لم تكن قصة التنمية في البحرين يومًا قصة نفط أو بنية تحتية أو استثمارات اقتصادية فحسب، بل كانت قبل كل شيء قصة استثمار طويل الأمد في الإنسان. فمنذ بدايات القرن الماضي آمنت المملكة بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء العقول، فكانت من أوائل دول الخليج التي اعتمدت التعليم النظامي للذكور عام 1919، ثم للإناث عام 1928، واضعة الإنسان البحريني في قلب مشروعها التنموي منذ البدايات.
وفي هذا المسار التاريخي برزت شركة نفط البحرين (بابكو) بوصفها أحد أهم الشركاء في صناعة الكفاءات الوطنية. فمع انطلاق صناعة النفط، لم تقتصر مهمة الشركة على استخراج الثروة النفطية، بل امتدت إلى إعداد الكوادر البشرية القادرة على قيادة هذه الصناعة وتطويرها.
ففي خمسينيات القرن الماضي أسست بابكو مدرسة ومركزًا للتدريب المهني في مدينة عوالي، تحولا إلى مدرسة وطنية لتأهيل الشباب البحريني. وتلقى الطلبة فيها التدريب على اللغة الإنجليزية والعلوم والمهارات المكتبية، إلى جانب التخصصات الفنية والمهنية المختلفة. ولم تقتصر آثار هذه التجربة على تلبية احتياجات سوق العمل المحلي، بل أسهم خريجوها في بناء مشاريع ومنشآت نفطية وصناعية في البحرين ودول المنطقة.
وخلال عقود متتالية واصلت بابكو تطوير برامجها التدريبية، وأصبحت نموذجًا في إعداد الكوادر الوطنية من خلال برامج المتدربين المهنيين ومراكز التدريب المتخصصة التي رفدت القطاع الصناعي البحريني بكفاءات مؤهلة.
واليوم، بعد ما يقارب سبعة عقود من إطلاق أول برامجها المؤسسية للتدريب والابتعاث، تواصل مجموعة بابكو إنرجيز حمل هذه الرسالة عبر مبادرة «ناصر بن حمد لقادة طاقة المستقبل - برنامج ابتعاث وتطوير مهني»، التي تمثل امتدادًا عصريًّا للرؤية التي آمنت بها الشركة منذ تأسيسها.
ويأتي إطلاق المبادرة في وقت تكشف فيه المؤشرات السكانية أهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة. فبحسب بيانات هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية لعام 2025، بلغ عدد المواطنين البحرينيين 746097 نسمة، بينهم 377836 ذكراً و368261 أنثى. كما تشكل الفئة العمرية بين 15 و34 عامًا نحو 247521 مواطنا، بما يعادل 33.2% من إجمالي المواطنين، فيما يبلغ عدد المواطنين في سن العمل أكثر من 486 ألف شخص.
وتؤكد هذه الأرقام أن البحرين تمتلك قاعدة شبابية واسعة تمثل رصيدًا استراتيجيًّا لمستقبل التنمية، وهو ما يتوافق مع مرتكزات رؤية البحرين الاقتصادية 2030 التي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، التي وضعت الإنسان البحريني في قلب عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا تبرز أهمية مبادرة «ناصر بن حمد لقادة طاقة المستقبل»، التي تستهدف إعداد جيل جديد من المتخصصين والقادة القادرين على قيادة قطاع الطاقة في عصر التحول الرقمي والاستدامة. ولا تمثل المبادرة مجرد برنامج للابتعاث أو التدريب، بل تشكل ترجمة عملية لرؤية البحرين 2030 وتجسيدًا لفلسفة وطنية راسخة مُفادها أن الثروة الحقيقية للمملكة تكمن في كفاءة أبنائها وقدرتهم على الابتكار والقيادة وصناعة المستقبل.
وقد لخص سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة هذه الفلسفة عندما أكد أن الكفاءات الوطنية كانت ولا تزال أعظم قوة وثروة تمتلكها مملكة البحرين.
وإذا كانت مدرسة بابكو قد خرجت جيلا أسهم في بناء صناعة النفط والاقتصاد الوطني خلال القرن الماضي، فإن مبادرة ناصر بن حمد لقادة طاقة المستقبل تستهدف إعداد الجيل الذي سيقود البحرين في عصر الطاقة الجديدة والاقتصاد المعرفي. وبين التجربتين تمتد حكاية وطن آمن بأن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الآبار أو المصانع، بل في الإنسان القادر على تحويل الفرص إلى إنجازات والطموحات إلى مستقبل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك