لم تعد قصة الاقتصاد البحريني في عام 2026 تُقرأ من خلال أسعار النفط أو مستويات الإنتاج النفطي فقط، بل أصبحت تُقرأ بصورة متزايدة من خلال أداء القطاعات غير النفطية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي والتوظيف والاستثمار. وتؤكد أحدث البيانات الرسمية أن البحرين نجحت إلى حد كبير في تحقيق أحد أهم أهداف خطة التعافي الاقتصادي والاستدامة 2022-2026، والمتمثل في تعزيز مساهمة الاقتصاد غير النفطي وتقليل الاعتماد النسبي على القطاع النفطي.
وتشير بيانات وزارة المالية والاقتصاد الوطني إلى أن الأنشطة غير النفطية ساهمت بنسبة 85.8% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال عام 2025، مقارنة بنحو 84% قبل سنوات قليلة فقط، وهو ما يعكس تحولاً هيكلياً مهماً في بنية الاقتصاد الوطني. كما نما الاقتصاد البحريني بنسبة 3.5% خلال عام 2025 رغم تراجع أداء القطاع النفطي، حيث استطاعت القطاعات غير النفطية تحقيق نمو بلغ 5.3% بالأسعار الجارية.
والأهم من ذلك أن هذا النمو لم يكن معتمداً على قطاع واحد، بل جاء نتيجة أداء قوي لعدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وهو ما يعكس نجاح سياسة التنويع الاقتصادي التي تبنتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
ويظل قطاع الخدمات المالية والتأمين حجر الزاوية في الاقتصاد البحريني، إذ يمثل أكبر مساهم منفرد في الناتج المحلي الإجمالي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن القطاع المالي ساهم بما يقارب 18% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تحقيق معدلات نمو جيدة خلال السنوات الأخيرة، مستفيداً من مكانة البحرين كمركز مالي إقليمي رائد في الخدمات المصرفية التقليدية والإسلامية والتكنولوجيا المالية.
أما القطاع الصناعي، وبخاصة الصناعات التحويلية، فيواصل لعب دور استراتيجي في الاقتصاد الوطني. فقد احتل قطاع الصناعة التحويلية المرتبة الثانية من حيث مساهمته في الأنشطة غير النفطية، مستفيداً من الصناعات المرتبطة بالألمنيوم والبتروكيماويات والصناعات التصديرية. كما تستهدف خطة التعافي الاقتصادي رفع مساهمة القطاع الصناعي إلى مستويات أعلى من خلال التوسع في التصنيع المتقدم وجذب الاستثمارات الصناعية النوعية.
كما برز قطاع السياحة والضيافة باعتباره أحد أسرع القطاعات نمواً (قبل التطورات الأخيرة). فقد سجل قطاع الإقامة والخدمات الغذائية من أعلى معدلات النمو بين الأنشطة الاقتصادية. وتراهن البحرين على هذا القطاع ليصبح أحد أكبر مولدات الوظائف الجديدة خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه، يبرز قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات والاقتصاد الرقمي كأحد أهم الرهانات المستقبلية. فقد حقق قطاع المعلومات والاتصالات معدلات نمو تجاوزت 11% في بعض الفترات، مستفيداً من توسع الخدمات الرقمية والبنية التحتية المتقدمة للاتصالات والتحول الحكومي الرقمي. كما تستهدف خطة التعافي الاقتصادي زيادة عدد الشركات الناشئة التقنية وتوسيع فرص العمل الوطنية في الاقتصاد الرقمي.
ولا يقل أهمية عن ذلك قطاع الخدمات اللوجستية والنقل والتخزين، الذي استفاد من الموقع الجغرافي للمملكة والاستثمارات في البنية التحتية والموانئ والمطارات، ليصبح أحد القطاعات المستهدفة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور البحرين كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
ومن منظور سوق العمل، فإن معظم الوظائف الجديدة التي تم خلقها خلال السنوات الأخيرة جاءت من القطاعات غير النفطية، خصوصاً الخدمات المالية والسياحة والتكنولوجيا والصناعة والخدمات المهنية. وهذا يعكس نجاح الاستراتيجية الاقتصادية في ربط التنويع الاقتصادي بالتوظيف وخلق الفرص للمواطنين، بدلاً من الاكتفاء بتحقيق النمو الرقمي فقط.
الخلاصة إن البحرين لا تزال تواجه تحديات مالية معروفة، وفي مقدمتها الدين العام والعجز المالي، إلا أن قراءة الأرقام الاقتصادية من زاوية النمو تكشف حقيقة مهمة: الاقتصاد البحريني أصبح اليوم أكثر تنوعاً مما كان عليه قبل عقد من الزمن. فمع تعاظم مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وصعود قطاعات المال والصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية، تبدو المملكة أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في بناء اقتصاد مرن تدعمه المعرفة والابتكار والاستثمار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك