العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

وقت مستقطع

علي ميرزا

فوضى فـي عاصمة النور والموضة

لم‭ ‬تكن‭ ‬مناظر‭ ‬الشغب‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬تتويج‭ ‬الفريق‭ ‬الفرنسي‭ ‬باريس‭ ‬سان‭ ‬جيرمان‭ ‬بلقب‭ ‬دوري‭ ‬أبطال‭ ‬أوروبا‭ ‬بعد‭ ‬فوزه‭ ‬على‭ ‬الفريق‭ ‬الإنجليزي‭ ‬أرسنال‭ ‬بركلات‭ ‬الجزاء‭ ‬الترجيحية‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مرآة‭ ‬عاكسة‭ ‬لظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬معقدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المستطيل‭ ‬الأخضر‭. ‬ففي‮ ‬ليلة‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬اللقب،‭ ‬تحولت‭ ‬شوارع‭ ‬باريس‭ ‬عاصمة‭ ‬النور‭ ‬والموضة‭ ‬من‭ ‬ساحات‭ ‬للاحتفال‭ ‬الرياضي‭ ‬إلى‭ ‬مسارح‭ ‬للفوضى،‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل،‮ ‬إذ‭ ‬امتزجت‭ ‬نشوة‭ ‬الانتصار‭ ‬‮«‬بـرغبة‭ ‬التخريب،‭ ‬ليتساءل‭ ‬الجميع‭: ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الجموع‭ ‬تحتفل‭ ‬بانتصار‭ ‬فريقها،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ذريعة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مكبوتات‭ ‬اجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬رياضي؟

‮ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الفوز‭ ‬الصاخب‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اعتقال‭ ‬قرابة‭ ‬890‭ ‬مشاغبا،‭ ‬فهل‭ ‬كان‭ ‬الخروج‭ ‬بالهزيمة،‭ ‬خاصة‭ ‬عبر‭ ‬ركلات‭ ‬الترجيح‭ ‬القاسية،‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انفجار‭ ‬بركاني‭ ‬أكبر؟

من‭ ‬الناحية‭ ‬التحليلية،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يتوقع‭ ‬المحللون‭ ‬أن‭ ‬الهزيمة‭ ‬في‭ ‬المباريات‭ ‬الكبرى‭ ‬تولد‭ ‬طاقة‭ ‬سلبية‭ ‬مضاعفة،‭ ‬ولكن،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬باريس‭ ‬سان‭ ‬جيرمان،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬هي‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الفوز‭ ‬أو‭ ‬الخسارة‭. ‬ففي‭ ‬حال‭ ‬الهزيمة،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الفوضى‭ ‬إلى‭ ‬اتجاه‭ ‬انتقامي،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬استهداف‭ ‬رموز‭ ‬النادي‭ (‬اللاعبين،‭ ‬المدرب‭) ‬أو‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬التنفيس‭ ‬عن‭ ‬‮«‬خيبة‭ ‬الأمل‮»‬‭. ‬بينما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الفوز،‭ ‬تحولت‭ ‬الفوضى‭ ‬إلى‭ ‬احتفال‭ ‬متوحش‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬الوصف‭ ‬يفقد‭ ‬فيه‭ ‬الأفراد‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬ذواتهم‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬ثقافة‭ ‬النشوة‭ ‬الجماعية،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تداخل‭ ‬مشاعر‭ ‬الفرح‭ ‬الجامح‭ ‬مع‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬القيود‭ ‬والقوانين‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬مستقبلا‭ ‬يرجع،‮ ‬إلى‭ ‬‮«‬عقلية‭ ‬القطيع‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬في‭ ‬التجمعات‭ ‬الحاشدة،‭ ‬إذ‭ ‬يتخفى‭ ‬فيها‭ ‬الوعي‭ ‬الفردي‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الشخصية‭ ‬خلف‭ ‬الهوية‭ ‬الجماعية‭. ‬يجد‭ ‬المشاغب‭ ‬في‭ ‬الزحام‭ ‬غطاء‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أفعاله،‭ ‬معتقدا‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬مما‭ ‬يلغي‭ ‬الحواجز‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والقانونية‭.‬

إن‭ ‬الرياضة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬متنفسا‭ ‬حضاريا‭ ‬للرقي‭ ‬الإنساني،‭ ‬لا‭ ‬معولا‭ ‬لهدم‭ ‬الممتلكات‭ ‬وترويع‭ ‬الآمنين،‮ ‬إن‭ ‬رقم‭ ‬890‭ ‬ممسوكا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إحصائية‭ ‬أمنية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مؤشر‭ ‬خطر‭ ‬يدق‭ ‬ناقوس‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الجماهير،‭ ‬وتعميق‭ ‬الوعي‭ ‬الرياضي‭ ‬الذي‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬التعصب‭ ‬للقيم‭ ‬والانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬الهمجية‭.‬

 

إقرأ أيضا لـ"علي ميرزا"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا