العدد : ١٧٦١٣ - السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٣ - السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

هل اكتملت أركان لعبة الحرب في الشرق الأوسط؟!! - 3

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تكشفت‭ ‬حقائق‭ ‬لم‭ ‬تُعلن‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬أسبابها،‭ ‬واكتملت‭ ‬أركان‭ ‬لعبة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تُحَدِّد‭ ‬مصالح‭ ‬الأطراف‭ ‬المتحاربة‭ ‬على‭ ‬المديين‭ ‬القريب‭ ‬والبعيد؛‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬الحرب‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بأنها‭ ‬قد‭ ‬تبقى‭ ‬تهديدًا‭ ‬‮«‬مُدارًا‮»‬‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬حرب‭ ‬باردة‭ ‬إقليمية،‭ ‬على‭ ‬نمط‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬القديمة،‭ ‬ولكن‭ ‬أكثر‭ ‬سخونة‭ ‬منها‭... ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬سنحاول‭ ‬هنا‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬المتداولة‭ ‬لاستشراف‭ ‬الدور‭ ‬القادم‭ ‬للصراع‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬لعبة‭ ‬المصالح‭ ‬والنفوذ‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يتردد‭ ‬كثيرًا‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬انسحاب‭ ‬أمريكا‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬سيكون‭ ‬حلا‭ ‬لأزماتها؟‭ ‬أم‭ ‬سيخلق‭ ‬فراغًا‭ ‬يملؤه‭ ‬لاعبون‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة؟

الجواب‭ ‬هنا‭ ‬يحمل‭ ‬موضوعية‭ ‬شديدة؛‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بأي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬الوجود،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الوجود،‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إجابة‭ ‬عميقة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬يلامس‭ ‬فكرة‭ ‬طالما‭ ‬شغلت‭ ‬المفكرين‭.‬

الإجابة‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬سؤالنا‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬سيخلق‭ ‬فراغًا‭ ‬أمنيًّا‭ ‬خطيرًا‭ ‬سيمتلئ‭ ‬بمكون‭ ‬آخر،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬تغوّل‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الصراع‭ ‬والتنافس‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬النفوذ‭ ‬والهيمنة،‭ ‬لن‭ ‬تبقى‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬ذات‭ ‬الثراء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والأهمية‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فراغ‭ ‬أمني،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُملأ‭ ‬بإحدى‭ ‬هذه‭ ‬القوى،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬بغداد؛‭ ‬بل‭ ‬سيكون‭ ‬حجم‭ ‬إحلال‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬الفراغ‭ ‬بمقدار‭ ‬ثقل‭ ‬كتلته،‭ ‬وعناصر‭ ‬قوته،‭ ‬وسعة‭ ‬نفوذه‭ ‬وحلفائه؛‭ ‬بينما‭ ‬لن‭ ‬تختفي‭ ‬أمريكا‭ ‬كليًّا،‭ ‬بل‭ ‬ستتحول‭ ‬من‭ ‬شرطي‭ ‬واضح‭ ‬إلى‭ ‬مُحَرِّضٍ‭ ‬خفي‭. ‬وهذه‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لها‭ ‬أسماء‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الاستنزاف‭ ‬بالوكالة‭ (‬Proxy‭ ‬Attrition‭)‬‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬غير‭ ‬المباشر‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬المباشر،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬تخفي‭ ‬الكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬أمريكا،‭ ‬وترفع‭ ‬الكلفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬دموية‭ ‬وتدميرية‭ ‬بالوكالة،‭ ‬وأيضًا‭ ‬تخلق‭ ‬فوضى‭ ‬دائمة‭ ‬قابلة‭ ‬للتصعيد‭.‬

من‭ ‬هم‭ ‬‮«‬اللاعبون‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬سيملؤون‭ ‬الفراغ؟

إذن،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مؤكد‭ ‬أنه،‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬أمريكا‭ ‬لن‭ ‬تترك‭ ‬المنطقة‭ ‬فارغة،‭ ‬بل‭ ‬ستدفع‭ ‬ببعض‭ ‬اللاعبين‭ ‬لملئها‭ ‬بطريقة‭ ‬تخدم‭ ‬مصالحها‭. ‬وأبرز‭ ‬هؤلاء‭ ‬اللاعبين‭ ‬هم‭: ‬1‭- ‬إسرائيل؛‭ ‬الذراع‭ ‬العسكرية‭ ‬الطويلة‭ ‬لأمريكا،‭ ‬التي‭ ‬ستتحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الوكيل‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ ‬بغطاء‭ ‬أمريكي،‭ ‬لإبقاء‭ ‬الصراعات‭ ‬مفتوحة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وأذرعها،‭ ‬واستمرار‭ ‬زعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭... ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بل‭ ‬بديلا‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬محددة،‭ ‬وهي‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بنفسها؛‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ستعتمد‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الحاسمة‭ ‬على‭ ‬الغطاء‭ ‬والنفوذ‭ ‬الأمريكي‭. ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬الجديدة‭ ‬هي‭ ‬بالفعل‭ ‬اللاعب‭ ‬الأقوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إمدادات‭ ‬وذخائر‭ ‬ودعم‭ ‬لوجستي‭ ‬من‭ ‬حليفه‭ ‬الكبير‭ ‬خلف‭ ‬الأطلسي‭. ‬2‭- ‬إيران؛‭ ‬العدو‭ ‬التقليدي‭ ‬والتهديد‭ ‬المُدار،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬سيناريو‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الفراغ‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تترك‭ ‬لها‭ ‬أمريكا‭ ‬مساحة‭ ‬لتكون‭ ‬‮«‬الشرطي‭ ‬الشيعي‮»‬‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬مقابل‭ ‬اتفاق‭ ‬نووي،‭ ‬لتعميق‭ ‬أزمة‭ ‬النفوذ‭ ‬المليشياوي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬واليمن‭ ‬ولبنان،‭ ‬واستمرار‭ ‬سباق‭ ‬التسلح،‭ ‬والتسلح‭ ‬النووي‭ ‬الإقليمي‭. ‬3‭- ‬تركيا؛‭ ‬ذات‭ ‬الأجندة‭ ‬الخاصة،‭ ‬واللاعب‭ ‬المتقلب‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬تستخدمه‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭. ‬4-‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي؛‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬مشروعها‭ ‬والرغبة‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعترك‭ ‬الضاري،‭ ‬وهي‭ ‬تملك‭ ‬المقومات‭ ‬الكبرى‭ ‬والرئيسية‭ ‬لملء‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭.‬

كيف‭ ‬ستدفع‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬الثمن‭ ‬تحديدًا؟

ستدفع‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا‭ ‬لهذه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الدماء،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬لمقومات‭ ‬الحياة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اقتصاد‭ ‬الكوارث،‭ ‬والتسليح‭ ‬المفرط‭ ‬والتجويع،‭ ‬وإبادة‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية،‭ ‬وانهيار‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بتحويل‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬حروب‭ ‬طائفية‭ ‬وعرقية‭ (‬النموذج‭ ‬العراقي،‭ ‬السوري،‭ ‬اليمني‭).‬

ولكن،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الإجابة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬السيناريو‭ ‬المرجح‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬هو‭ ‬سيناريو‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬الإقليمية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بقاء‭ ‬أمريكي‭ ‬رمزي،‭ ‬مع‭ ‬تقسيم‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذ‭ (‬إيرانية،‭ ‬تركية،‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬خليجية‭)‬،‭ ‬بينها‭ ‬صراعات،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الفوضى‭ ‬المُدارة،‭ ‬والتهديد‭ ‬المُدار‭.‬

هل‭ ‬من‭ ‬مخرج؟

نعم؛‭ ‬المَخرج‭ ‬لا‭ ‬يكمُن‭ ‬في‭ ‬رحيل‭ ‬أمريكا‭ ‬أو‭ ‬بقائها،‭ ‬بل‭ ‬في‮ ‬قدرة‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬بديل‭ ‬إقليمي‭ ‬مستقل؛‭ ‬بالتكامل‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ (‬سوق‭ ‬عربية‭ ‬مشتركة،‭ ‬عملة‭ ‬موحدة،‭ ‬شبكة‭ ‬طاقة‭ ‬ومياه‭ ‬متصلة‭)‬؛‭ ‬وتطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬والمساءلة؛‭ ‬وبسياسة‭ ‬خارجية‭ ‬مستقلة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أداة‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬صعبًا‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عقود،‭ ‬لكنه‭ ‬المسار‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يُخرج‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬‮«‬الضحية‭ ‬الأبدية‮»‬‭ ‬للعبة‭ ‬الأمم‭ ‬الكبرى‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد؟

بالمنظور‭ ‬التحليلي‭ ‬السابق،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭ (‬إن‭ ‬تحقق‭) ‬لربما‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬حليفًا‭ ‬للشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬لأنه‭ ‬سيُبنى‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الصراعات‭ ‬وليس‭ ‬حلها،‭ ‬وإرضاء‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬وحلفائها‭ ‬الإقليميين‭ (‬إسرائيل،‭ ‬إيران،‭ ‬تركيا‭)‬؛‭ ‬وأيضًا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬تجميد‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن على‭ ‬حساب‭ ‬الحقوق‭ ‬والكرامة‭ ‬والتنمية‭ ‬العادلة‭.‬

إن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬تحلم‭ ‬به‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ (‬أمن‭ ‬إنسانية،‭ ‬عدالة،‭ ‬حريات،‭ ‬كرامة‭) ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬طاولات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬من إرادة‭ ‬داخلية‭ ‬عربية قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬‮«‬الاستقرار‮»‬‭ ‬نفسه‭: ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬كغياب‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬كوجود‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭.‬

فالسؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭: ‬‮«‬هل‭ ‬سيكون‭ ‬الاستقرار‭ ‬حليفًا‭ ‬للشعوب‭ ‬العربية؟‮»‬‭ ‬بل‭: ‬‮«‬هل‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والوعي‭ ‬والإرادة‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تصنع‭ ‬استقرارها‭ ‬بنفسها؟‮»‬

وهنا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬نفسر‭ ‬مفهوم‭ ‬الإرادة‭ ‬الداخلية‭ ‬العربية،‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬مُرَكّب‭ ‬يتطلب‭ ‬تفكيكه‭ ‬إلى‭ ‬مكونات‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقيق،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعار‭ ‬عاطفي،‭ ‬ثم‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬تواجهها،‭ ‬ثم‭ ‬سُبل‭ ‬تعزيزها،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬استقرارًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬وتنمويًّا‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬استقرار‭ ‬أمني‭. ‬

ويمكن‭ ‬هنا‭ ‬وصف‭ ‬مفهوم‮ «‬الإرادة‭ ‬الداخلية‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬التبعية‭ ‬إلى‭ ‬الفاعلية،‭ ‬ومن‭ ‬انتظار‭ ‬الحلول‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬صنع‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذاتي،‭ ‬وهو‭ ‬يتجاوز‭ ‬كونه‭ ‬مجرد‭ ‬رغبة‭ ‬أو‭ ‬أمنية‭ ‬أو‭ ‬دعوة‭ ‬عاطفية‭. ‬إن‭ ‬الإرادة‭ ‬الداخلية‭ ‬هي‭ ‬قدرة‭ ‬مجتمع‭ ‬منظم‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬مصيره‭ ‬الجماعي،‭ ‬وتعبئة‭ ‬موارده‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافه،‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬صعبة‭ ‬تتحدى‭ ‬الإكراه‭ ‬الخارجي‭ ‬والمصالح‭ ‬الخاصة؛‭ ‬تتكون‭ ‬أركانه‭ ‬من‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية،‭ ‬ثم‭ ‬الواقع‭ ‬العربي،‭ ‬والإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬ثم‭ ‬الإرادة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬أي‭ ‬قدرة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬وظائفها‭ ‬بكفاءة‭ ‬واستقلالية؛‭ ‬وهناك‭ ‬أيضًا‭ ‬الإرادة‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬مشتركة‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي،‭ ‬والابتكار،‭ ‬وتَحَمُّل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وتقديس‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.‬

وهنا‭ ‬سنتجاوز‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العوائق‭ ‬الرئيسية‭ ‬أمام‭ ‬قدرة‭ ‬الإرادة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬ليكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تقييم‭ ‬القارئ‭ ‬لمجتمعه‭ ‬عمومًا‭... ‬ولكن‭ ‬أهم‭ ‬سبل‭ ‬بناء‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإرادة‭ ‬الداخلية‭ ‬العربية‭ ‬المفقودة‭ ‬أو‭ ‬الضعيفة‭ ‬هو‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬البقاء‭ ‬مرتبط‭ ‬بالإصلاح،‭ ‬وبناء‭ ‬المشاريع‭ ‬الوطنية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬وفك‭ ‬الارتباط‭ ‬التدريجي‭ ‬عن‭ ‬المحاور‭ ‬الخارجية‭ ‬لصالح‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية،‭ ‬والتحول‭ ‬من‭ ‬الاحتجاج‭ ‬العفوي‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬المنظم،‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل،‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العربي،‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفساد‭.‬

في‭ ‬الخلاصة،‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإرادة‭ ‬الداخلية‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬أسطورة،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬واقعًا‭ ‬حاضرًا‭ ‬أيضًا‭. ‬هي‮ ‬إمكانية‭ ‬تاريخية تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قيادات‭ ‬جريئة‮ ‬تضع‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬فوق‭ ‬مصلحتها‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬الحزبية؛‭ ‬وشعوب‭ ‬واعية‮ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬التغيير‭ ‬يبدأ‭ ‬منها‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الخارج؛‭ ‬وبنية‭ ‬اقتصادية‭ ‬متينة‭ ‬تضع‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬أولوياتها؛‭ ‬وتكامل‭ ‬عربي‭ ‬حقيقي‮ ‬يحوّل‭ ‬المجموع‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬مستهلك‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬ومنتج‭ ‬واحد،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭.‬

حتى‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬سيظل‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية رهنًا‭ ‬بإرادة‭ ‬خارجية،‭ ‬واللعبة‭ ‬الدولية‭ ‬الجديدة‭ ‬ستكون‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬وخطرًا‭ ‬مما‭ ‬سبق‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا