نشر موقع «سي إن إن» قبل يومين تقريرا حول شكاوى عملاء اتهموا وكالات عقارات في بريطانيا باستخدام صور مُنشأة بالذكاء الاصطناعي بشكل «مضلل» لتحسين مظهر المنازل المعروضة للبيع وجعل المنازل تبدو أكبر حجماً أو بحالة أفضل مما هي عليه في الواقع. فمثلا في إحدى الصور، تم إزالة جزء كامل من المدخنة. وشكا أحد المشترين بأن العقار الذي ذهب لمعاينته يختلف بشكل كبير عما ظهر في الصور المنشورة عبر الإنترنت.
وقال عميل ان المكان الذي عاينه لم يكن فقط مختلفاً تماماً عن الصور، بل لم يكن أيضاً في حالة جيدة.
بل ظهرت في بعض الصور ديكورات غير موجودة أساسا، وكذلك مرافق إضافيا وعناصر تصميمية مختلفة. وقال بعض الزبائن ان الغرف تبدو أكبر مما هي عليه فعلياً.
واعتبر العديد من الأشخاص هذه الممارسات بأنها «إعلانات مضللة»، وأن مشاهدتهم للواقع جعلهم يشعرون بخيبة أمل كبيرة.
في الواقع، بات الذكاء الاصطناعي سلاحا ذا حدين في التسويق والاعلان بالسوق العقاري، حيث تحول الى أداة سهلة يستخدمها البعض للتضليل بطرق متعددة خاصة مع تطور أدوات توليد النصوص والصور والفيديوهات. ومن أبرز الأساليب التي يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل بالسوق العقاري:
- الإعلانات المضللة مثل كتابة أوصاف احترافية ومقنعة لعقارات تعاني من عيوب جوهرية، او المبالغة في مزايا الموقع أو العائد الاستثماري المتوقع.
- التلاعب بالصور مثل تغطية التشققات والعيوب، بل إضافة مرافق غير موجودة أساسا مثل حدائق أو إطلالات، فضلا عن تحسين الصور بشكل يجعل العقار يبدو مختلفاً عن الواقع.
- إنتاج فيديوهات وجولات افتراضية ثلاثية الأبعاد توحي بمواصفات ومساحات تختلف عن الواقع.
- تزوير التقييمات والآراء، مثل إنشاء مراجعات وتعليقات وهمية بكميات كبيرة لرفع سمعة المشروع العقاري. ويصل الامر الى نشر معلومات مضللة عن الأسعار وعن العرض والطلب، بل العمل على تشويه سمعة مشروع منافس.
- تزييف واقع واتجاهات السوق والتلاعب بالبيانات من خلال نشر تقارير أو تحليلات مولدة بالذكاء الاصطناعي تتنبأ بارتفاعات كبيرة في الأسعار بهدف دفع المشترين إلى اتخاذ قرارات متسرعة. ويمكن أيضا إنشاء قواعد بيانات أو مؤشرات مزيفة توحي بوجود طلب مرتفع أو معدلات إشغال مرتفعة في منطقة معينة. فكثير من المستثمرين يعتمدون على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتقييم الأسعار المستقبلية بناءً على البيانات الضخمة. وهنا يمكن للمضللين التأثير على هذه الأنظمة ببيانات مدخلة تدفع خوارزميات التقييم الآلي إلى رفع القيمة التقديرية للعقارات في ذلك الحي بشكل مصطنع.
- انتحال شخصيات غير حقيقية باستخدام تقنيات التزييف العميق لإنتاج مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية لشخصيات معروفة أو خبراء عقاريين يبدون وكأنهم يؤيدون مشروعاً معينا.
- إنشاء عقارات وهمية وصور ومخططات ثلاثية الأبعاد لعقارات ومشاريع لا وجود لها على أرض الواقع، واستخدامها في حملات تسويقية لجمع مقدمات حجز أو ودائع من المشترين قبل اختفاء المحتالين.
- انتحال صفة الملاك وتزييف مستندات الهوية والملكيات الرقمية لإقناع الوكلاء العقاريين أو المشترين بأنهم الملاك الحقيقيون للأرض أو العقار بهدف بيعه أو رهنه دون علم صاحبه الأصلي.
ولكن كل ذلك لا ينفي دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الشفافية بالقطاع العقاري. وإذا كان البعض يعتبر الذكاء الاصطناعي أداة للتضليل في السوق العقاري، فإنه بالمقابل وسيلة ناجعة لكشف هذا التضليل، عبر تحليل الصور والبيانات والأسعار واكتشاف الإعلانات المشبوهة وتحليل التقييمات بشكل آلي، مما يعزز الشفافية ويرفع قدرة المستثمرين والجهات الرقابية على التحقق من المعلومات واتخاذ قرارات أكثر دقة.
لذلك يمكن الاعتماد عليه في كشف الصور والفيديوهات المعدلة، التحقق من صحة الإعلانات العقارية، تحليل الأسعار واكتشاف المبالغات بل وحتى التنبيه عند وجود فروقات سعرية غير مبررة قد تشير إلى تضليل أو مضاربة غير طبيعية. كما يمكنه الكشف عن المراجعات والتقييمات الوهمية واكتشاف التعليقات التي تم إنشاؤها آلياً أو التي تظهر أنماطاً غير طبيعية، والتمييز بين تقييمات العملاء الحقيقيين والحسابات المزيفة. يضاف الى ذلك دوره في مراقبة اتجاهات السوق وتحليل البيانات لرصد الشائعات أو المعلومات المضللة التي قد تؤثر على قرارات المستثمرين، واكتشاف الحملات المنسقة التي تهدف إلى رفع أو خفض أسعار العقارات بشكل مصطنع.
كل ذلك يساهم في تعزيز الشفافية وتوفير معلومات فورية حول تاريخ العقار، والأسعار السابقة، ومستوى الطلب الحقيقي في المنطقة، مما يساعد المشترين على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات فعلية بدلاً من الادعاءات التسويقية.
وبنفس الوقت يعتبر الذكاء الاصطناعي داعما للجهات الرقابية حيث يمكن من فحص آلاف الإعلانات العقارية بشكل آلي للكشف عن المخالفات المحتمل، وتحديد الشركات أو الوسطاء الذين تتكرر لديهم أنماط تضليلية.
كل ذلك دفع الجهات التنظيمية العقارية في العديد من الدول إلى تبني أنظمة ذكاء اصطناعي مضادة لحماية القطاع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك