وقت مستقطع
علي ميرزا
فوضى فـي عاصمة النور والموضة
لم تكن مناظر الشغب التي أعقبت تتويج الفريق الفرنسي باريس سان جيرمان بلقب دوري أبطال أوروبا بعد فوزه على الفريق الإنجليزي أرسنال بركلات الجزاء الترجيحية مجرد حدث عابر في سجلات كرة القدم، بل كانت مرآة عاكسة لظاهرة اجتماعية معقدة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ففي ليلة القبض على اللقب، تحولت شوارع باريس عاصمة النور والموضة من ساحات للاحتفال الرياضي إلى مسارح للفوضى، اختلط فيها الحابل بالنابل، إذ امتزجت نشوة الانتصار «بـرغبة التخريب، ليتساءل الجميع: هل كانت هذه الجموع تحتفل بانتصار فريقها، أم أنها كانت تبحث عن ذريعة للتعبير عن مكبوتات اجتماعية ونفسية في سياق رياضي؟
فإذا كان الفوز الصاخب قد أدى إلى اعتقال قرابة 890 مشاغبا، فهل كان الخروج بالهزيمة، خاصة عبر ركلات الترجيح القاسية، سيؤدي إلى انفجار بركاني أكبر؟
من الناحية التحليلية، غالبا ما يتوقع المحللون أن الهزيمة في المباريات الكبرى تولد طاقة سلبية مضاعفة، ولكن، في حالة باريس سان جيرمان، يبدو أن المبالغة في التعبير هي القاسم المشترك سواء في الفوز أو الخسارة. ففي حال الهزيمة، كان من المرجح أن تتحول الفوضى إلى اتجاه انتقامي، إذ يتم استهداف رموز النادي (اللاعبين، المدرب) أو الممتلكات العامة كنوع من التنفيس عن «خيبة الأمل». بينما في حالة الفوز، تحولت الفوضى إلى احتفال متوحش إن صح الوصف يفقد فيه الأفراد السيطرة على ذواتهم تحت تأثير ثقافة النشوة الجماعية، مما يؤدي إلى تداخل مشاعر الفرح الجامح مع الرغبة في كسر القيود والقوانين.
ما حدث ويحدث مستقبلا يرجع، إلى «عقلية القطيع» التي تسود في التجمعات الحاشدة، إذ يتخفى فيها الوعي الفردي والمسؤولية الشخصية خلف الهوية الجماعية. يجد المشاغب في الزحام غطاء لتنفيذ أفعاله، معتقدا في قرارة نفسه أن الجميع يفعل ذلك، مما يلغي الحواجز الأخلاقية والقانونية.
إن الرياضة ينبغي أن تظل متنفسا حضاريا للرقي الإنساني، لا معولا لهدم الممتلكات وترويع الآمنين، إن رقم 890 ممسوكا ليس مجرد إحصائية أمنية، بل هو مؤشر خطر يدق ناقوس التنبيه إلى ضرورة إعادة النظر في كيفية إدارة الجماهير، وتعميق الوعي الرياضي الذي يفرق بين التعصب للقيم والانزلاق نحو الهمجية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك