القراء الأعزاء،
من أهم الأسس التي تحفظ كيان الدولة وبقاءها وازدهارها ونماء اقتصادها هو عامل الاستقرار والأمن الوطني، فالبيئة الآمنة هي بيئة قابلة للتطور ومستجيبة له وجاذبة للاستثمارات الخارجية وللسائحين، ولا يتحقق الاستقرار إلا من خلال الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي، الأمر الذي يجعل الدولة في موضع أكثر قوة واستعداداً لمواجهة التحديات الخارجية.
ويُعتبر التسامح والتعايش من الركائز المهمة لتحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز الأمن والاستقرار في الدولة، حيث يقومان على قبول الآخر واحترام اختلافه والتسليم بحقه في العيش بسلام واستقلال وفقاً لمعتقداته وقيمه وآرائه من دون محاولة لتغييرها أو فرض آراء مخالفة لها، بعدها يتحقق التفاعل الإيجابي بالعيش معاً بسلام على أسس من الثقة وحسن المعاملة والاحترام المتبادل والتفاعل المشترك من خلال العمل والتعاون لتحقيق الصالح العام للدولة، الأمر الذي سينتج عنه الابتعاد عن الصراعات والتحرر من التعصب والتفاعل مع الآخر وصولاً إلى تحقق الأمن والسلم الوطني.
وتظهر أهمية التسامح والتعايش السلمي في المجتمعات ذات التنوع في نسيجها المجتمعي، ويمثل المجتمع البحريني صورة جليّة لهذا التنوع الثقافي، الديني، العرقي، القومي، اللغوي وغيرها، ولاسيما في مواجهة التحديات التي قد تواجه الدولة، باعتبار أن وحدة الصف الوطني بتنوع مكوناته تعتبر عاملاً أساسياً في قوة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات والمتغيرات التي قد تواجهها.
ولقد كنت استمع إلى كلمة جميلة نيابة عن خريجي جامعة هارفارد لعام 2026، لأحد الطلبة التي هي عبارة عن نتاج تمازج ديني بين (الإسلام والمسيحية واليهودية) وخلص فيها من خلال تجربته الحياتية بين أفراد عائلته أن مواجهة الانقسام والاختلاف لا يعني أبداً الاتفاق بل التفاهم والتفهّم، ذلك أن الحياة تقوم على الثنائية، لذلك هناك دائما قصتان أو طرفان أو قيمتان، مختلفتان ومتناقضتان، يعتمد ذلك على اختلاف موقع كل طرف ووجهة نظره، لذا فإن هذا الاختلاف حتى وإن استمر إلا أن ذلك لا يعني أبداً الوصول إلى درجة الانقسام، ولا يتحقق هذا إلا بالحوار وحُسن الاستماع والانصات إلى الآخر وصولاً إلى أرض محايدة وفهم مشترك بالحوار العقلاني والاقناع المتجرّد من الاستماتة لكسب النقاش والفوز على الآخر.
لذا فإنه من الثابت بأن البحرين هي دولة ذات تاريخ ثقافي ممتد على أسس من التسامح والتعايش بشكل عملي وواقعي باعتباره ثقافة مجتمعية، وما يهمنا دائماً هو ألا تشوب هذه الثقافة شائبة، فلا يتوجب أن تؤخذ كأمر مسلّم به، بل يتوجب الحرص على تعزيزها بشكل دائم ومتواصل ولاسيما لدى الأجيال الشابة التي تنشأ في مرحلة متغيرة تماماً عما ألفته الأجيال السابقة، في ظل التطور التكنولوجي والثورة الافتراضية التي أصبحت تُسهم بشكل كبير في تشكيل وعي الأجيال وغرس الأفكار والمبادئ الغريبة على مجتمعاتنا.
ولا شك بأن التسامح والتعايش السلمي هما من الثواب الوطنية المهمة التي يحرص صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم على تعزيزها وطنياً ودولياً، وفي (مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح) مثال واضح على النهج الملكي السامي، والشواهد سواه كثيرة جداً، ويبقى أن يتخذ كل من المؤسسات التعليمية والمبادرات الوطنية دورها في هذا الشأن للعمل على غرس هذه القيم الإنسانية المهمة التي تقوم على القبول والثقة وعلى تعزيز مفهوم أن الاختلاف لا يعني العداء أبداً، وهذا يعتبر أساساً لحفظ أمن واستقرار الدولة وسلمها المجتمعي.
Hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك