كلما تسربت معلومات جديدة عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، تترسخ القناعات بأننا لا نتابع مجرد نقاش حول البرنامج النووي الإيراني، بل نشهد محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بأكمله. البند الأكثر إثارة للاهتمام في التسريبات الأخيرة هو الحديث عن اتفاق عدم اعتداء متبادل يشمل الأطراف الرئيسية وحلفاءها. وإذا صح ذلك، فإننا أمام تطور يتجاوز بكثير فكرة الاتفاق النووي أو تخفيف العقوبات أو حتى ضمان حرية الملاحة في الخليج. نحن أمام محاولة لإنتاج نظام إقليمي جديد، أو على الأقل تجميد النظام الحالي ومنع انفجاره. لكن ما يثير الانتباه ليس ما ورد في التسريبات، بل ما لم يرد فيها. فالتجارب علمتنا أن الاتفاقات الكبرى لا تُقاس بما تعلنه من أهداف، وإنما بما تتركه من آثار جانبية. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: هل الهدف صناعة سلام حقيقي في المنطقة، أم مجرد شراء الوقت وتأجيل المواجهة المقبلة؟ من السهل الحديث عن وقف الاعتداءات المتبادلة، لكن الإجابة عن الأسئلة التي تأتي بعد ذلك. ماذا عن الجماعات المسلحة التي أصبحت لاعباً أساسياً في المعادلة الإقليمية؟ وماذا عن الدول التي ترى في هذه الجماعات تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها؟ وهل يؤدي منع المواجهة العسكرية إلى معالجة المشكلة أم إلى تثبيت الواقع القائم ومنحه شرعية جديدة هنا يكمن جوهر القضية. نخشى أن يتحول السعي المشروع لمنع الحرب إلى عملية تجميد طويلة الأمد للأزمات القائمة. فالسلام الذي يوقف إطلاق النار دون أن يعالج أسباب الصراع قد ينجح في خفض التوتر مؤقتاً، لكنه لا يصنع استقراراً دائماً. بل قد يمنح جميع الأطراف فرصة لإعادة التموضع والاستعداد لجولة جديدة في المستقبل. قد لا نشارك المتفائلين اعتقادهم بأن المنطقة مقبلة على مرحلة سلام شامل. فالشرق الأوسط لم يكن يوماً ساحة لصراع واحد يمكن حله باتفاق واحد. نحن أمام شبكة معقدة من النزاعات المتداخلة والمصالح المتعارضة والحسابات المحلية والإقليمية والدولية. ولهذا فإن أي اتفاق أمريكي إيراني، مهما بلغت أهميته، لن يكون عصاً سحرية تنهي أزمات المنطقة. الأرجح أننا أمام محاولة لإدارة الصراع، وأمام مشروع لخفض مستوى المخاطر، لذلك ستبقى مستوى المخاطر والصراعات في المنطقة ستبقى حاضره، خصوصاً بعد سنوات من التصعيد والحروب والاستنزاف. لكن الخطأ سيكون في تصوير ذلك على أنه سلام تاريخي أو نهاية لعقود من المواجهة. التاريخ يعلمنا أن السلام الحقيقي لا يولد من تفاهمات أمنية فقط، بل من تحولات سياسية عميقة تغير سلوك الأطراف وتعيد تعريف مصالحها. وحتى الآن لا أرى مؤشرات كافية على أن المنطقة وصلت إلى هذه المرحلة. لذلك يجب أن نتعامل مع هذه التسريبات بكثير من الاهتمام، ولكن أيضاً بكثير من الحذر. فربما نكون أمام بداية مرحلة أكثر هدوءاً، لكن من المبكر جداً القول إننا أمام شرق أوسط جديد. فالمنطقة التي اعتادت مفاجأة العالم عقودا طويلة ما زالت قادرة على إنتاج مفاجآت أكبر من أي اتفاق وأوسع من أي تفاهم.
مقالات
سلام أم شراء للوقت؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك