العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

سلام أم شراء للوقت؟

بقلم: مؤنس المردي

الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كلما‭ ‬تسربت‭ ‬معلومات‭ ‬جديدة‭ ‬عن‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬تترسخ‭ ‬القناعات‭ ‬بأننا‭ ‬لا‭ ‬نتابع‭ ‬مجرد‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني،‭ ‬بل‭ ‬نشهد‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بأكمله‭. ‬البند‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للاهتمام‭ ‬في‭ ‬التسريبات‭ ‬الأخيرة‭ ‬هو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬اتفاق‭ ‬عدم‭ ‬اعتداء‭ ‬متبادل‭ ‬يشمل‭ ‬الأطراف‭ ‬الرئيسية‭ ‬وحلفاءها‭. ‬وإذا‭ ‬صح‭ ‬ذلك،‭ ‬فإننا‭ ‬أمام‭ ‬تطور‭ ‬يتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬فكرة‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬أو‭ ‬تخفيف‭ ‬العقوبات‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬محاولة‭ ‬لإنتاج‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬تجميد‭ ‬النظام‭ ‬الحالي‭ ‬ومنع‭ ‬انفجاره‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬التسريبات،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يرد‭ ‬فيها‭. ‬فالتجارب‭ ‬علمتنا‭ ‬أن‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬تعلنه‭ ‬من‭ ‬أهداف،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬تتركه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬جانبية‭. ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُطرح‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬الهدف‭ ‬صناعة‭ ‬سلام‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬شراء‭ ‬الوقت‭ ‬وتأجيل‭ ‬المواجهة‭ ‬المقبلة؟‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬وقف‭ ‬الاعتداءات‭ ‬المتبادلة،‭ ‬لكن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬لاعباً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬الإقليمية؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬لأمنها‭ ‬واستقرارها؟‭ ‬وهل‭ ‬يؤدي‭ ‬منع‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلة‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬الواقع‭ ‬القائم‭ ‬ومنحه‭ ‬شرعية‭ ‬جديدة‭ ‬هنا‭ ‬يكمن‭ ‬جوهر‭ ‬القضية‭. ‬نخشى‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬السعي‭ ‬المشروع‭ ‬لمنع‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬تجميد‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬للأزمات‭ ‬القائمة‭. ‬فالسلام‭ ‬الذي‭ ‬يوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعالج‭ ‬أسباب‭ ‬الصراع‭ ‬قد‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬التوتر‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬استقراراً‭ ‬دائماً‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع‭ ‬والاستعداد‭ ‬لجولة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نشارك‭ ‬المتفائلين‭ ‬اعتقادهم‭ ‬بأن‭ ‬المنطقة‭ ‬مقبلة‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬سلام‭ ‬شامل‭. ‬فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوماً‭ ‬ساحة‭ ‬لصراع‭ ‬واحد‭ ‬يمكن‭ ‬حله‭ ‬باتفاق‭ ‬واحد‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬المتداخلة‭ ‬والمصالح‭ ‬المتعارضة‭ ‬والحسابات‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬أمريكي‭ ‬إيراني،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬أهميته،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬عصاً‭ ‬سحرية‭ ‬تنهي‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة‭. ‬الأرجح‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬محاولة‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع،‭ ‬وأمام‭ ‬مشروع‭ ‬لخفض‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر،‭ ‬لذلك‭ ‬ستبقى‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭ ‬والصراعات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ستبقى‭ ‬حاضره،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬والحروب‭ ‬والاستنزاف‭. ‬لكن‭ ‬الخطأ‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سلام‭ ‬تاريخي‭ ‬أو‭ ‬نهاية‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭. ‬التاريخ‭ ‬يعلمنا‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬تفاهمات‭ ‬أمنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬سياسية‭ ‬عميقة‭ ‬تغير‭ ‬سلوك‭ ‬الأطراف‭ ‬وتعيد‭ ‬تعريف‭ ‬مصالحها‭. ‬وحتى‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬مؤشرات‭ ‬كافية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬لذلك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التسريبات‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الاهتمام،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الحذر‭. ‬فربما‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءاً،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المبكر‭ ‬جداً‭ ‬القول‭ ‬إننا‭ ‬أمام‭ ‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‭. ‬فالمنطقة‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬مفاجأة‭ ‬العالم‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬مفاجآت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬وأوسع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تفاهم‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا