العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

من يملك ثروة الذكاء الاصطناعي؟

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬تقريراً‭ ‬استند‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أوردته‭ ‬وكالتا‭ ‬‮«‬رويترز‮»‬‭ ‬و«واشنطن‭ ‬بوست‮»‬‭ ‬حول‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬بحث‭ ‬إمكانية‭ ‬حصول‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬الجمهور‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬التي‭ ‬ستولدها‭ ‬شركات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الكبرى‭.‬

وقد‭ ‬يبدو‭ ‬الخبر‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬مجرد‭ ‬نقاش‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬اقتصادي‭ ‬مرتبط‭ ‬بقطاع‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬لما‭ ‬وراء‭ ‬التصريحات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬أعمق‭ ‬بكثير‭ ‬يجري‭ ‬داخل‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭. ‬فالقضية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتعلق‭ ‬بتنظيم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أو‭ ‬ضبط‭ ‬مخاطره‭ ‬أو‭ ‬تعزيز‭ ‬التنافس‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬تمس‭ ‬سؤالاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬يتعلق‭ ‬بمستقبل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الأمريكية‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬ثروة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي؟‭ ‬ومن‭ ‬يستحق‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬عوائدها‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ستصبح‭ ‬المحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة؟

ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬استثنائياً‭ ‬أنه‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ذاتها،‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬نفوذها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬السوق‭ ‬الحرة‭ ‬والملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬والابتكار‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬الشركات‭. ‬وعندما‭ ‬يبدأ‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬منح‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬نصيباً‭ ‬مباشراً‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬الرقمية‭ ‬المستقبلية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬مجرد‭ ‬توجه‭ ‬تنظيمي‭ ‬جديد،‭ ‬بل‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬فكرية‭ ‬متنامية‭ ‬لدور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬وإلى‭ ‬إدراك‭ ‬متزايد‭ ‬بأن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬قطاع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واعد،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مورداً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الوطنية‭.‬

الأهمية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬حصول‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬حصص‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬أوبن‭ ‬إيه‭ ‬آي‮»‬‭ ‬و«أنثروبيك‮»‬‭ ‬و«سبيس‭ ‬إكس‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬تعكسه‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬قدمت‭ ‬نفسها‭ ‬بوصفها‭ ‬النموذج‭ ‬الأبرز‭ ‬للرأسمالية‭ ‬الحرة،‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بمنطق‭ ‬جديد‭: ‬ليس‭ ‬تأميم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬تحويل‭ ‬بعض‭ ‬قطاعات‭ ‬المستقبل‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬وطنية‭ ‬ذات‭ ‬عائد‭ ‬عام‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مجرد‭ ‬صناعة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬سيادية،‭ ‬تشبه‭ ‬الطاقة‭ ‬والدفاع‭ ‬والرقائق‭ ‬والاتصالات‭. ‬فمن‭ ‬يملك‭ ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المتقدمة‭ ‬قد‭ ‬يمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬والإنتاج،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والطب،‭ ‬والإعلام،‭ ‬وحتى‭ ‬القرار‭ ‬العسكري‭. ‬لذلك‭ ‬يصبح‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬ليس‭ ‬خروجاً‭ ‬كاملاً‭ ‬عن‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬الخاص‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة‭.‬

الأعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الفكرة‭ ‬تكشف‭ ‬قلقاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬حقيقياً‭. ‬فالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬ثروات‭ ‬تريليونية،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يضغط‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬الوظائف،‭ ‬ويعيد‭ ‬توزيع‭ ‬الدخل‭ ‬لمصلحة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العمل‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬البعد‭ ‬الأمني‭. ‬فالبيت‭ ‬الأبيض‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬باعتباره‭ ‬قضية‭ ‬أمن‭ ‬قومي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قضية‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭. ‬فالنماذج‭ ‬المتقدمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تدعم‭ ‬الدفاع‭ ‬السيبراني‭ ‬وتزيد‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬الهجمات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬أو‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬متقدمة‭.‬

بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬المعنى‭ ‬الأهم‭ ‬لهذا‭ ‬النقاش‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬عصر‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بشراء‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬نهايته‭. ‬فالثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لن‭ ‬تتولد‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬المنصات‭ ‬والشركات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الصناديق‭ ‬السيادية‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المستثمرين‭ ‬العالميين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬قد‭ ‬تتطلب‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬المستثمر‭ ‬المالي‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬العائد‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬المستثمر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة،‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتوطين‭ ‬التقنيات،‭ ‬وتطوير‭ ‬منظومات‭ ‬ابتكار‭ ‬محلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭.‬

ما‭ ‬يكشفه‭ ‬التقرير‭ ‬المذكور‭ ‬يتجاوز‭ ‬كثيراً‭ ‬حدود‭ ‬خبر‭ ‬اقتصادي‭ ‬عابر‭. ‬فهو‭ ‬يعكس‭ ‬بداية‭ ‬مراجعة‭ ‬أمريكية‭ ‬عميقة‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهي‭ ‬المعقل‭ ‬التاريخي‭ ‬للرأسمالية‭ ‬الحرة،‭ ‬تعيد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬توزيع‭ ‬ثروة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الجديدة،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مطالبة‭ ‬بطرح‭ ‬سؤال‭ ‬موازٍ‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬تقنية‭ ‬مستوردة‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬استراتيجي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬السيادة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وصناعة‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة؟

فربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬يستخدم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يملكه،‭ ‬ومن‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬جني‭ ‬ثروته،‭ ‬ومن‭ ‬يحدد‭ ‬قواعده‭ ‬واتجاهاته‭. ‬وهنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تتشكل‭ ‬ملامح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا