان،‭ ‬لأنه‭ ‬سيساعده‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬توجيهه‭ ‬واستخدامه‭ ‬بحكمة،‭ ‬فقد‭ ‬يصبح‭ ‬محفزاً‭ ‬لعصر‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬العلمي‭ ‬والثقافي‭ ‬والمعرفي‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬لهذه‭ ‬الصورة‭ ‬جانباً‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭. ‬فإذا‭ ‬أصبح‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬الذهنية،‭ ‬مثل‭ ‬إعداد‭ ‬المذكرات‭ ‬القانونية،‭ ‬وترجمة‭ ‬اللغات،‭ ‬وتصميم‭ ‬البرمجيات،‭ ‬وحتى‭ ‬توليد‭ ‬الفرضيات‭ ‬العلمية،‭ ‬فما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬سيبقى‭ ‬للإنسان‭ ‬الطبيعي‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد؟

يرى‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«الانفصال‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬بينما‭ ‬تتباطأ‭ ‬أو‭ ‬تتراجع‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬الأجور‭ ‬البشرية‭. ‬وتشير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬30‭%‬‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬قابلة‭ ‬للأتمتة‭ ‬بحلول‭ ‬منتصف‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭.‬

وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬التاريخ،‭ ‬عرّف‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬بوصفه‭ ‬الكائن‭ ‬المفكر‭ ‬والعاقل‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الآلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستدلال‭ ‬والحساب‭ ‬وحتى‭ ‬محاكاة‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فإن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الإنسان‮»‬‭ ‬ذاته‭ ‬يصبح‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭.‬

ويتوقع‭ ‬بعض‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والمفكرين‭ ‬وصول‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«التفرد‭ ‬التقني‭ (‬Technological‭ ‬‮»‬Singularity‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬فيها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مستوى‭ ‬الذكاء‭ ‬البشري،‭ ‬وربما‭ ‬يندمج‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬الآلة‭. ‬ورغم‭ ‬الجدل‭ ‬الكبير‭ ‬المحيط‭ ‬بهذه‭ ‬الفرضية،‭ ‬فإنها‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬تساؤلاً‭ ‬عميقاً‭:‬

هل‭ ‬سيبقى‭ ‬الإنسان‭ ‬الطبيعي‭ ‬محور‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية،‭ ‬أم‭ ‬سيصبح‭ ‬مجرد‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬هجين‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والتكنولوجيا؟

ومن‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬المخاطر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعاطفية‭. ‬فالمرافقون‭ ‬الافتراضيون،‭ ‬وروبوتات‭ ‬المحادثة،‭ ‬والشركاء‭ ‬الرقميون‭ ‬أصبحوا‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الدعم‭ ‬والتفاعل‭ ‬العاطفي‭ ‬دون‭ ‬التعقيدات‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الحقيقية‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬والعزلة،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ذلك‭ ‬وكأنه‭ ‬طوق‭ ‬نجاة‭ ‬وفرصة‭ ‬للخلاص‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بالوحدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا