العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء:
عبدالعزيز مخيون.. صمته في المشهد جزءاً من لغته

{ بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ١٢ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

حينما‭ ‬كنت‭ ‬طفلة‭ ‬لا‭ ‬أعي‭ ‬عن‭ ‬الفن‭ ‬شيئاً،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬أدركت‭ ‬مدى‭ ‬عمق‭ ‬الشخصيات‭ ‬الفنية‭ ‬وتجسيد‭ ‬الأدوار،‭ ‬كنت‭ ‬أستغرب‭ ‬من‭ ‬هدوء‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬كالفنان‭ ‬القدير‭ ‬الراحل‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬مخيون،‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬في‭ ‬العاشر‭ ‬من‭  ‬يونيو‭ ‬2026‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬يعني‭ ‬الصخب،‭ ‬وأن‭ ‬الحضور‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بالانفعال‭ ‬الظاهر،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كبُرت‭ ‬وبدأت‭ ‬تتكشف‭ ‬لي‭ ‬لاحقاً‭ ‬حقيقة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً،‭ ‬فأدركت‭ ‬أن‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬التمثيل‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬يُقال،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يُترك‭ ‬لدى‭ ‬المتلقي‭ ‬من‭ ‬صمتٍ‭ ‬واعٍ،‭ ‬ومن‭ ‬تساؤلات‭ ‬تُترك‭ ‬دون‭ ‬جواب‭ ‬واضح‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الناجح‭ ‬الذي‭ ‬يؤثر‭ ‬فينا‭.‬

كان‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬مخيون‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬اختاروا‭ ‬أن‭ ‬يقفوا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الإزدحام،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يطارد‭ ‬الأدوار‭ ‬السهلة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬ثِقلاً‭ ‬فكرياً‭ ‬وأخلاقياً،‭ ‬شخصيات‭ ‬لا‭ ‬تُقدَّم‭ ‬للمتعة‭ ‬السريعة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُقدَّم‭ ‬للتأمل،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭  ‬نص‭ ‬يختاره‭ ‬كان‭ ‬يعدّه‭ ‬اختبار‭ ‬جديد‭ ‬لذاته‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬كثرة‭ ‬التحديات‭. ‬وفي‭ ‬أدائه،‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬أنه‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬المبالغة‭ ‬ليست‭ ‬قوة،‭ ‬بل‭ ‬ضجيج‭ ‬يحجب‭ ‬الحقيقة‭ ‬أحياناً،‭ ‬لذلك‭ ‬جاء‭ ‬تمثيله‭ ‬هادئاً،‭ ‬عميقاً،‭ ‬مكثفاً،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬والنظرة‭ ‬والنبرة‭. ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬كله‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُصرَّح‭ ‬به‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أصدق‭ ‬مما‭ ‬يُعلن‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬أصبح‭ ‬صمته‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬لغته،‭ ‬لا‭ ‬فراغاً‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬مساحة‭ ‬تفكير‭ ‬مفتوحة‭ ‬أمام‭ ‬المتلقي‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬الفني‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭ ‬الأوسع‭ ‬للحياة‭ ‬والفن،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬بعداً‭ ‬ثقافياً‭ ‬وفكرياً‭ ‬واضحاً،‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مؤدٍ،‭ ‬بل‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬زمنه،‭ ‬ومسؤول‭ ‬عن‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الشخصية‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬الوجود‭ ‬نفسه‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الفن‭ ‬لديه‭ ‬امتداداً‭ ‬للوعي،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مهنة‭.‬

وربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬ظل‭ ‬حضوره‭ ‬مختلفاً؛‭ ‬لا‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بالصخب،‭ ‬بل‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬هادئاً‭ ‬يشبه‭ ‬الفكرة‭ ‬حين‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬بعد‭ ‬زمن،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يستهلكهم‭ ‬المشهد،‭ ‬بل‭ ‬يضيفون‭ ‬إليه‭ ‬عمقاً‭ ‬لا‭ ‬يُنسى‭ ‬بسهولة‭.‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬الفنان‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬مخيون،‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬الوسط‭ ‬الفني‭ ‬برحيله‭ ‬فناناً‭ ‬وممثلاً‭ ‬مثقفاً،‭ ‬ترك‭ ‬بصمة‭ ‬يصعب‭ ‬تكرارها،‭ ‬وأثراً‭ ‬سيبقى‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الدراما‭ ‬العربية‭ ‬طويلاً‭.‬

 

Fatema‭.‬y‭.‬alyusuf@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا