العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

مساحة رمادية:
من مدرسة بابكو التاريخية إلى مبادرة ناصر لقادة طاقة المستقبل

أحمد عبدالحميد

الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تكن‭ ‬قصة‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يومًا‭ ‬قصة‭ ‬نفط‭ ‬أو‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قصة‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭. ‬فمنذ‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬آمنت‭ ‬المملكة‭ ‬بأن‭ ‬بناء‭ ‬الأوطان‭ ‬يبدأ‭ ‬ببناء‭ ‬العقول،‭ ‬فكانت‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬التعليم‭ ‬النظامي‭ ‬للذكور‭ ‬عام‭ ‬1919،‭ ‬ثم‭ ‬للإناث‭ ‬عام‭ ‬1928،‭ ‬واضعة‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مشروعها‭ ‬التنموي‭ ‬منذ‭ ‬البدايات‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬برزت‭ ‬شركة‭ ‬نفط‭ ‬البحرين‭ (‬بابكو‭) ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الشركاء‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية‭. ‬فمع‭ ‬انطلاق‭ ‬صناعة‭ ‬النفط،‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬مهمة‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬استخراج‭ ‬الثروة‭ ‬النفطية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬إعداد‭ ‬الكوادر‭ ‬البشرية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة‭ ‬وتطويرها‭.‬

ففي‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أسست‭ ‬بابكو‭ ‬مدرسة‭ ‬ومركزًا‭ ‬للتدريب‭ ‬المهني‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬عوالي،‭ ‬تحولا‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬وطنية‭ ‬لتأهيل‭ ‬الشباب‭ ‬البحريني‭. ‬وتلقى‭ ‬الطلبة‭ ‬فيها‭ ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬والعلوم‭ ‬والمهارات‭ ‬المكتبية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التخصصات‭ ‬الفنية‭ ‬والمهنية‭ ‬المختلفة‭. ‬ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬المحلي،‭ ‬بل‭ ‬أسهم‭ ‬خريجوها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مشاريع‭ ‬ومنشآت‭ ‬نفطية‭ ‬وصناعية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬المنطقة‭.‬

وخلال‭ ‬عقود‭ ‬متتالية‭ ‬واصلت‭ ‬بابكو‭ ‬تطوير‭ ‬برامجها‭ ‬التدريبية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الكوادر‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬المتدربين‭ ‬المهنيين‭ ‬ومراكز‭ ‬التدريب‭ ‬المتخصصة‭ ‬التي‭ ‬رفدت‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬البحريني‭ ‬بكفاءات‭ ‬مؤهلة‭.‬

واليوم،‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬أول‭ ‬برامجها‭ ‬المؤسسية‭ ‬للتدريب‭ ‬والابتعاث،‭ ‬تواصل‭ ‬مجموعة‭ ‬بابكو‭ ‬إنرجيز‭ ‬حمل‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬عبر‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬لقادة‭ ‬طاقة‭ ‬المستقبل‭ - ‬برنامج‭ ‬ابتعاث‭ ‬وتطوير‭ ‬مهني‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬امتدادًا‭ ‬عصريًّا‭ ‬للرؤية‭ ‬التي‭ ‬آمنت‭ ‬بها‭ ‬الشركة‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسها‭.‬

ويأتي‭ ‬إطلاق‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تكشف‭ ‬فيه‭ ‬المؤشرات‭ ‬السكانية‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭. ‬فبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬هيئة‭ ‬المعلومات‭ ‬والحكومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المواطنين‭ ‬البحرينيين‭ ‬746097‭ ‬نسمة،‭ ‬بينهم‭ ‬377836‭ ‬ذكراً‭ ‬و368261‭ ‬أنثى‭. ‬كما‭ ‬تشكل‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و34‭ ‬عامًا‭ ‬نحو‭ ‬247521‭ ‬مواطنا،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬33‭.‬2‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المواطنين،‭ ‬فيما‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬486‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭.‬

وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تمتلك‭ ‬قاعدة‭ ‬شبابية‭ ‬واسعة‭ ‬تمثل‭ ‬رصيدًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬لمستقبل‭ ‬التنمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬مرتكزات‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬2030‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬لقادة‭ ‬طاقة‭ ‬المستقبل‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬إعداد‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬المتخصصين‭ ‬والقادة‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والاستدامة‭. ‬ولا‭ ‬تمثل‭ ‬المبادرة‭ ‬مجرد‭ ‬برنامج‭ ‬للابتعاث‭ ‬أو‭ ‬التدريب،‭ ‬بل‭ ‬تشكل‭ ‬ترجمة‭ ‬عملية‭ ‬لرؤية‭ ‬البحرين‭ ‬2030‭ ‬وتجسيدًا‭ ‬لفلسفة‭ ‬وطنية‭ ‬راسخة‭ ‬مُفادها‭ ‬أن‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمملكة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬أبنائها‭ ‬وقدرتهم‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والقيادة‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل‭.‬

وقد‭ ‬لخص‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬عندما‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬أعظم‭ ‬قوة‭ ‬وثروة‭ ‬تمتلكها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬مدرسة‭ ‬بابكو‭ ‬قد‭ ‬خرجت‭ ‬جيلا‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬صناعة‭ ‬النفط‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬فإن‭ ‬مبادرة‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬لقادة‭ ‬طاقة‭ ‬المستقبل‭ ‬تستهدف‭ ‬إعداد‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬سيقود‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المعرفي‭. ‬وبين‭ ‬التجربتين‭ ‬تمتد‭ ‬حكاية‭ ‬وطن‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الآبار‭ ‬أو‭ ‬المصانع،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الفرص‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬والطموحات‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا