العدد : ١٧٦٠٧ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٧ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

نهج التسامح والتعايش

بقلم: المحامية هنادي عيسى الجودر

الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،

من‭ ‬أهم‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬وبقاءها‭ ‬وازدهارها‭ ‬ونماء‭ ‬اقتصادها‭ ‬هو‭ ‬عامل‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬فالبيئة‭ ‬الآمنة‭ ‬هي‭ ‬بيئة‭ ‬قابلة‭ ‬للتطور‭ ‬ومستجيبة‭ ‬له‭ ‬وجاذبة‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الخارجية‭ ‬وللسائحين،‭ ‬ولا‭ ‬يتحقق‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والتماسك‭ ‬المجتمعي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬واستعداداً‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الخارجية‭.‬

ويُعتبر‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬من‭ ‬الركائز‭ ‬المهمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬حيث‭ ‬يقومان‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬الآخر‭ ‬واحترام‭ ‬اختلافه‭ ‬والتسليم‭ ‬بحقه‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬بسلام‭ ‬واستقلال‭ ‬وفقاً‭ ‬لمعتقداته‭ ‬وقيمه‭ ‬وآرائه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬محاولة‭ ‬لتغييرها‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬آراء‭ ‬مخالفة‭ ‬لها،‭ ‬بعدها‭ ‬يتحقق‭ ‬التفاعل‭ ‬الإيجابي‭ ‬بالعيش‭ ‬معاً‭ ‬بسلام‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬وحسن‭ ‬المعاملة‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والتفاعل‭ ‬المشترك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭  ‬والتعاون‭ ‬لتحقيق‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭ ‬للدولة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سينتج‭ ‬عنه‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الصراعات‭  ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬التعصب‭  ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭  ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تحقق‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الوطني‭.‬

وتظهر‭ ‬أهمية‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬ذات‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬نسيجها‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ويمثل‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬صورة‭ ‬جليّة‭ ‬لهذا‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي،‭ ‬الديني،‭ ‬العرقي،‭ ‬القومي،‭ ‬اللغوي‭ ‬وغيرها،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬الدولة،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬الوطني‭ ‬بتنوع‭ ‬مكوناته‭ ‬تعتبر‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬والمتغيرات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تواجهها‭.‬

ولقد‭ ‬كنت‭ ‬استمع‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬جميلة‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬خريجي‭ ‬جامعة‭ ‬هارفارد‭ ‬لعام‭ ‬2026،‭ ‬لأحد‭ ‬الطلبة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نتاج‭ ‬تمازج‭ ‬ديني‭ ‬بين‭ (‬الإسلام‭ ‬والمسيحية‭ ‬واليهودية‭) ‬وخلص‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجربته‭ ‬الحياتية‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬الانقسام‭ ‬والاختلاف‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أبداً‭ ‬الاتفاق‭ ‬بل‭ ‬التفاهم‭ ‬والتفهّم،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الثنائية،‭ ‬لذلك‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬قصتان‭ ‬أو‭ ‬طرفان‭ ‬أو‭ ‬قيمتان،‭ ‬مختلفتان‭ ‬ومتناقضتان،‭ ‬يعتمد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬موقع‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬ووجهة‭ ‬نظره،‭  ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬استمر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أبداً‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الانقسام،‭ ‬ولا‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬إلا‭ ‬بالحوار‭ ‬وحُسن‭ ‬الاستماع‭ ‬والانصات‭ ‬إلى‭ ‬الآخر‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬محايدة‭ ‬وفهم‭ ‬مشترك‭ ‬بالحوار‭ ‬العقلاني‭ ‬والاقناع‭ ‬المتجرّد‭ ‬من‭ ‬الاستماتة‭ ‬لكسب‭ ‬النقاش‭ ‬والفوز‭ ‬على‭ ‬الآخر‭.‬

لذا‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬الثابت‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬تاريخ‭ ‬ثقافي‭ ‬ممتد‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬بشكل‭ ‬عملي‭ ‬وواقعي‭ ‬باعتباره‭ ‬ثقافة‭ ‬مجتمعية،‭ ‬وما‭ ‬يهمنا‭ ‬دائماً‭ ‬هو‭ ‬ألا‭ ‬تشوب‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬شائبة،‭ ‬فلا‭ ‬يتوجب‭ ‬أن‭ ‬تؤخذ‭ ‬كأمر‭ ‬مسلّم‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬يتوجب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تعزيزها‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬ومتواصل‭ ‬ولاسيما‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬متغيرة‭ ‬تماماً‭ ‬عما‭ ‬ألفته‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والثورة‭ ‬الافتراضية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تُسهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعي‭ ‬الأجيال‭ ‬وغرس‭ ‬الأفكار‭ ‬والمبادئ‭ ‬الغريبة‭ ‬على‭ ‬مجتمعاتنا‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬هما‭ ‬من‭ ‬الثواب‭ ‬الوطنية‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬يحرص‭  ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬على‭ ‬تعزيزها‭ ‬وطنياً‭ ‬ودولياً،‭ ‬وفي‭ (‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬العالمي‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح‭) ‬مثال‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬الملكي‭ ‬السامي،‭ ‬والشواهد‭ ‬سواه‭ ‬كثيرة‭ ‬جداً،‭ ‬ويبقى‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والمبادرات‭ ‬الوطنية‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬غرس‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬القبول‭ ‬والثقة‭ ‬وعلى‭ ‬تعزيز‭ ‬مفهوم‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬العداء‭ ‬أبداً،‭ ‬وهذا‭ ‬يعتبر‭ ‬أساساً‭ ‬لحفظ‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬الدولة‭ ‬وسلمها‭ ‬المجتمعي‭. ‬

 

Hanadialjowder@gmail‭.‬com‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا