حينما كنت طفلة لا أعي عن الفن شيئاً، ولم أكن قد أدركت مدى عمق الشخصيات الفنية وتجسيد الأدوار، كنت أستغرب من هدوء بعض الشخصيات كالفنان القدير الراحل عبدالعزيز مخيون، الذي رحل عن عالمنا في العاشر من يونيو 2026 ، كنت أظن أن الفن يعني الصخب، وأن الحضور لا يكتمل إلا بالانفعال الظاهر، إلى أن كبُرت وبدأت تتكشف لي لاحقاً حقيقة مختلفة تماماً، فأدركت أن أعظم ما في التمثيل ليس ما يُقال، بل ما يُترك لدى المتلقي من صمتٍ واعٍ، ومن تساؤلات تُترك دون جواب واضح بعد ذلك المشهد الناجح الذي يؤثر فينا.
كان عبدالعزيز مخيون من أولئك الذين اختاروا أن يقفوا بعيدًا عن الإزدحام، لأنه لم يكن يطارد الأدوار السهلة، بل كان يميل إلى تلك الشخصيات التي تحمل ثِقلاً فكرياً وأخلاقياً، شخصيات لا تُقدَّم للمتعة السريعة بقدر ما تُقدَّم للتأمل، ففي كل نص يختاره كان يعدّه اختبار جديد لذاته في مواجهة كثرة التحديات. وفي أدائه، كان واضحاً أنه يؤمن بأن المبالغة ليست قوة، بل ضجيج يحجب الحقيقة أحياناً، لذلك جاء تمثيله هادئاً، عميقاً، مكثفاً، يعتمد على الاقتصاد في الحركة والنظرة والنبرة. كان يعرف أن الإنسان الحقيقي لا يُقال كله دفعة واحدة، وأن ما لا يُصرَّح به قد يكون أصدق مما يُعلن. من هنا، أصبح صمته في المشهد جزءاً من لغته، لا فراغاً فيها، بل مساحة تفكير مفتوحة أمام المتلقي.
ولم يكن هذا الخيار الفني منفصلاً عن رؤيته الأوسع للحياة والفن، فقد كان يحمل بعداً ثقافياً وفكرياً واضحاً، يرى فيه أن الفنان ليس مجرد مؤدٍ، بل شاهد على زمنه، ومسؤول عن طرح أسئلة تتجاوز حدود الشخصية إلى معنى الوجود نفسه فقد كان الفن لديه امتداداً للوعي، لا مجرد مهنة.
وربما لهذا السبب، ظل حضوره مختلفاً؛ لا يفرض نفسه بالصخب، بل يترك أثراً هادئاً يشبه الفكرة حين تستقر في الذهن بعد زمن، كان من ذلك النوع من الفنانين الذين لا يستهلكهم المشهد، بل يضيفون إليه عمقاً لا يُنسى بسهولة.
رحم الله الفنان عبدالعزيز مخيون، الذي فقد الوسط الفني برحيله فناناً وممثلاً مثقفاً، ترك بصمة يصعب تكرارها، وأثراً سيبقى حاضراً في ذاكرة الدراما العربية طويلاً.
Fatema.y.alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك